×
×

من مصر، أحمد حجاب يكتب: أذكر من القاتل: “أسترجل وماتسيبهاش تروح لغيرك”؟

عندما تحب نفسك، تشعر بالرضا والكمال و”تختار” أن تحب الآخر. لا يوجد ما يجبرني على الوجود مع شريكتي… إنه اختيار أقوم به. كذلك يجب أن تشعر شريكتي أنها غير مُجبرة على الوجود معي. تلك المساحة من الاختيار تأخذ العلاقة إلى مكان أعلى بكثير من حالة التحكم التي يعتبرها البعض حُبا. الشخص في علاقة ليس لأنه يشعر بأنه غير مكتمل بدونها أو يشعر أنه من واجبه أو عليها الوفاء بمجموعة من الأوامر والطلبات

أحمد حجاب Ahmed Hegab
أحمد حجاب، مدون وباحث مصري

منذ بضع سنوات، كنا نجلس مع مجموعة من الأصدقاء من عدة دول تنتمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. رن هاتف أحدهم، فسار بعيداً عن المجموعة ليرد. تبعته زوجته تحاول أن تفهم مع من يتحدث. ظلت تقفز حوله وهو يبعدها بينما تضحك المجموعة. عاد صديقنا منتفخا وزوجته تضربه بشكل كوميدي في كتفه. شعرت أننا مجموعة من الأطفال تجلس في حضانة بائسة.

سألتْ إحدى الجالسات صديقتَنا: “ماذا كنت تفعلين بينما كان يتحدث في الهاتف؟”. أجابت، وهي تدير عينيها في ملل: “كنت بحسسه إني بغار عليه! هو بيحب كدة!”. أخذنا بعض الوقت بعدها في تفكيك المشهد وعلاقته بالحُب والغيرة، وتحدثنا عن توقعات شركائنا في العلاقات العاطفية وأفكارنا عن التملك.

من أين يأتي شعور التملك؟

إن القوة الدافعة وراء التملك، لدى كل من الرجال والنساء، هو انعدام الأمن. التملك هو في الأساس الخوف من الخسارة. يشعر الأشخاص المصابون به بالقلق من أن شركاءهم سوف يتركونهم، مما قد يؤدي إلى مشاعر الخوف والغضب والحزن. أي أن التملك يأتي من نقص شعور الثقة في أنفسنا أولاً، لذا يجب أن نسيطر على من حولنا لنضمن عدم إصابتنا بالخوف أو الحزن أو الغضب. لنشعر أننا نمتلك زمام أمور حياتنا.

في هذا النوع من العلاقات المسيئة، يحب أن يشعر المُسيطرون أن الشركاء في العلاقة موثوق بهم، ويهتمون بهم، ويمكن الاعتماد عليهم لملء ذلك الفراغ في حياتهم، بغض النظر عن رغبتهم وقدرتهم على ملء ذلك الفراغ أو لا. الرغبات الشخصية للشريك هنا لا قيمة لها: إما أنهم في خدمة الطرف المسيطر نفسياً وعاطفياً، أو يتم اتهامهم بالتقصير.

هناك حقيقة نتعامل معها في مجتمعاتنا بشكل يومي، وهي ارتباط الحب في أذهان الكثيرين بالتملك. لذا، دعونا نعود للبدايات: يرتبط الحب في أدمغة الكثير من اليافعين واليافعات بالتملك. عندما تأخذنا مشاعر الحب في تلك المرحلة من العمر، مع بداية تجاربنا العاطفية، نعتقد أننا نملك من نحب. يجب أن يتبعنا ويستمع إلينا وينفذ أوامرنا ويُشعرنا بأهميتنا لأننا منحناه أسمى مشاعرنا وهو الحب. هناك الكثير من الأسباب الجذرية والفرعية لذلك الشعور المُسمم، سنتطرق لبعضها فيما يلي. لكن، يبقى ارتباط مشاعر الحب بالتملك واحدا من أصعب التحديات في حياة الصبايا والشباب اليافعين في بلادنا، ثم يستمر ذلك التحدي مع النساء بالأخص في مجتمعاتنا لباقي حياتهن.

لذا، دعونا نسأل السؤال الصحيح:

هل شعور “التملك” يعتبر حُبا؟

الإجابة: لا، بل على العكس تماماً! شعور التملك هو عكس الحُب. التملك هو كل شيء يهدم الحُب. التملك هو مقبرة الحُب ونهايته. الشخص المسيطر يحاول أن يعزل شريكته لأنه يعتقد أنه يملكها نفسياً وجسدياً، وقد يصاب بالصدمة عند صده من الطرف الآخر لأن كل ما يعرفه عن الحب هو أن يملك الطرف الآخر ليصبح شريكا جيدا ورجلا أفضل.

قد نجد بعض العلامات التي تدلنا على الشخص المُسيطر، منها: الحصار بالرسائل على الهاتف، طلب معرفة كل أخبار الشريك لحظة بلحظة، الانزعاج من زيارة الأصدقاء، الغيرة الفائقة، التحكم بملابس الطرف الآخر أو التعليق على الاهتمام بالنفس، محاولة حماية الشريك من الأصدقاء “السيئين”، لديهم توقعات غير واقعية، الاستهتار بأهداف التنمية الشخصية والتقليل منها… يمكن أن يتم كل ذلك في إطار من عبارات الحب والعاطفة ويمكن أن يأتي في إطار من مشاعر الابتزاز العاطفي.

أسترجل وماتسيبهاش تروح لغيرك

إن خطاب الذكورة المُسممة المعتمد على شحن اليافعين والرجال للسيطرة وإظهار الغضب والقوة بهدف تملك كل شيء حولهم، يعتمد بالأساس على الترقي في المجتمع. كلما أصبحتَ مسيطراً أكثر على من حولك، زادت مكانتك كرجل في المجتمع. لهذا، نرى جرائم يرتكبها شباب ورجال وهم يعرفون أنهم قد يقبعون  في السجن لسنين أو ربما يتم إعدامهم؛ ومع ذلك يرتكبونها ظناً منهم أن سيرتهم كرجال في دوائرهم الشخصية ستستمر سنين من بعدهم. بل يتفاقم الأمر إلى اعتبار بعضهم مثلا أعلى لرجال آخرين، وهو ما رأيناه بالفعل بعد حادثة قتل الفتاة المصرية نيرة أشرف، لتتكرر نفس الجريمة في العراق والأردن والجزائر في خلال أقل من 10 أيام بعد ارتكاب الجريمة الأولى، بينما تبنى رجال آخرون نفس الطريقة لتهديد فتيات ونساء كانوا قد رفضوهم من قبل.

الأزمة مع التملك أنه لا يتعلق بمحاولة السيطرة على الشخص الآخر فحسب، بل يتعلق برؤيته مشتبها به دائماً، حتى وإن لم يفعل أي شيء ليبرر هذا الشعور. ثم يتصاعد الأمر ككرة ثلج تكبر يوما بعد يوم في طريقها للقضاء على العلاقة وأطرافها.

بشكل شخصي، شاهدت عشرات الفيديوهات أرسلها لي متابعون وأصدقاء لـ “مؤثرين” يتابعهم الملايين، يتبنون خطاب “أسترجل و ماتسيبهاش تروح لغيرك”؛ يحرضون فيه بشكل غير مباشر على كون الرجل لا تتركه حبيبته وإن تركته يجب أن ينتقم، عملاً بالقول إن الرجل ما بيترفضش!

الآن، بينما أكتب هذا المقال وبينما تقرؤه وتقرئينه، هناك الآلاف من النساء في مجتمعاتنا ممن تعشن تحت التهديد لرفضهن الزواج بشخص ما. المحظوظات منهن وفر أقاربهن ملجأ آمناً لهن، ربما لبعض الوقت، بعيدا عن الشخص الذي يهددهن.

حتى وإن استسلمت البعض منهن للزواج بشخص يطاردهن، لا يتوقف الأمر بالزواج. إن الشخص المتسلط الذي تزوج بالتهديد أو بالترغيب، يتملكه الشعور بالحاجة إلى التجسس على شريكته وفحص حقيبتها مثلا والتجسس على هاتفها والبحث عن علامات الخيانة الزوجية في زواجه. باختصار، إنهم يشتبهون باستمرار في الشريكة ويصل الأمر إلى حد المراقبة، سواء عن طريق الهاتف بأجهزة التتبع المنتشرة جداً أو المراقبة الفعلية لمعرفة ما إذا كان لديها علاقة غرامية أو حتى “خالفت الأوامر” والتقت بصديقاتها اللواتي عزلها عنهن في بداية العلاقة.

هل يمكن أن يشفى الشخص من التملك؟

نعم، أنا أؤمن بذلك. في الحالات العادية من حب التملك، يمكن أن يشفى الشخص ويكمل حياته. وهي الحالات التي لم يمارس فيها الشخص عنفا أو تسلطا أو تهديدا. أنا، كرجل، مارست الذكورية السامة في بداية حياتي على شريكتي. لذا، أعلم أن التملك يمكن الشفاء منه؛ عندما استعدت ثقتي بنفسي وأحببت نفسي أولا وأدركت أن سعادتي مرتبطة بنفسي أولا وأن تحكمي في الآخرين أو السيطرة عليهم، لن يجلب لي إلا القلق والمرض.

عندما تحب نفسك، تشعر بالرضا والكمال و”تختار” أن تحب الآخر. لا يوجد ما يجبرني على الوجود مع شريكتي… إنه اختيار أقوم به. كذلك يجب أن تشعر شريكتي أنها غير مُجبرة على الوجود معي. تلك المساحة من الاختيار تأخذ العلاقة إلى مكان أعلى بكثير من حالة التحكم التي يعتبرها البعض حُبا. الشخص في علاقة ليس لأنه يشعر بأنه غير مكتمل بدونها أو يشعر أنه من واجبه أو عليها الوفاء بمجموعة من الأوامر والطلبات. ليس من الضروري أن يكون الشخص الذي تحبه تحت مراقبتك طوال الوقت. لا يتعين عليك معرفة كل شيء عن الأنشطة اليومية للشريكة. حبها لا يعتمد على عدد المرات التي تكون فيها على اتصال معك ولا يجب أن تشعر بالإهانة إذا اختارت شيئا غير ما ترغب فيه.

الرجل الحقيقي لا يجب أن يشعر بالإهانة لأنه تم رفضه. على العكس، الرجل الحقيقي يرفض أن يكون في علاقة تحت التهديد. الرجل الحقيقي يجب أن يشعر بالامتعاض من فكرة أن شريكته لا تطيقه ولكنها خائفة منه. الرجل الحقيقي يشجع من معه على اتخاذ قرارتها بنفسها دون خوف. الرجل الحقيقي يقبل الرفض، يعتذر عندما يخطئ. الرجل الحقيقي يعرف أن رجولته لا ينتقصها شيء إلا تصرفاته هو لا تصرفات من حوله. الرجل الحقيقي لا يملك من حوله بل يشجعهم على الاختيار والازدهار والنمو.

تعليقات

  1. Farah Yorokobi

    من أجمل ما قرأت هذه الأيام
    كلام رائع و بسيط و مهم لكل شخص على الكرة الأرضية أن يعرفه، تحياتي أستاذ أحمد 💚🌿

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *