العيش في الداخليات: صعوبات وجوع وطريق شاق - Marayana - مرايانا
×
×

العيش في الداخليات: صعوبات وجوع وطريق شاق

إذا كان التعليم في الأصل، رحلة تيه وعذاب مغربية، لم تنفع معها كل بوصلات الإصلاح وكل ملايير المال العام، فإن للتيه… للعذاب لغات أخرى تكتب داخل جدران مؤسسات يفترض أن يكون عنوانها، صناعة مواطن يستحق بلده. لغات عنوانها: العيش في الداخليات!
في داخليات المؤسسات التعليمية المغربية، يكون للحكي طعم الحرمان، مذاق الجوع… وكثير من قصص عبث مزمن.

“القسم الداخلي، تجربة صعبة وفريدة في نفس الوقت، تجربة الصبر والتحمل والجوع أحيانا. في بعض الأحيان، يصعب القول إننا مررنا بالداخلية إذا ما عادت بنا الذاكرة لصعوبات العيش هنا. لكن هاته التجربة صنعت منا بشرا يصبر على الشدائد”.

هذا الكلام ليسَ مدخل قصة تشويقية أو سيرة ذاتية متخيلة، بل هو سرد لتجربة عيش بالقسم الداخلي لشاب يُدعى رضوان. قضى في القسم الداخلي 6 سنوات. ولجه في الأولى إعدادي، وغادره بعد حصوله على الباكالوريا.

كيف يعيش التلاميذ في الأقسام الداخلية للثانويات بعيدا عن أهاليهم وأسرهم، وكيف يقضون معظم أيامهم في أوقات الفراغ؟ وكيف تكون تجارب العيش في الداخليات مراحل تظل عالقة في أذهان من مروا بها؟

آمال في الهامش

من قلب إحدى القرى ضواحي ميسور، تنطلق رحلة رضوان إلى القسم الداخلي في سن مبكر. كان حينها يبلغ من العمر 12 سنة. يقول رضوان في حديث لمرايانا: “كنت تلميذا يحمل أمالاً كبيرة ويعيش تحديات يومية لا تخلو من المثابرة والتحصيل العلمي”.

يبدأ اليوم في حياة رضوان في الساعات الأولى من الصباح، قبل السابعة في المناطق القروية، لا تزال السماء تعلن الليل. يُجبر رضوان على الاستيقاظ في وقت مبكر، عندما يفتح عينيه بحذر، ينتابه النعاس والإرهاق. يومه يبدأ قبل شروق الشمس، يأخذ وجبة فطور بسيطة ثم يخرج للثانوية لبداية حصصه.

يقول رضوان: “أعلم أن عليَّ مواجهة جدول يوم مزدحم. أحيانا أشعر برغبة قوية في العودة إلى الفراش، لكن لا يُسمح لنا بالبقاء في السرير حتى وإن لم تكن لنا حصص في الصباح. تتحول تلك الرغبة إلى إصرار لاستغلال الوقت بشكل أفضل”.

أحيانا، يكون استعمال الزمان في الصباح فارغا، غير أن رضوان يكون مضطرا للخروج إما للمكتبة أو للثانوية أو خارجها، ولا يُسمح له بالعودة حتى موعد الغذاء. يضطر رضوان للمكوث الفترة الصباحية كاملة في الخارج.

يقول رضوان: “أحياناً أتجه لبيت صديقي، كنت أتم نومي في منزله، ثم أعود للداخلية عند موعد الغذاء، ثم أضطر للخروج بعدها مباشرة نحو القسم. الأمر نفسه حين يكون المساء فارغاً من الحصص، أضطر للمكوث في الخارج حتى يحين موعد دخول التلاميذ للقسم الداخلي”.

أبواب موصدة

يتساءل رضوان باستغراب: “لماذا لا يُسمح للتلاميذ بالعودة للداخلية على غرار التلاميذ القاطنين بدار الطالب أو الطالبة، أو ما تُعرف بـ “الخيرية”، حيث يكون التلميذ ملزما بالتواجد داخل الدار في أوقات الفراغ، ويسهر على ذلك أطر ومسؤولو الدار”.

حسب المتحدث، هناك استهتار بتلاميذ الداخليات، حيث يضطر الكثيرون، ولحدود الساعة، للمكوث إما في مكتبة الثانوية أو في بعض الأقسام في انتظار الحصص، ومنهم من يخرج خارج المؤسسة التعليمية.

يستعيد رضوان ليالي الداخلية والجوع أحيانا، وذكريات الحريرة والرغيف. يقول رضوان: “يكون العشاء في وقت مبكر، وفي البرد سرعان ما يراودنا الجوع. قد تجد البعض قد ادخر بعض الخبز أو بعض المشتريات في محفظته”.

يقول رضوان: “أحاول الالتزام بمواعيد الوجبات المحددة في الداخلية. ومع ذلك، يراودني الجوع، خاصة عندما أتأخر في الدراسة. أعاني أحياناً من صعوبة التركيز في الإعداد للدروس بسبب هذا الجوع، غير أني أجد طرقًا للتغلب على هذا التحدي، سواء عن طريق تخزين وجبات خفيفة في محفظتي أو وسطَ ملابسي”.

تشكل التحديات النفسية جزءًا لا يتجزأ من رحلة رضوان. بين الدراسة والتواجد في القسم الداخلي، يجد نفسه في سباق مع الوقت ومع نفسه. يُظهر السرد القصصي تفاصيل حياته اليومية، وكيف يجد رضوان القوة الداخلية للتغلب على التحديات.

بعد مرور 5 سنوات على مغادرته القسم الداخلي وحصوله الحصول على الباكالوريا، رضوان اليوم هو أستاذ لمادة الفيزياء. يقول في سرد هاته التجربة: “على الرغم من كل التحديات، تحديت كل الصعاب، كان شعاري الإصرار والعزيمة رغم الظروف الصعبة”.

قصص الشوق وليالي الجوع

لم تتوقف مرايانا عند قصة رضوان، إذ غصنا أيضا في عوالم قصة منير الذي قدم من ضواحي مدينة القصيبة. هو تلميذ استمرت رحلته في عالم القسم الداخلي لمدة 8 سنوات، حيث أسس نفسه في قلب مدينة القصيبة.

يقول منير في بوح لمرايانا: “كنت في سنتي الأولى في المدرسة، أي في الأولى إعدادي. لا زلت أتذكر أول ليلة أقضيها في الداخلية، كانت الليلة الأولى لطفل صغير في مدينة غريبة عنه”.

يتذكر منير أيامه بقلق وبصمود، وأحيانا يتذكر الكثير من التجارب التي لولا هذا القسم لما عاشها، حيث كانت المدينة والبيئة الداخلية غريبة بالنسبة له. غير أنه مع مرور الوقت، اندمج في المجتمع المدرسي وكسب أصدقاء جدد، وهنا تبدأ الرحلة.

يقول منير: “كانت السنة الأولى تشكل تحدياً بالنسبة لي، اشتقت لعائلتي وخصوصاً والدتي. لكني سعيت إلى التحصيل والعمل الجاد والتفاني في الدراسة. بالموازاة، كنت أستغل بعض أوقات الفراغ في الدراسة والرياضة”.

إهمال وسوء اهتمام

“لم أكن راضيا عن النظام الداخلي”، وهنا يشير منير إلى تجربة العيش داخل القسم الداخلي. يخرج منير في الصباح، يعود وقت الغذاء، ثم ينتظر حلول المساء ليعود للداخلية. حتى وإن لم تكن لديه حصص، فهو مجبر على المغادرة.

لا يختلف منير عن رضوان وعن غيره من أبناء القسم الداخلي الذين يجبرون على مغادرة غرفهم في وقت مبكر والعودة إليها في الليل. يقول منير: “عدد كبير من أقراني انحرفوا وعدد منهم كانوا أحيانا يجلسون في أماكن لا تليق بالتلاميذ”.

يورد منير: “خلال فصل الشتاء، تكون قصص أخرى، مدينة القصيبة معروفة ببرودتها الشديدة. حينها، كان من الصعب إيجاد مكان للاحتماء من البرد. هكذا قضينا سنوات عديدة، منا من يضطر لزيارة بعض أفراد أسرته مثلما كنت أفعل أحياناً”.

منير كان يزور خالته أحيانا، يأتي في الصباح أو في المساء، في الأوقات الفارغة… كانت ملاذه مرات عديدة، غير أنه كان يقضي ليله في القسم الداخلي. في العطل، يعود للمنزل محملاً بشوق وصبر كبير إلى والدته.

يقول منير: “من خلال الداخلية، أثبت نفسي كشاب عصامي معيشياً وأكاديميًا. شاركت في العديد من الأنشطة الثقافية والرياضية. كان لي دور فعّال في تعزيز جوانب مختلفة من حياتي الشخصية والمهنية”.

يسترسل منير: “لم تقف التجربة عند هذا الحد… بعد التجربة الداخلية مباشرة، خضت تجربة أخرى لا تقل صعوبة ولا أهمية عن سابقتها، وهي تجربة الحي الجامعي حيث تابعت دارستي بكلية الآداب بني ملال وكنت أقطن بالحي الجامعي، لتبدأ صعاب أخرى: التنقل عبر حافلات النقل الحضاري من الكلية إلى الحي صباح مساء، والوقوف في طابور المطعم الجامعي وهذا خريف آخر عشته 3 سنوات”.

يحمل رضوان ومنير ذكريات مثيرة وقصصا تستحق أن تروى، أحلام الصبى وقصص الجوع واليأس؛ غير أن الثابت هو استمرار هاته المحن دون التفكير في حلول لإيواء وإيجاد فضاء يستوعب تلاميذ المؤسسات.

عوض أن يظل التلميذ خارج القسم الداخلي أوقات الفراغ، ويعرض للعنف أو الانحراف، أليس من الأجدر أن يكون في غرفته أو في فضاء يسمح له بالتعلم أو القيام بأنشطة موازية؟

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *