عبد الكريم جويطي يكتب: جواد الزبدة… الهداف التاريخي لرجاء بني ملال
سيتمكن جواد الزبدة من أن يصير الهداف التاريخي لرجاء بني ملال، هذا الفريق الذي عانى لسنوات من غياب هداف كبير في مراحل تألقه، بعد تقاعد الحاج كبور الودغيري، وانتظر طويلا حتى جاء عبد الكريم عشيبات، هداف بطولة 1979، الذي كان يتحامل على إصابة مزمنة في الكاحل ويلعب، مما تسبب في إنهاء مساره الكروي مبكرا.
جواد الزبدة هو ثالث ثلاثة كبار في مركز قلب الهجوم، هذا المركز الذي لم توفق الكرة الملالية كثيرا في إنجاب لاعبين كبار فيه، وحتى إن أنجبتهم، مثل محمد البدراوي، سرعان ما تنتزعهم منها فرق ذات نفوذ لا قبل للمدينة به.

كنت أراه في إعدادية داي، في حصص الرياضة، مساء الأربعاء ومساء الجمعة. كان يلعب بإتقان كل الرياضات: كرة اليد، كرة الطائرة، كرة السلة، القفز العلوي، القفز الطولي، الجري، وبالأساس كرة القدم.
كان بارعا في كل ما يلعبه. يمكنك وأنت تشاهده، أن تتنبأ له بأنه سيكون بطلا كبيرا في كل الرياضات التي يمارسها. لعبت ضده في ملعب صغير قرب الإعدادية، ورأيته مرة، مازالت عالقة بذهني، يتظاهر أمام أحد المدافعين بأنه ترك الكرة وراءه، ثم حركها ورفعها بعقب قدمه اليمنى ومن هناك مرت الكرة فوق المدافع، وهو لا يعرف أين اختفت. وجدها جواد أمامه وسجل هدفا عجيبا، حركة لا يمكن أن يفعلها إلا موهوب صار هو والكرة سواء، يأمرها فتطيعه، يفكر في الحركة فينجز جسده ما فكر فيه بحرفية.

كان الزمن آنذاك زمن لعب لا يكاد ينتهي، نلعب في حصص الرياضة، ونلعب قبل الدخول إلى القسم، ونلعب بعد الخروج منه. كان لكل حي ملعبه، وكانت الحواري مليئة بالنجوم، وفي كل الرياضات، زمن برزت فيه بعض العائلات الرياضية كعائلة عبدو (سعيد، عبد اللطيف، عبد الهادي، عبد الصمد، عبد الغفور، عبد الرحيم) التي أعطت الكثير لكرة اليد وكرة القدم والتحكيم، وعائلة عبداوي (رشيد، ورضوان) في كرة القدم وكرة اليد، وعائلة حمساوي (حميد، رشيد، كمال) وعائلة الشرقاوي، وعائلة المسفيوي في كرة اليد، وكرة القدم، وعائلة ريجا…
حين اشتد عود جواد، سيلعب كرة القدم مع فريق معمل السكر، وفي الآن نفسه سيلعب مع فريق كرة اليد التابع لهيئة التعليم، وكان بإمكانه، وعلى أعلى مستوى، أن يتألق في رياضات أخرى. ولأنه برز، فقد دعاه اللاعب الكبير مازي للالتحاق بفريق رجاء بني ملال. سيلعب جواد أول مقابلة له بمدينة الفقيه بن صالح، كان احتياطيا، لكن طارئا ما جعله يدخل في التشكيلة الرسمية ضد فريق الرشاد البرنوصي، سيسجل أول هدف له مع رجاء بني ملال، ومن يومها، وطيلة أزيد من 14 سنة، سيكون أحد أعمدة رجاء بني ملال، بل سيصير ماكينة أهداف، يسجل بالرأس، وبالقدمين اليمنى واليسرى، يسجل من المربع وخارجه، سيسجل بالمقصيات.
كان لا عبا موهوبا، لكنه كان لاعبا مزاجيا أيضا، سريع الغضب، وسريع التأثر، تخشاه دفاعات الخصوم، وتعمل بكل الوسائل على الحد من خطورته. ما زلت أذكر مقابلة واجهت فيها الرجاء فريق القوات المساعدة لابن سليمان، كنت خلف مدرب واحتياطيي فريق المخازنية، وسمعت المدرب يأمر مدافعي فريقه بالاعتداء على جواد بقوة: (هرسوه…)، فطن مدرب رجاء بني ملال للأمر، وأخرجه من الملعب، فالنتيجة كانت محسومة للرجاء.

سيتمكن جواد من أن يصير الهداف التاريخي لرجاء بني ملال، هذا الفريق الذي عانى لسنوات من غياب هداف كبير في مراحل تألقه، بعد تقاعد الحاج كبور الودغيري، وانتظر طويلا حتى جاء عبد الكريم عشيبات، هداف بطولة 1979، الذي كان يتحامل على إصابة مزمنة في الكاحل ويلعب، مما تسبب في إنهاء مساره الكروي مبكرا، إنه ثالث ثلاثة كبار في مركز قلب الهجوم، هذا المركز الذي لم توفق الكرة الملالية كثيرا في إنجاب لاعبين كبار فيه، وحتى إن أنجبتهم، مثل محمد البدراوي، سرعان ما تنتزعهم منها فرق ذات نفوذ لا قبل للمدينة به. كان طويل القامة، نحيفا نحافة خادعة، ففي الالتحامات مع المدافعين يظهر المعدن الصلب الذي نسجت منه تلك العضلات الهزيلة. يعرف جيدا أين يتموقع، كأنه يشم الكرة، كما يقال. كان أيضا جريئا، ينجز ما يفكر فيه، وكان عنيدا، يحول كرات طائشة أو ميتة إلى أهداف أو فرص سانحة. يميل للمشاكسة، و يتحرك بين المدافعين كالسم الزعاف، ربما هو المهاجم الملالي الوحيد الذي سجل سوبر هاتريك (أربعة أهداف) في مقابلة واحدة، في القسم الوطني الثاني. لعب جواد الكرة كما كان يلعبها في ملاعب المدينة الصغيرة (التنيس، المحافظة، العامرية، سي سالم، الكابراني) تلك المقابلات الطويلة والمرهقة، والتي تكون فيها منافسة ضارية من أجل قدر هزيل من المال، فيتعلم فيها اللاعب الصبر والخبث الكروي، ويشحذ فيها كل إرادته ليفوز، كما يتعلم فيها الإبداع وتملك الكرة في أسوأ الظروف. جواد من آخر اللاعبين الكبار الذين أنجبتهم كرة الشوارع بالمدينة، لذلك حين لبس قميص الفريق لم يكن في حاجة لمن يلقنه أبجديات الكرة، فهو يعرفها عن ظهر قلب.
كان جواد الزبدة نقابي اللاعبين، وصوتهم من أجل نيل حقوقهم، لهذا خاض الكثير من الصراعات والمعارك ضد مدربين ومسيرين، دون خوف ولا تردد. وقد بقي حين اعتزل الكرة، مخلصا لحسه النقابي، ولميله المتأصل نحو العدل، وهو يزاول مهنة موظف في معمل السكر بأولاد عياد. بعد سنوات، سألتقي بجواد الزبدة في العمل الجمعوي، و في مشاكل تسيير رجاء بني ملال، ووجدته مثلما كان في الملعب مزعجا للخصوم، صاحب مبدأ و كلمة، لا يتلون، ولا يخون، يسدد أهدافا من نوع آخر، أهداف الإيثار و التضحية في واقع متسخ تتناهشه أنانية الأفواه الواسعة.



