احتفالات رأس السنة بالمغرب: حداثة أم تحول مجتمعي؟
بين أضواء المدن الكبرى وطقوس القرى الهادئة، يحتفل المغاربة برأس السنة بطريقة متعددة الأوجه، لتبقى الأسئلة مطروحة:
هل تتجه الاحتفالات نحو الحداثة العالمية أم نحو صون الموروث المحلي؟
مع اقتراب غروب شمس نهاية كل عام، يتهيأ المغرب لاستقبال “فاتح يناير” بمزيج من الطقوس التي تعكس ثراء التنوع الثقافي والاجتماعي بالمملكة. ورغم أن الاحتفال برأس السنة الميلادية لا يندرج ضمن العطل الوطنية، إلا أن وهجه بات يطغى بشكل لافت على المشهد العام، خاصة في الحواضر الكبرى والمنتجعات السياحية.
في مدن كالدار البيضاء والرباط ومراكش، تتخذ الاحتفالات لَبوساً حداثياً بامتياز؛ حيث تنبض الفنادق والمطاعم والمقاهي بالحياة عبر حفلات موسيقية وعروض ضوئية، يستقطب فيها صخب الموسيقى والرقص فئة الشباب التي تشكل السواد الأعظم من المحتفلين.
في المقابل، تختار عائلات أخرى الانكفاء على الذات في سهرات منزلية هادئة، يجمعها دفء الوجبات الخاصة وتبادل الأماني الصادقة.
على الضفة الأخرى، لا تزال المدن الصغرى والقرى تحافظ على لمستها التقليدية، حيث يكتسي الاحتفال صبغة اجتماعية تتجلى في إعداد أطعمة محلية والدعاء بالخير والبركة، مما يرسخ روابط التضامن بين الجيران والأقارب. هذا التفاوت يعكس انقساماً واعياً بين جيل يرى في رأس السنة نافذة للانفتاح على العولمة، وآخر يعتبرها محطة للتقارب العائلي وصون الموروث.
هذا المشهد الاحتفالي المتعدد يطرح تساؤلاً جوهريا؛ هل نعيش “قطيعة جيلية” نهائية مع منظومة القيم التقليدية، أم أنها مجرد “أقواس” تُفتح ليلة 31 ديسمبر لتُغلق في الصباح التالي؟
يرى مولود أمغار، أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاضي عياض بمراكش ، أن مقاربة هذه الظاهرة تتطلب تحليلاً مركباً يربط بين التحولات الجيلية، والبنى التكنولوجية الجديدة، ومنطق السوق، وتغير أنماط إنتاج المعنى.
يؤكد أمغار لمرايانا وجود شبه إجماع على أن “الجيل Z” هو الأكثر انفتاحاً ثقافياً على هذا النوع من الاحتفالات. هذا الانفتاح ليس وليد العولمة فحسب، بل هو نتاج تحول جذري في شروط التعرض للثقافات الأخرى؛ حيث ألغت الإنترنت ووسائط التواصل الرقمي المسافات الجغرافية، وجعلت التفاعل مع أنماط عيش وطقوس المجتمعات الأخرى جزءاً من الحياة اليومية. لقد خلق هذا التفاعل المستمر نوعاً من “الألفة” مع ممارسات لم تعد تُستقبل بوصفها “غريبة”، إنما باعتبارها منتوجاً قابلاً لإعادة التأويل داخل الثقافة المحلية. ومن ثم، يصبح الاحتفال ممارسة زمنية منفصلة عن حمولة دينية محددة، وأكثر ارتباطاً بإيقاع عالمي مشترك.
ويشير التحليل إلى تحول قيمي مرتبط بـ “الفردنة” وتراجع سلطة المرجعيات التقليدية، سواء كانت دينية أو أسرية أو تربوية؛ إذ لم تعد هذه المؤسسات تحتكر إنتاج المعنى أو ضبط السلوك الرمزي لدى الشباب. وبذلك، يتحول الاحتفال إلى اختيار فردي يُستثمر كطقس شخصي لإعادة ترتيب الأولويات وإعلان بداية جديدة، بدلاً من كونه التزاماً جماعياً مؤطراً بثقافة بعينها.
هيمنة منطق السوق و”تسليع” الرموز لا يفصل هذا التحول عن الدور المركزي للرأسمالية المعاصرة؛ فالسوق يسعى لتوسيع دائرة المناسبات القابلة لـ “التسليع”، ورأس السنة تمثل فرصة مثالية لذلك، حيث يتم تفريغ الاحتفال من رموزه الدينية والثقافية الأصلية، وإعادة تقديمه في صيغة فولكلورية محايدة؛ أضواء، وموسيقى، وعروض تجارية، وسياحة. هكذا تتحول المناسبة إلى منتوج عالمي قابل للاستهلاك، حيث تلعب الفرجة الإعلامية دوراً أساسياً في ترسيخ أنموذج معياري للاحتفال يفرض نفسه كعلامة على “الانتماء إلى العالم”.
وحول ما إذا كان تبني الشباب لهذه الطقوس يمثل “استلاباً ثقافياً” أم مؤشراً على ميلاد “هوية مغربية كونية”، يوضح أمغار أن الموضوع أكثر تعقيداً من هذا التقابل الثنائي، فبينما تفرض العولمة أنماطاً جاهزة تمنح أطروحة الاستلاب بعض الوجاهة، يظل الشباب “فاعلين اجتماعيين” يعيدون توظيف هذه الطقوس داخل السياقات المحلية لتصبح أدوات للتعبير عن الذات وتنظيم الزمن. “إننا أمام تشكل هوية مغربية كونية مركبة، تقوم على التفاوض المستمر بين المحلي والعالمي، وإن كانت تظل مرتبطة أكثر بالشباب الحضري المتصل رقمياً”.
مولود أمغار ينفي كون الشباب يعيشون فراغاً أخلاقياً أو انهياراً للقيم. بدلاً من مفاهيم مثل “فائض الحياة”، يفضل التركيز على المساحات الثقافية التي يخلقها الشباب للتعبير عن الذات وتجربة نوع من “الحرية المؤقتة”. ورغم أن رأس السنة تحول إلى موسم لـ “الاستعراض الاجتماعي” وسلعة بصرية عبر المنصات الرقمية، إلا أن ذلك لا يعني اختفاء المعنى الرمزي تماماً، بل توليد معانٍ أخرى “بين-ثقافية” في زمن يتسم بعدم اليقين.


