ريحانة أريج زينب: رحلة عذاب من جحيم سوريا وغربة تركيا… إلى أرض الوطن - Marayana - مرايانا ريحانة أريج زينب: رحلة عذاب من جحيم سوريا إلى غربة تركيا. قصة طفلات عالقات في تركيا يحلمن بمعانقة الوطن
×
×

ريحانة أريج زينب: رحلة عذاب من جحيم سوريا وغربة تركيا… إلى أرض الوطنقصة طفلات عشن الرعب بين سوريا وتركيا...قبل العودة إلى المغرب

حين كلفت مرايانا، قبل زمن قصير، صحافيا من طاقمها بمتابعة هذه الحكاية، كان منتهى الحلم عندنا، أن نكتب هذا الخبر الآن.
والآن… أريج وزينب وريحانة، خبر يستحق أن يُكتب بحروف فرح.
الآن… انتهت رحلة العذاب من جحيم سوريا إلى غربة تركيا.
المغرب قرر، أخيرا، أن يحتضن أريج، ريحانة وزينب، وأن ينهي رحلة العذاب. ومرايانا، تعيد هنا، بعضا من أصل الحكاية.

في الوقت الذي تحمل فيه هاتفك أو حاسوبك لقراءة هاته السطور، أو في الوقت الذي ينعم فيه أبناؤك وبناتك تحت رحمة الوطن، ما تزال ريحانة تناشد من أجل عودتها لبلدها المغرب، وتأمل في تدخل الملك، لحل أزمتها وأزمة أختيها زينب وأريج، وتحقيق حلم العودة لأرض الوطن.

حس طفولي وأعين ذابلة وحنين للوطن، شعور تكتشفه من الوهلة الأولى وأنت تشاهد مقطع فيديو صغير لريحانة وزينب وأريج يناشدون من خلاله الملك بإعادتهم لأرض الوطن.

بالدارجة المغربية، وبلغة بسيطة، تقول الطفلات: “عافاك ساعدنا يا جلالة الملك، نمشيو للمغرب”. طلب قد يبدو لنا بسيطا، غير أنَّه بالنسبة لريحانه وأريج وزينب، هو كل الأمل الذي تتمنى طفلات  تحقيقه كل لحظة.

ريحانة تُلون علم المغرب وترد على والدها الذي يسألها ماذا تفعلين فتجيب: “كنلوّن علم المغرب، بغيت نمشي للمغرب، عمري ما شفتو”. تضيف ريحانة “نمشي للمغرب باش ندرس مع صحاباتي”.

خطيئة لم تدُم طويلاً

لنسرد القصة من أولها، الطفلات هُنَّ بنات “الزبير الحسناوي”، العائد من جحيم الحرب في سوريا، والعالق في تركيا مع أسرته. بعد مراجعات وتصحيح ومسار، وجد الحسناوي نفسه أمام عائق صعَّب عليه العودة لبلده.

الزبير الحسناوي، كما ينقل أخوه مصطفى الحسناوي في حديث لمرايانا، شاب من مدينة ميسور، درسَ بجامعة فاس، حيث سيلتقي رفيقة دربه في السنة الأخيرة من الإجازة ليُعلنا زواجهما.

يقول مصطفى الحسناوي: “احتجاجات 2011 ساهمت في تغيير معالم حياة الزبير، فقد وصل أثر الاحتجاجات السورية وخطابات تحريض الشيوخ للزبير فوقعَ ضحية، غير أنه لم يكن يعلم بالخطوة التي سيُقبل عليها”.

حسب مصطفى الحسناوي، فإن أخاه لم يكن يميل لأفكار هاته الجماعات، لم يكن عنده مشكل مع مؤسسات بلاده، ولم يُعرَف عنه انتماء لأي جماعة إسلامية. غادر إلى سوريا نهاية 2013، معتقدا أنه سينضم للشعب السوري. لكن، بمجرد دخوله تركيا، اكتشف أنه ذاهب عند “جماعة شام الإسلام المغربية”.

اعتقد الزبير أنه ذاهب عند مغاربة، لن يحس بينهم بالغربة. لكنه استشعرها في الشهور الأولى. اكتشف الحقيقة… لم يكمل سنة هناك، فقرر تركهم. كانت زوجته قد التحقت به، فقرر أن يتذرع بالذهاب إلى تركيا لمعالجة زوجته.

قضت الأسرة قرابة 3 أشهر في تركيا. حينها، اختلى بنفسه، فكَّر في الاستقرار بتركيا، لكن حالت دون ذلك ظروفه صعبة، فعاد إلى سوريا، ليقرر البقاء قرب الحدود التركية. حسم الزبير مع التوجهات الإسلامية، والتحق بالسوريين أبناء البلد وطالب بإقامة دولة مدنية ديمقراطية، وعاش في قرية مسيحية، في الربع الأول من سنة 2015.

نور في ظلام دامس

ملامح الحياة بدأت بالتغير مع حلول ريحانة. غير أن قدرها أن تولد خارج بلدها وفي ظروف سيئة بعملية قيصرية صعبة تحت القصف، الحصار، الصواريخ والبراميل المتفجرة التي تعمُّ المكان.

ريحانة أريج زينب: رحلة عذاب من جحيم سوريا إلى غربة تركيا. قصة طفلات عالقات في تركيا يحلمن بمعانقة الوطن

هيكل عظمي، هكذا كانت ريحانة، وهكذا وصفها عمُّها مصطفى الحسناوي الذي يقول إنها “كانت ذات عينين غائرتين وشفاه زرقاء ولون شاحب. لتقضي في المستشفى أسبوعين كاملين”.

بعد خروج ريحانة من المحنة، ستدخل محنةً أخرى بعد تعرض المنزل للقصف. لحسن الحظ لم يُصب المنزل، رغم أن الدمار كان محيطا به. بعد هذه الحادثة، بدأ التخطيط جديا للعودة للمغرب، نهاية 2015.

وصل خبر الزبير للمسؤولين في جبهة النصرة، فبدأت الأعين تترصده، لتبدأ عمليات تحقيق تُجرى معه حول انفصاله عن جماعة شام الإسلام وانتقاده للجماعات السلفية واستقراره في تركيا، والتحاقه بفصيل “علماني مرتد” واستقراره في قرية “مسيحية”.

رحلة قهرٍ ومحاولاتٌ يائسة

أحس الزبير بالخطر، فقرر العودة للمغرب؛ لكنه سيتفاجأ بتعديل قانون مكافحة الإرهاب، فصار يُنظر إليه كمجرم. هنا يقول أخوه مصطفى: “عندما غادر الزبير، لم يكن هذا الفعل مُجرَّما، وحتى عند وصوله إلى سوريا لم يكن ضد بلاده، بل كان ضحية، وسرعان ما غادر هذه الجماعة”.

خاف الزبير من السجن، وتردَّد في الرجوع للمغرب، فهو أب لطفلة تحتاجه بجانبها، كما أنه مقتنع أنَّه لم يجرم بحق بلده أو ملكه، فقرر البقاء في تركيا. فجأة، ستكتشف زوجته أنها حامل، فعاد إلى سوريا مؤقتا، من أجل إجراء عملية إيقاف الحمل. ذهبوا إلى طبيبة من أجل استشارتها، لكنها خافت ورفضت، لأنها تعمل داخل نفوذ الإرهابيين.

وهكذا ستولد أريج في مارس 2017 تحت القصف والرعب. الرعب نفسه الذي ولدت فيه ريحانة، ستولد فيه أريج، وربما أصعب قليلاً. فازدادت حدة المعاناة عند الأسرة ومعها مصاريف الأكل والعلاج.

انتقل الزبير لقرية بعيدة، فكَّر في للتسلل إلى تركيا، إلا أن الأمر أصبح مستحيلاً. خاض مغامرات مرعبة، يحمل طفلتيه الصغيرتين ويجر زوجته، سالكا الأودية والفجاج، مُخترقاً الجبال ليلاً، هارباً من النصرة وداعش، الأكراد، والجيش السوري والجيش التركي.

اختطفت جبهة النصرة الزبير سنة 2019، تعرض لتعذيب شديد. بعد 25 يوما من الاختطاف والتعذيب، تم إطلاق سراحه. بعدها، سيكتشفان أن الأم حامل مجددا، وهذا لم يكن مرغوبا به، فقرروا إيقافه بالوسائل التقليدية، غير أنها كانت محاولات فاشلة.

تحت القصف، ولدت زينب، فزاد العبء على الأسرة. اختطف الزبير وعُذِب للمرة الثانية لمدة شهرين. بعد إطلاق سراحه، بلغت محاولات هروبه، تسعة… إلى أن جاء الفرج مع المحاولة العاشرة. عند وصولهم إلى تركيا، تفاجأ الأب بأن المسؤولين في القنصلية المغربية أخبروه بإمكانية العودة مع زوجته بدون بناته، لأنهن لا يمتلكن أي وثيقة تثبت أنهن مغربيات.

Peut être une image de 3 personnes, enfant et personnes souriantes

صدمة ما بعد العبور

تفاجأت الأسرة فطرقت الأبواب في انتظار الفرج. حوالي 4 سنوات إلى حدود السنة الجارية. خلال هذه المدة، كانت الطفلات محرومات من أبسط حقوق العيش، الدراسة والرعاية الصحية.

تعيشُ الأسرة اليومَ بطريقة غير قانونية في تركيا، معرضة للترحيل إلى سوريا وتسليمها إما للنظام السوري، أو للجماعات الإرهابية؛ فيما الطفلات محرومات من الطفولة، الحقوق والوطن الذي يحلمن بالعودة إليه.

غُربة طفلات وأمل منشود

في حديث لمرايانا، يقول الزبير الحسناوي، أب الطفلات، إن محاولات التأقلم مع الوضع صعبة، نطرا للوضعية غير القانونية التي تعيشها الأسرة في تركيا، والتي تترتب عليها عدة إكراهات نفسية واجتماعية واقتصادية وأمنية.

يقول الزبير: “يأخذنا الشوق للوطن، البلد، الجذور، العائلة. هذه المشاعر لا تخصنا نحن الكبار الذين جربنا العيش في الوطن، بل الطفلات أيضا تشعرن بعدم الانتماء، بعدم الاستقرار وبعدم الأمان”.

حسب الزبير، فإن أريج وريحانة وزينب تعشن في بيئة غريبة عليهن لغويا وثقافيا، ولا يوجد لهن أقارب، والطفلات تدركن ذلك، من خلال الفرق بين اللغة في البيت، واللغة التي يسمعنها في الشارع.

يقول الزبير: “طرقنا أبوابا كثيرة، أولها كانت قنصلية المغرب في إسطنبول، وأحد أعضاء اللجنة البرلمانية، التي كانت مكلفة بهذا الملف، ثم الوزير عبد اللطيف وهبي. لا زلنا نطرق أبواب المسؤولين، كما سنتوجه لبعض المؤسسات كالمجلس الوطني لحقوق الإنسان، وجمعية ماتقيش ولدي، ثم في مرحلة أخرى ربما نوسع دائرة الجمعيات الحقوقية التي سنطرق بابها”.

يأمل الزبير وزوجته لطفلاته عودةً لوطنهن، وألاَّ تحرمن من الدراسة، وألاَّ يتسرب إليهن أي شعور بأنهن منبوذات من وطنهن، مرفوضات من طرف المسؤولين والقائمين على الشأن فيه. آمال الأسرة أن يُسمَح للبنات ولوالديهن بالعودة.

لحد الساعة، ليست هناك أية استجابة من جهة مسؤولة، ولا تزال الأسرة تنتظر، وأعمار الطفلات تنصرم، والوقت يمر بسرعة، فيما تجاوزت أريج سن التمدرس الآن، دون أن تتمكن من الدخول للمدرسة.

على وقع انتظار خبر مفرح لأسرة الحسناوي، تعد ريحانة وأريج وزينب الزمن لحظة بعد لحظة في انتظار معانقة الوطن. هو شُعور قد لا يستشعره من في وطنه، غير أن أسرة الحسناوي تدرك جيداً شعور الاغتراب.

لسان حال الزبير يقول ما قاله غسان كنفاني (رابط): أقف أحيانًا كثيرة أتأمّل السائرين في شوارع تلك البلاد الغريبة، وأتساءل: مَن هؤلاء؟ وما الذي حط بي هنا؟ وكم بقي لي في بطاقة الإقامة المؤقتة؟ ومتى يحين موعد المغادرة، وإلى أين، ما الخطوة القادمة؟ والأهم متى سينتهي هذا كله؟”

الزبير وأسرته يتساءلون أيضا كما غسان كنفاني… متى سينتهي هذا كله…

 

 

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *