الحرب الدعائية بين المغرب والجزائر: هل انتهى زمن "خاوة خاوة" بين الشعبين؟ | Marayana - مرايانا
×
×

الحرب الدعائية بين المغرب والجزائر: هل انتهى زمن “خاوة خاوة” بين الشعبين؟

تستمرّ العلاقات المغربية الجزائرية في الاتجاه نحو نفق مسدود دون توقّف أو مجرد تفكير في العودة إلى دفء الجوار. ربما صارت هذه الحرب الدعائية بين البلدين المغاربيين شيئا لم يعد حتى مفاجئا، بسبب تداول الأخبار يوميا هنا في المغرب وهناك في الجزائر، فكلما تزايدت حدة الأزمة السياسية بين البلدين كلما كان الإعلام طرفا فيها بالضرورة.

لكن، هل دخلت الشّعوب في هذا النزاع؟ ما حقيقة الهتافات المعادية للمملكة المغربية التي صدرت عن “الجماهير” خلال افتتاح الشان بالجزائر؟

ما دخل الشعوب؟ 

يقول الباحث والجامعي مصطفى اللويزي، إنّ ما يثير في حكاية المغرب والجزائر اليوم، هو وجود وسائل التواصل الاجتماعي التي تمنح إمكانية مشاركة المواطنين العاديين في هذه الأزمة عبر محتويات مكتوبة أو مرئية، قد يصل صداها في بعض الأحيان إلى أبعد مما وصلته المحتويات الدعائية الرسمية.

وفق ملاحظة اللويزي، فإنّ الخطير هذه المرّة، أنّ محتويات المواطنين غالبا ما تكون نتاج عملية تشكيل تقوم بها الآلة الدعائية الرّسمية في الإعلام الرسمي والتّابع والجيش الإلكتروني، وهي الآلة التي توجه وتشكّل الرأي العام في الجهة التي أرادت. هذه القدرة التوسعية للدعاية، في ظل هذه المعطيات، تحد من أي محاولة للتحكم في تداعيات هذه الحرب الإلكترونية المعقدة، إذ أن رحاها غير محددة على مستوى الإقليم أو التعداد البشري.

لهذا، يفيد اللويزي في حديثه مع مرايانا أنّه، اليوم، صار لكلّ دولة جيشها الإلكتروني الذي يشتغلُ إلى جانب جيشها العسكريّ، يعمل على تحسين صورة البلد والدّفاع عنه كلما تطلّب الأمر ذلك، عبر التضليل وتزييف الأخبار، واختلاق الأحداث، وتهويل ما صغر منها وإعادة نشر المعطيات بسرديات أخرى تقدم الخبر في أشكال متعددة تضر بالخصم/العدو المتخيّل.

المتحدّث لا يبرّئ الطرف المغربي في هذه الأزمة، وذلك لأنّ، حتى عندنا، مثلما هو الأمر في الجزائر، “نعاينُ بعض المواقع التي تشتغل بشكل منهجي ونسقي على موضوعات بعينها كل أسبوع، الشيء الذي يزيد من الضغينة والحقد لدى المواطنين العاديين الذي يعتبرون أنهم بالهجوم على البلد الآخر وبكل الأساليب الممكنة، فإنّما هم يدافعون فقط عن وطنهم”.

من جهته، لا يقرّ الباحث المغربي عبد الصمد بلكبير بأنّ الهتافات الجزائرية المعادية للمغرب خلال افتتاح “الشان” نابعة عن الشعور الجزائري، لأنها بالكاد “جماهير” وليست الجماهير أو الشعب الجزائري. الشعب الجزائري لازال واعيا أنه “توأمٌ، وليس فقط شقيق، للشعب المغربي. ما رأيناه غوغاء مصطنعون أو مكلّفون بمهمّة، وغالبا مرتزقة قدم لهم أجرٌ من قبل الإدارة البيروقراطية الترابية والأمنيّة الجزائريّة”.

لكن، هذه الحرب الدعائية وهذا الشنآن هو من بقايا ومخلفات الاستعمار القديم الفرنسي، والذي لا يفتأ يجدد وجوده في المنطقة كلها، بل والعالم. لهذا، يقول بلكبير في تصريحه لمرايانا إننا “نحن، في الشمال الأفريقي شعب واحد تاريخيا وجغرافيا وبشريا وفلكلوريا وثقافيا… ولم يفرّقنا، سوى الاستعمار قديمه وجديده”.

الاستعمار، بالنسبة لبلكبير هو عدو الشعوب جميعا، والحل هو العودة إلى شعوب المنطقة، إلى الاتحاد، وذلك يتم بانتخاب مباشر لمجلس تأسيسي مغاربي، يضع دستورا مغاربيا، يستفتي عليه مغاربيا، وتنبثق منه حكوَمة مغاربية، تدبر القضايا السيادية، وتترك للدساتير والبرلمانات والحكومات القطرية صلاحيات تدبير الحكم القطري المحلي، وغير ذلك هو تأجيج للصراع وإجهاض مستمر لحلم الوحدة. العلاقات بين الشعبين المغاربيين في الجزائر والمغرب ضاربة في التاريخ العميق، لا يمكن للأنظمة السياسية مهما حاولت أن تنال منها.

أبعد من صراع

إذا كان عبد الصمد بلكبير يدفع بفرضية أن يكون من هتف في افتتاح الشان، عداءً للمملكة المغربية، مرتزقة، فإنّ عمر الزيدي، مناضل يساري سابق، يجد أنه “حسب التجربة، فإن “النظام العسكري الديكتاتوري” في الجزائر يقتنص أي مناسبة للقاء دولي فيدفع بجنوده بلباس مدني لإظهار العداء للشعب المغربي ولرموزه، وإبراز مساندته لأطروحة الانفصاليين الذين يأتمرون بأوامره ويعيشون بأموال الشعب الجزائري على حساب قهره وتفقيره”.

الزيدي يصرّ أن يسترجع ما جرى على هامش “المنتدى الاجتماعي العالمي” بتونس سنة 2013، حيث يقول إنّ “النظام العسكريّ جنّد أكثر من 1200 جندي بلباس مدني اعتدوا علينا جسديا. لذلك، لا أشك أنه، حاليا، بمناسبة “الشان”، يملؤون الملعب بمجنديهم ليرفعوا الشعارات العنصرية والعدوانية سواء ضد المغرب أو بلدان أخرى كنموذجي ليبيا والسودان”.

تزداد هذه الأطروحة قناعة عند الزيدي، بما تم تداوله من أخبار بخصوص “أن المواطنين المدنيين الجزائرين الذين اقتنوا بطاقاتهم يمنعون من الدخول للملاعب بدعوى أن المدرجات ممتلئة عن آخرها، وهنا السؤال: من ملأها؟ لا شكّ عندي أنها العناصر المجندة من طرف العسكر والمخابرات. إنها قمة البلادة، بحيث تصبح اللقاءات الدولية دعاية مضادة عوض استثمارها لما ينفع البلاد”.

من ناحية أخرى، ينبّه الباحث والكاتب المغربي إدريس هاني من صعود تعابير الضغينة وتصبح العلامة المعبّرة ضمن كلّ الحكاية؛ وذلك “لأن خطاب الكراهية الذي بدأ يظهر بشكل سيء للغاية، هو خطر على الجميع، وظاهرة لم توجد حتى في عهد الاستعمار. الشعوب بطبيعتها انفعالية، وسيكولوجيا الجماهير تتصرف بموجب العدوى كما لاحظ غوستاف لوبون، وخضوعها لردود الأفعال لا حدود له، فقد يبلغ حد الهذيان الجماعي (le délire). خطاب الكراهية سهل، وهو إن اندلع في حقل الشّعوب، فمثل النار في الهشيم، والمستفيد هو الاستعمار”.

الأكثر من ذلك أنّ هاني ينزع، بصفة نهائية، الحقّ من كلّ من يسعى “في استعمال شعوب المنطقة كحطب في تأجيج خطاب الكراهية. إنها ذروة الحماقة، وها هنا وجب على المثقف أن يتدخل، لأن الازدراء بشعوب السلالة الواحدة، هو عقوق واستهتار بحقائق انثروبولوجية فضلا عن الاستهتار بالاستحقاقات الجيوسياسية”.

وعلى غرار ما ذهب له مصطفى اللويزي، فإنّ إدريس هاني يدفع بأنّ الشعوب صارت تُقحمُ في نزاع ذي طبيعة سياسية. هناك ما أصبح يتهدد آخر ما تبقى من رمق وآخر أمل في بعث الوحدة المغاربية، حيث كانت النواة الصلبة لهذا الاتحاد هما وحدة الشعوب المغاربية وذاكرتها المشتركة. وما حصل مرفوض من أي جهة كانت، لأن وحدة الشعوب خط أحمر، وخرقه غير قابل للتبرير. هناك ما يتجاوز السياسة، ألا وهو المروءة واستحقاقات الحوار ووحدة السلالة والرحم”.

حرب دعائية فقط؟ 

يونس مسكين، صحافي وباحث في العلوم السياسية، يعود بالنقاش إلى فترة كأس العالم قطر 2022، ليضرب المثل بما شهده الحدث من بروز خطاب وحدوي وأخوي يقرّب بين الشعبين المغربي والجزائري. لكن مسكين يعود ليصفها بأنها “تبقى من لحظات الاستثناء التي تتراجع فيها القوى الرامية إلى توسيع شقة الخلاف إلى الوراء، لكنها سرعان ما تعود بهجمات مرتدة لتستعيد ما سلبته منها لحظات التعقل والتهدئة”.

مسكين يرى أنّ ما ينبغي أن تنتبه إليه شعوب المنطقة، وخاصة منها النخب الإعلامية والمثقفة، هو وجود هذه الأطراف التي تستثمر في التأزيم، وهي أطراف محلية وإقليمية ودولية، والتي تحقق مصالحها من خلال الاستفراد بكل بلد على حدة ومنع تلاقي الجهود والمصالح ومساندة دول المنطقة المغاربية لبعضها البعض.

في النهاية، يذهب المتحدث، مقتنعا، إلى كون هذا الاستثمار الخبيث يمكن أن يتطور إلى الأسوأ؛ إذا لم ننتبه إليه ونحد من تداعياته، وقد يصل في يوم من الأيام إلى استنزاف الطرفين، أي المغرب والجزائر، في حرب عسكرية مباشرة لن يخرج منها أي منهما بنصر حقيقي، لأننا سندفع الثمن جميعا من الأرواح والنّمو والبنيات التّحتية…

خيار الحرب، الذي استخلصه يونس مسكين كأفق لهذه الحرب الدعائية الجديّة، هو ذاته ما يحذّر منه مصطفى اللويزي، داعيا إلى إنهاء هذه الحرب الباردة الحالية. اللويزي يرى أنه، “إذا كانت هناك نية من أجل الابتعاد عن هذه الحرب، فيجب البدء بامتناع أي شخصية رسمية في البلدين عن التصريح بشكل يخالف الأعراف الديبلوماسية، حتى لا نزيد صب الزيت على نار مشتعلة على الأنترنيت”.

كما يوصي الخبير في الخطابات الدعائية بضرورة “ابتعاد وسائل الإعلام العمومية والرسمية عن كل ما من شأنه الزيادة في حدة النزاع، حتى يفهم الأفراد الرسالة وتهدأ النفوس. فلا يمكن تصور شخصية ديبلوماسية رسمية تصرح في الإعلام أو بمنتديات إفريقية أو عالمية بكلام يضر ويمس شخصيات سياسية ذات قيمة اعتبارية في البلد الآخر إلا إن كانت هناك نية في استدامة هذه النار المشتعلة… في هذه الحالة، تصير الحرب الإلكترونية والإعلامية سياسة ممنهجة ومرسومة بشكل رسمي”.

في الأخير، لا ينفي اللويزي أنّ اللجوء لهذه الحرب عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام يؤثر على كل إمكانية للعودة لوضع عادي تحترم فيه مؤسسات الدولتين، إذ يتم في كل يوم تسميم العلاقات أكثر، عبر الإساءة الممنهجة.

ثانيا، يتم في كل يوم تأزيم العلاقة بين الشعبين، إذ ينساق عدد من أفراد البلدين في مسلسل طويل من السب والشتم والإساءة المجانية.

وثالثا، يمكن القول إن العالم يحكم على كل من البلدين من خلال تواصلهما الإعلامي أيضا، وفي هذا الباب يمكن الإشارة أن هناك دعوات تجاوزت هذا الوضع في إطار ما يعرف بسياسة “مد اليد” المغربية تجاه الجزائر.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *