أسماء بن العربي تكتب عن كأس إفريقيا المنظمة في المغرب… حين يصبح النجاح تهمة
كأس إفريقيا 2025 أسقطت الأقنعة وأظهرت حقيقة واحدة: أن المغرب حين ينجح، يفعل ذلك وحده…
لم أتابع هذه البطولة بصفتي مشجعة فقط، بل بصفتي مغربية تعرف أن النجاح لا يغتفر، خصوصا حين يأتي من بلد قرر أن يسير عكس التيار.
منذ الأسابيع الأولى، لم يكن النقاش كرويا، كان هناك شيء آخر يتسلل بهدوء: تشويش، تشكيك، واتهامات جاهزة تلقى من هنا وهناك: الحكم مع المغرب، المغرب يشتري المباريات، الكاف منحازة…
اتهامات تتكرر كلما تقدم المغرب خطوة، وكأن التفوق لا يمكن أن يكون نتيجة عمل، بل لا بد أن يكون مؤامرة. الغريب أن هذه الأصوات لم تقدم يوما قراءة حقيقية. لم نسمع تحليلا للتكتيك، ولا حديثا عن التحضير، ولا اعترافا بالفارق.
لم نسمع أن الفريق المغربي الذي يعد من الثمانية الأوائل حسب تصنيف الفيفا والفريق الذي وصل لنصف نهائي كأس العالم دون الحديث عن باقي الفئات السنية التي حققت كأس العرب وكأس إفريقيا بل وحتى كأس العالم، يستطيع أن يفوز ويحقق إنجازا على أرضه وبين جمهوره.
وحين لم تنجح تهمة “التحكيم”، انتقل الخطاب إلى مستوى آخر: التشكيك في التنظيم. مدربون من هنا وهناك: السنغال، جنوب إفريقيا ومصر وغيرهم، اختاروا مهاجمة البلد بدل مواجهة الحقيقة. مرة بُعد ملاعب التدريب، ومرة الأمن، ومرة الجمهور، بل مرة كان الناموس أيضا سبب خسارة فريق. وكأن التنظيم صار فجأة عذرا للهزيمة، لا مرآةً للفارق في الجاهزية.
أما الجزائر، فلم تكتف بالتشكيك، بل اختارت الفوضى لغة واتهامات علنية بالرشاوي، خطاب تحريضي، وتصرفات أكدت أن المسألة لم تكن رياضية بقدر ما هي عقدة قديمة، تعود كلما ذكر اسم المغرب مقرونا بالنجاح.
لكن السؤال الذي ظل يراودني: لماذا كل هذا الغضب؟ لأن المغرب لم يعد يلعب داخل السقف الإفريقي الضيق. تجاوزه. وتجاوز معه منطق الجوار، وتجاوز دولا غنية بالمال، فقيرة في المشروع. المغرب لم يقدم “أفضل نسخة إفريقية” فقط، بل قدم نسخة تقاس بمعايير عالمية. تنظيم، صورة دولة، وضوح رؤية. ومن ينتقد ذلك اليوم، إما أنه لا يرى، أو أنه لا يريد أن يرى. واللافت أن المغرب، وسط كل هذا الضجيج، اختار الصمت.
لم يدخل حرب التصريحات، ولم يرد على الاتهامات. لأن من يعمل بثقة، لا يحتاج أن يبرر.
لكن هذه البطولة أسقطت وهما شخصيا لديّ: وهم الأخوة، ووهم التضامن العربي والإفريقي. من ينتقد عملك الجبار ليس أخاك. ومن ينتظر تعثرك ليبرر فشله، ليس شريكك.
هنا، يصبح الحديث عن الضيافة المغربية ضروريا. ذلك الكرم الذي نمنحه دون حساب، ذلك الاحترام الذي نفرشه حتى لمن لا يخفي عداءه. صحيح أن الكرم قيمة راسخة في الثقافة المغربية وهو قيمة نبيلة، لكن حين يتحول إلى عادة بلا حدود، يفقد معناه. ليس كل من دخل أرضك يستحق كرمك، ولا كل من صافحك يستحق دعمك.
الكرم لا يعني التغاضي عن الإهانة. والانفتاح لا يعني القبول بالاستخفاف.
المغرب لا يحتاج شهادة حسن سلوك من أحد. ولايحتاج تصفيقا ليثبت وجوده. ولا يحتاج اعترافا خارجيا ليكون كبيرا. تاريخه، وشعبه، واستمراره كفيلون بذلك.
خسر المغرب في النهائي وما رافق ذلك من ضغط وسلوكات غير رياضية من الخصم. لكن، في نفس الوقت، هذه الكأس الإفريقية أسقطت الأقنعة وأظهرت حقيقة واحدة:
أن المغرب حين ينجح، يفعل ذلك وحده…
وكشفت موقعه الحقيقي: بلد تجاوز محيطه، ولا يزال يحاسب على ذلك.
أنا مغربية. والمغرب، بالنسبة لي هو الحقيقة الوحيدة التي أثق بها.
ولكل أبناء بلدي أقول “سير سير سير” ولا تلتفت.



