×
×

الشّطار والعيّارون: الرّعاع و”اللصوص” الذين دافعوا عن بغداد! 1\2

أعزى باحثون معاصرون لجوء العيارين للسّرقة، للتفاوتات الطّبقيّة والاقتصادية الصارخة التي شهدتها بغداد خلال العصر الذهبيّ للخلافة. فكانت أعمالهم احتجاجاً ضمنيا لفقراء يموتون جوعاً ولا يملكون أي شيء، ضدّ أغنياء يملكون كلّ شيء تقريباً.

حكاية الشّطار والعيارين ليست ككلّ الحكايات في التراث العربي الإسلامي. إنها حكاية مكتوبة خارج أقواس المعروف، فهي ليست خيوطا مترابطة لحركة مناكفة للخلافة كليًّا، ولا هي مرآة لنرى فرقة مناصرة لها تمامًا.

إنهم رعاع ولصوص… دافعوا بكلّ شيء، لكي تحيا بغداد حرّة!

رعاعٌ من العدم إلى الاهتمام!

يقترنُ الاهتمام بجماعة الشّطار والعيّارين في التاريخ، بمشاركتهم في “الحرب الأهلية”، التي دارت رحاها بين الخليفة الأمين وشقيقه المأمون. شاركوا إلى جانب الخليفة الأمين لحماية بغداد من توغّل الجيوش الفارسيّة التي كانت مواليةً للمأمون.

لننتبه أنّ هؤلاء الشّطار كانوا على شكل جماعة، تحفل بمختلف الأصول العرقيّة الموجودة في بغداد نهاية القرن الثاني الهجري: العرب، الفارسيون، والترك. إلاّ أن الجامع بينهم هو وحدة الواقع الاجتماعي، أي وجودهم في الدرجة الصفر في سلّم العيش: فقراء حدّ العدم.

لكنّ الباحثين يجمعون أنّ هذه الجماعة هي امتداد، بشكل ما، لفرقة اللّصوص الصّعاليك التي نشطت في العصر “الجاهليّ” قبل مجيء الإسلام. كما هناك أيضاً توجّه تاريخيّ يقول إنّهم في الحضارة الإسلامية، وُجدُوا، بشكل ملحوظ، إن شئنا، منذ عهد الخليفة العباسي الثالث المهدي (158- 169ھ).

نجدُ لهذا الرأي أثراً عند البلاذري، الذي يقول: فلمّا كثر الصعاليك والزعار -العيارون- وانتشروا بالجبل في خلافة المهدي، جعلوا هذه الناحية ملجأ لهم، وحوزوا، فكانوا يقطعون (الطريق) ويأوون إليها فلا يطلبون.

غير أنّه، ورغم وجودهم وقيامهم بأعمال النهب والسلب والسّطو على القوافل، كما يقول المؤرّخون، فإنّهم لم يشكّلوا خطراً يتهدّدُ وجود الخلافة. لذلك، لم يبد ذلك الاهتمام تجاههم، فضلا عن كون قبضة الدولة كانت لا تزال قويّة، والخلافة في أوج مجدها السياسي والحضاري. هذا صعّبَ عمليّة البحث عن توجه سياسيّ للجماعة. [1]

أعزى باحثون معاصرون لجوءهم للسّرقة، للتفاوتات الطّبقيّة والاقتصادية الصارخة التي شهدتها بغداد خلال العصر الذهبيّ للخلافة. فكانت أعمالهم احتجاجاً ضمنيا لفقراء يموتون جوعاً ولا يملكون أي شيء، ضدّ أغنياء يملكون كلّ شيء تقريباً. [2]

عُرفوا جيداً في سنة 196 ھ، حين أخذت جيوش المأمون، بقيادة طاهر بن الحسين، تقترب من بغداد. واكبت هذه الفتنة حربٌ ضروسٌ دامت أربعة عشر شهراً. علّق عليها المؤرّخون بأنها كانت في أهم جوانبها وأخطر مراحلها حربًا بين “العجم” و”العرب”.

لهذا السّبب بالذّات، انخرط العوام، وعلى رأسهم الشّطار والعيارون، في هذه الحرب وقلبوا الموازين، دفاعاً عن بغداد وعن الخليفة. يقول ابن الأثير: “ونقب أهل السجون، وخرجوا منها، وفتن الناس، وساءت حالهم، ووثب الشّطار على أهل الصلاح”. أهل الصلاح، هنا، هم كبار التّجار والأثرياء والقواد الذين تخلّفوا عن القتال حفاظاً على مصالحهم أو إيثاراً لسلامتهم.

هؤلاء أيضا، كانوا مقصِداً لأعمال الشّطار، نتيجةً لجُبنهم وعدم دفاعهم عن حرمة بغداد، التي علا شأنها وصعد نجمها في ذلك الزّمن. ويقالُ إنّ “حاتم بن الصقر (من قادة الأمين) قد أباحهم النهب”.

لمّا دنتْ جيوش المأمون من تطويق بغداد، وأخذت تقذفها بالمجانيق والعرادات سنة 197 ھ، حدث تدميرٌ فظيع للمدينة وسفكت دماء كثيرة، وأحرقت منازل للسكان وهدمت بيوت للعلم. لكنّ العيّارين استمرّوا في القتال ولم يتراجعوا، حتى لو رفع بعض جنود الجيش النظامي للأمين راية الاستسلام.

صدّ العيارون طاهر بن الحسين وجيوشه عن ولوج بغداد، فاستمرّ القتال بسبب بسالتهم. فهم يقاتلون هنا ويسلبون وينهبون هناك ليربكوا العدو والمتآمرين معه. لذلك، وقعت بين العيارين وبن الحسين أعنف معركة حينها، وهي المعركة التي عرفت بوقعة قصر صالح، وكانوا قد استماتوا في الدفاع عن بغداد بعد أن استسلم القائد الموكل بقصر صالح وصاحب شرطة الأمين.[3]

يقول ابن جرير الطبري: فلما استأمن هذا إلى طاهر أشفى الأمين على الهلاك، وأقبلت الغواة من العيارين وباعة الطرق والأجناد فاقتتلوا داخل قصر صالح وخارجه قتالا عظيما، إلى ارتفاع النهار… ولم تكن وقعة قبلها ولا بعدها أشدّ على طاهر وأصحابه منها، ولا أكثر قتيلاً وجريحا من أصحاب طاهر من تلك الوقعة.

لكنّ المؤسف هو ما حلّ بمدينة علميّة بحجم بغداد من تخريب.

من الضّروريّ التنبيه أنّ العيارين والشّطار هبوا بتنظيم شبه عسكري: وزعوا على أساس أن لكل عشرة منهم عريف ولكل عشرة عرفاء نقيب ولكل عشرة نقباء قائد ولكل عشرة قواد أمير؛ وذلك للدفاع عن مدينة بغداد ضد الجيش الخراساني بقيادة طاهر بن الحسين[4]

انتهت الحرب لصالح المأمون، وخلع شقيقه الأمين بالعنف والقوّة. إلاّ أنّ جماعة الشّطار والعيارين ظلّت محور اهتمام المؤرخين والباحثين منذ ذلك الزمن. وهناك بدأ أثرهم السياسيّ.

العيّارون… استمرار الدفاع عن بغداد

في عصر الخليفة المعتضد (289-279 ھ)، لقي الشطار والعيارون صعوبة شديدة في ممارسة أعمالهم. وذلك راجعٌ إلى حزم هذا الخليفة و”بطشه”، وإعدام كلّ من تجرأ من هذه الطائفة على القيام بأعمال شغب أو نهب، وحال ذلك دون نشاطهم.

جدير بالذكر هنا أنّ بغداد، في فترة حكم المعتضد، عرفت بشدّة صرامتها وحزمها تجاه العيارين، فهي كانت تعرف نظام “التّوابين”، وهم اللّصوص الذين تقدموا في السن وتابوا، وتم الصفحُ عنهم.

في بداية القرن الرابع، ضعفت الخلافة العباسيّة وبدأت تعيش لحظات وهنها، خصوصاً مع ظهور ثورة القرامطة ونقمة البويهيين على الخلافة. يرجّح أحد الباحثين أنهم كانوا غير متعاطفين مع القرامطة، أو أنهم كانوا واثقين من قدرة الدولة على مواجهتهم، فلم يشتركوا في هذه الحرب، كما هي عاداتهم، ترقبا للنتائج.

قاوم العيارون البويهيين ببسالة وشدّة. حتى عجزوا عن القضاء عليهم، فسلكوا طريقا أنجع، يخوّل لهم استقطاب رموز الجماعة. خصوصاً، أولئك الذين يربُّون في دواخلهم طموحاً سياسيّا، على غرار “ابن حمدي” و”عمران بن شاهين” و”ضبة بن محمد الأسدي” و”ابن مروان” و”ابن فولاذ”، إلخ.

حوّلوهم إلى “لصوص رسميين”، تهادنهم الدّولة، وتعترف بهم، وتعمد إلى مصالحتهم، وتخلع عليهم، وتعهد إليهم بالمناصب الإدارية الكبرى. [5]

ظلّ هذا الاستقطاب محدوداً، ذلك أنه في سنة 361 ھ، “وقعت ببغداد فتنة عظيمة، وأظهروا العصبية الزائدة، وتحزب الناس وظهر العيارون، وأظهروا الفساد وأخذوا أموال الناس، وكان سبب ذلك ما ذكرناه من استنفار العامة للغزاة، فاجتمعوا وكثروا، فتولد بينهم من أصناف (طوائف) النبوية والفتيان، والسنة، والشيعة، والعيارين، فنهبت الأموال، وقتلت الرجال، وأحرقت الدور، وفي جملة ما احترق محلة الكرخ، وكانت معدن التجار والشيعة”، يقول ابن الأثير.

يحيلنا نصّ ابن الأثير على رفض الوجود البويهي في بغداد. غير أنه ستشتعل فتنة أخرى فيما بعد، عندما شرع عضد الدولة البويهي في الاستيلاء على العراق وضمها إلى فارس في مملكة واحدة. أخذ عضد الدولة يسيرُ نحو بغداد، فواجهه الأتراك في معركة حاسمة، وانهزم الأتراك (عسكر الخليفة) فقتل منهم خلق كثير.

العيارون وقفوا مرة أخرى إلى جانب الأتراك (عسكر الخليفة)، دفاعا عن بغداد من أطماع عضد الدولة البويهي، الذي شرع في ضم بغداد والعراق إلى فارس وإخضاعها للنفوذ الفارسي، وهو الأمر الذي حاول العيارون الحيلولة دون حدوثه، ومن أجله دخلوا الحرب إلى جانب الخليفة العباسي المغلوب على أمره، والجند الأتراك من المرتزقة. [6]

في مطلع القرن الخامس الهجري، عاد العيارون بقوة إلى المشهد، وخصوصاً، في عام 417 ھ حيثُ كانت عملية السرقة دائرية: الأتراك المرتزقة يسرقون الرعيّة، والسلطان البويهي يسرق أموال الخليفة الطائع لله… ويأتي الشطار ليسرقوا الرعية والأتراك والجيش البويهي.

في تلك الفترة، ظهر البرجمي العيار، الذي تعصّب له العيارون حين تعرض للاعتقال، وطلبوا أن يرفع الدعاء باسمه في الخطبة، لا باسم الخليفة العباسي ولا الملك البويهي. أصبح بذلك علامةً على المعارضة الشعبية. إنه شجاع يقفُ ندًّا للحكام، سيما حين شاعت عنه حكايات من قبيل عدم تعرضه للنساء والضعفاء. كما ظهر بعده بسنوات “علي الزيبق” أشطر الشطار، كما يوصف، وغدا رمزا لثائر تاريخيّ وشعبيّ وأدبيّ، حتى أنّ الخليفة استنجد به حين تغوّل التّرك السلاجقة.

هكذا ظلّ الشطار والعيارون من معركة إلى أخرى… وفي الجزء الثاني، نعاين تفاصيل قتالهم للسلاجقة.

هوامش:

[1]محمد رجب النجار، الشطار والعيارين، حكايات في التراث العربي، سلسلة كتب ثقافية شهرية، عالم المعرفة، الكويت.

[2] المرجع نفسه.

[3] نفسه.

[4]محمد سعيد رضا،عن ورقته البحثية، حركة العيارين والشطار: العنف المدني في المجتمع العباسي خلال القرن الرابع الهجري.

[5]محمد رجب النجار، المرجع السابق.

[6] نفسه.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *