المشاركة الانتخابية بالمغرب.. سؤال الجدوى والفاعلية - Marayana
×
×

المشاركة الانتخابية بالمغرب.. سؤال الجدوى والفاعلية

إعادة الاعتبار لمعنى المشاركة الانتخابية والسياسية لا يمر فقط عبر دعوات للتصويت، بل عبر بناء شروط اجتماعية وسياسية تجعل من هذا التصويت فعلًا ذا معنى.
تكريس التصويت كفعل ديمقراطي لا يعني التعويل عليه بوصفه أداة وحيدة للتغيير، بل اعتباره جزءًا من سيرورة أوسع لبناء المواطنة السياسية. وعليه، فإن بناء مغرب ديمقراطي لا يمر عبر المفاضلة بين التصويت والعزوف، بل عبر تحويل التصويت إلى ممارسة اجتماعية راسخة، مرفوقة بفعل مدني وتنظيمي ونقدي مستمر.

يُطرح سؤال جدوى التصويت في الانتخابات بالمغرب كلّما اقتربت هذه الأخيرة، سؤال الجدوى هذا يُطرح بوصفه إشكالًا يتجاوز البعد الإجرائي المرتبط بالممارسة الانتخابية فقط، بل يمسُّ علاقة الأفراد بالبُنى السياسية وأشكال المشاركة داخل المجال العمومي. فالتصويت من هذا المنظور، ليس مجرد فعل قانوني يعبّر عن اختيار سياسي، بل ممارسة اجتماعية محكومة بسياق تاريخي وسياسي وثقافي محدد.

التصويت بوصفه ممارسة اجتماعية

يعتبر العديد من الباحثين في السوسيولوجيا السياسية أن المشاركة السياسية عمُوما والتصويت خُصوصا، سلوك اجتماعي يتحدد وفق تمثلات الأفراد للسلطة، ولجدوى الفعل السياسي، ولموقعهم داخل النسق الاجتماعي والاقتصادي.  حيث تتأثر المشاركة السياسية، بجملة من العوامل الاجتماعية كمحل الإقامة (قروي/حضري) والتركيب العمري (السن) والتركيب النوعي (الجنس) للسكان، بالإضافة إلى دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية في عملية التنشئة السياسية. كذلك تتأثر المشاركة السياسية ببعض المتغيرات الاقتصادية كالدخل والحالة المهنية ونوعها، كما لا يمكن إغفال دور العوامل الثقافية وفي مقدمتها التعليم ودوره في تشكيل الثقافة السياسية، بالإضافة لما تلعبه وسائل الاعلام والاتصال من دور في توجيه الآراء وتكوين الوعي وتفعيل المشاركة السياسية وتحويل الأغلبية الصامتة إلى أغلبية فاعلة ومُشاركة، كونها تستقطب شريحة كبيرة من فئات المجتمع.[1]

في الحالة المغربية، وانطلاقا مما سبق نُلاحظ أن هذا السلوك (المشاركة السياسية عموما والتصويت خُصوصا) يتسم بدرجة عالية من التردد والالتباس، وهو ما ينعكس في نسب المشاركة الانتخابية، وفي الخطاب اليومي الذي يرافق الاستحقاقات الانتخابية. فالتصويت لدى المغاربة لا يُمارَس بالضرورة بقناعة سياسية، بل يتأثر بعوامل مثل الانتماء الطبقي، ومستوى التعليم، والتجارب السابقة مع المؤسسات، إضافة إلى الرأسمال الرمزي الذي راكمته الأحزاب أو فقدته عبر الزمن، ودون أن ننسى الانتماء القبَلي والعصبيّة القبلية خصوصا في المناطق الصّحراوية للمغرب.

أزمة الثقة كمعطى بنيوي

تشكل أزمة الثقة أحد المفاتيح الأساسية لفهم العزوف الانتخابي للمغاربة. فالعلاقة بين المواطن والمؤسسات التمثيلية تتسم بقدر كبير من الهشاشة، نتيجة تراكم تاريخي من الوعود غير المتحققة، وضعف الوساطة الحزبية بين مؤسسات الدولة والمواطنين، وغياب أثر السياسات العمومية في تحسين شروط العيش لدى فئات واسعة من المجتمع. وأذكر هنا آخر الاحتجاجات الّتي خرجت للشّارع المغربي بقيادة شباب جيل زِيدْ، حيث رفض هؤلاء الحوار مع الحكومة القائمة “لانعدام شرعيَتها” والتوجّه للمؤسّسة الملكية بدل ذلك. وهذا مؤشّر على انعدام ثقة هؤلاء الشّباب في مكوّنات الحكومة.

يُمكن قراءة هذا العزُوف السّياسي لدى الشباب المغاربة بوصفه شكلًا من أشكال الانسحاب الاجتماعي من مجال يُنظر إليه باعتباره مغلقًا أو محدود الفعالية. غير أن هذا الانسحاب، رغم دلالته الاحتجاجية الضمنية، لا يتحول إلى قوة تغيير ما دام يفتقد إلى التأطير والتنظيم السّياسي.

الأحزاب السياسية وحدود التمثيل

تلعب الأحزاب السياسية في النظام السياسي الديمقراطي دور الوسيط بين المجتمع ومؤسسات الدولة، غير أن هذا الدور يعرف في السياق المغربي تآكلًا ملحوظًا. فقد أضعف الطابع الانتخابي الموسمي للعمل الحزبي قدرته على التأطير المستمر للمجتمع، وعلى إنتاج نخب سياسية قادرة على التعبير عن التحولات الاجتماعية العميقة. بدل ذلك تعتمد الأحزاب المغربية على استقطاب الأعيان على مستوى الجماعات المحلية حضرية وقروية، حيث يشكّل هؤلاء قوّة انتخابية يتم التّهافتُ عليها. هذا الوضع ينعكس مباشرة على تمثلات المواطنين للتصويت، إذ يُنظر إليه كآلية لإعادة إنتاج نفس النُّخب، بدل كونه أداة لفرز اختيارات مجتمعية حقيقية تتجدّد بشكل دوري حسب الفاعلية. وهو ما يحدّ من قدرة هذه الأحزاب على لعب دور دينامي داخل البناء الديمقراطي.

حدود الفعل الانتخابي (التصويت) داخل النسق السياسي المغربي

لا يمكن تقييم جدوى التصويت في المغرب بمعزل عن موقع المؤسسات المنتخبة داخل النسق السياسي العام. فالفعل الانتخابي يشتغل ضمن بنية مؤسساتية تنقسم فيها السلطة بين فاعلين متعددين، ما يجعل القدرة الفعلية على اتخاذ القرار العمومي لا ترتبط دائمًا بنتائج صناديق الاقتراع وحدها. في هذا السياق تظل المجالس المنتخبة محكومة بهوامش تدخل محددة، سواء على مستوى التشريع أو على مستوى تنظير السياسات العمومية وتنفيذها. هذا الوضع يخلق مسافة واضحة بين الشرعية الانتخابية والنجاعة السياسية، حيث يُنظر إلى التصويت باعتباره آلية لإنتاج التمثيل والشّرعية أكثر من كونه وسيلة مباشرة للتأثير في مراكز القرار الحاسمة. ومع تراكم التجارب الانتخابية، يتعزز لدى فئات واسعة من المواطنين إحساس بأن المشاركة في الاقتراع لا تنعكس بالضرورة في تحسين ملموس لشروط العيش أو في تغيير فعلي في التوجهات الكبرى للسياسات العمومية لذلك يواجهونها بالتّجاهل والرّفض. كلّ هذا يكشف عن أزمة أعمق في الوساطة السياسية تتجلى في فشل الأحزاب في تحويل الاختيار الانتخابي الشّعبي إلى قوة تفاوضية داخل الحقل السياسي. فحين يغيب التأطير الحزبي الفعال ويتراجع دور البرلمان في النقاش العمومي، يصبح التصويت فعلًا معزولًا عن الدينامية السياسية ومراكز صناعة القرار. ومع ذلك، لا يمكن اختزال الفعل الانتخابي في بعده الشكلي فقط. فرغم محدودية أثره المباشر، يظل التصويت إحدى القنوات القليلة المتاحة لإدماج المواطنين في الممارسة السياسية، ولإنتاج حد أدنى من المحاسبة والشرعية. غير أن فعاليته تظل رهينة بمدى اندماجه في مسار أوسع يهمُّ تقوية العمل الحزبي، وربط المسؤولية السياسية بالمحاسبة الفعلية.

نحو إعادة بناء معنى للمشاركة السياسية

تُظهر التجربة المغربية أن اختزال المشاركة السياسية في التصويت وحده يؤدي إلى خيبة أمل متكررة. لذلك، فإن إعادة بناء معنى لهذه المشاركة يقتضي ربط التصويت بأشكال أخرى من الفعل الجماعي: العمل الجمعوي، النقاش العمومي، المساءلة الإعلامية، وبناء الوعي السياسي. حيث أن هذه الممارسات لا تشكل بديلًا عن التصويت في الانتخابات، بل تمنحه عمقًا اجتماعيًا وسياسيًا، وتحوله من فعل معزول إلى حلقة ضمن مسار تراكمي.  هذا المسار، في السياق المغربي، يظلّ رهينًا بقدرة الفاعلين السياسيين والمؤسسات الوسيطة على استعادة ثقة المواطن، وفتح قنوات فعلية للتواصل والتأطير. فبدون أحزاب قوية، ومجتمع مدني فاعل، ومجال عمومي يسمح بتداول الأفكار والمساءلة، تبقى المشاركة الانتخابية محدودة الأثر، وتستمر الفجوة بين المواطن والسياسة. وعليه، فإن إعادة الاعتبار للمشاركة السياسية والانتخابية لا تمر فقط عبر دعوات للتصويت، بل عبر بناء شروط اجتماعية وسياسية تجعل من هذا التصويت فعلًا ذا معنى.

إن تكريس التصويت كفعل ديمقراطي لا يعني التعويل عليه بوصفه أداة وحيدة للتغيير، بل اعتباره جزءًا من سيرورة أوسع لبناء المواطنة السياسية. وعليه، فإن بناء مغرب ديمقراطي لا يمر عبر المفاضلة بين التصويت والعزوف، بل عبر تحويل التصويت إلى ممارسة اجتماعية راسخة، مرفوقة بفعل مدني وتنظيمي ونقدي مستمر. فالديمقراطية لا تُبنى دفعة واحدة، ولا تُختزل في صناديق الاقتراع، كما أنها لا يمكن أن تقوم في غيابه.

 

 

* رشيد سبابو: كاتب وباحث في علم الاجتماع.

[1] جعفورة مصعب، دلاسي محمد، سوسيولوجيا المشاركة السياسية (دراسة حول العوامل المؤثرة في المشاركة السياسية)، مجلة العلوم الاجتماعية – العدد 26 سبتمبر 2017 – ص 34،37.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *