×
×

من كندا، عمر لبشيريت يكتب: جاري الجزائري… يوميات حرب بموريال

هؤلاء المغاربيون عاطفيون جدا، تشعل فيهم الغربة تطرفا خاصا في الاشتياق لـ “لبلاد”، وسرعان ما يتمترسون وراء الحدود، وتنشب بينهم المشاحنات على الفايسبوك. ينسون، بسرعة، تحالفات الانتخابات وسمر المقاهي حول قهوة سوداء. لا أثق فيهم، ينجرون بسرعة الى الخصام، ويبدعون في ذلك. لكنهم، بالمقابل، يستمرون في التبضع من المحلات التجارية لكليهما. ويترددون على نفس المساجد.
صراحة، لا أفهمهم، يفضلون مجاورة بعضهم البعض، بل يصرون على ذلك، يشتبكون في الفايسبوك بالنهار ويلتقون مساء بالمقهى…

عندما أخبرني السيد فرانشيسكو، إيطالي من صقلية، أن هناك عائلة تود زيارة المنزل الذي أكتريه منه، بعدما قررت مغادرته نحول منزل مجاور أكثر اتساعا، قلت له: سأحاول إقناعهم بكراء المنزل، وفي نفس الوقت سأرى إن كانوا في مستوى الحفاظ عليه…

الإيطاليون، أغلبية ساكني الحي الذي أقطن فيه، يفضلون في العادة كراء منازلهم للمهاجرين المغاربيين. يقولون إنهم مسالمون وجديرون بالثقة ويحترمون مواعيد أداء واجبات الكراء، بل يعتبرون الأداء شيئا مقدسا. حتى أن السيدة الإيطالية، التي اكترينا منها منزلا عند حلولنا لأول مرة بموريال، طلبت منا أن نختار نحن من سيخلفنا به، بعد أن قررنا تغييره.

استقبلت الزوار: زوجان جزائريان يبحثان عن منزل أكثر هدوء، بعد تجربة سيئة في عمارة سكنية. لم تكن مسألة إقناعهما صعبة. المنزل يقع في منطقة هادئة وجميلة، وأشرفنا، قبل سنة، على إصلاحه وصباغته وتزيينه. اقتنعا بالمنزل، فما كان إلا أن أوصيت بهم خيرا مالك المنزل، وانتقلت الى المنزل المجاور… وأصبح لدي جار جزائري. بل، اخترت جارا جزائريا.

في الحقيقة، أصبح لدي جاران جزائريان. فالمنزل الملاصق لمنزلي يشغله جار جزائري من منطقة القبائل، طيب ونشيط. كنا نتبادل التحية، أحيانا، عندما يكون كل واحد منا منشغلا في حديقته الخلفية التي لا يفصل بينهما سوى حاجز/حدود قصيرة، ثم أصبحنا نتبادل المعدات والنصائح. كما يلاصق منزلي بالجهة المقابلة جار مغربي… لم يسبق أن تبادلنا حتى التحية.

نحن أربعة مغاربيين في زقاق تسكنه عدة أعراق وجنسيات، يغلب عليهم الإيطاليون..

أنا الذي اخترت جاري، واخترته جزائريا. هكذا، دون أن أفكر أو أدرس الأمر. هو قدر الجوار نحمله معنا حتى عندما نهاجر. وفي المهجر، يطلب منا أن نختبر هذا الجوار، ونمتحنه يوميا بعيدا عن أعين مسؤولينا، وبكثير من “الأحكام المسبقة” والنوايا التي تغديها مواقع التواصل، ويشعلها “السفهاء منا”.

صحيح ليست بيننا حدود في المهجر، لكن… تحس أن هناك هواجس نحملها تصبح مثل الحدود، بل تسبقنا وتذكرنا، دون أن نشعر، أن ثمة دائما، حدودا، وخلفها هناك “ثأر” ورمال وضحايا وقصص خذلان وتنكر.

تكاد تغلبنا هواجسنا وتنتصب مثل “الأنا الأعلى” لتحذرك وتتوعدك ألا تنسى وتخون الحدود… ألا تتمادى في التطبيع مع هذا الغياب الوهمي للحدود الذي يخيل إليك، وتنساق نحو تصديق اندثارها…

يجب أن تبقي الحدود وتحملها في عقلك ولاوعيك. هي “إرث” وطن أصبحت مؤتمنا عليه وأنت بعيد عن الوطن. هكذا يأتيك الصوت الداخلي متوعدا ألا تقع في الخطيئة، خطيئة أن تنسى أن ما وراء الحدود، يوجد دائما “عدو”، حتى وأنت وراء البحار بآلاف الأميال…

أنت اليوم بعيد عن الحدود، لكنها تسكنك، أو يراد لك أن تسكنك…

لذلك، لا يجب أن تنسى حدودك، ويجب أن تكون يقظا ومتأهبًا وتردد في أعماقك أغنية الشيخ إمام: “واه ياعبد الودود… يارابض ع الحدود… ومحافظ ع النظام”.

تتبضع عند المخبزة الجزائرية، تراقب الزبناء وتتفحص جيدا الفضاء وتبحث عن الحدود، وتظل متأهبا. تتابع نظرات صاحب المحل وتبتسم له مرغما ويبادلك نفس الابتسامة، وتراقب جيدا البضاعة والثمن… وعينك على العلم الجزائري خلف البائع، وتغادر وأنت تتساءل لماذا مر كل شيء بشكل عاد؟ لم تقع أي مشاحنة. لم يكشر عن أنيابه. وتعرج على الجزار المغربي، وتجد جزائريا يساوم صاحب المحل وهما يضحكان والعلم المغربي يزين الحائط، وتعلم أنهما يعرفان بعضهما منذ مدة طويلة، وتغادر وأنت تتساءل حول هذا التطبيع بين الإثنين. كيف نسي الناس الحدود وتخلوا عنها، ماذا يقع لهؤلاء القوم؟

يجب على سفاراتنا وجمعيات سفاراتنا وأعين دولتنا بالخارج، أن تنتبه للأمر. ففي نهاية الأمر، لا يمكن أن يكون العالم مشرعا. الحدود ضرورية، تعلمنا الانتماء، وأننا مختلفون عن الآخرين، وأن ما يجمعنا يفرقنا عمن هم وراء الحدود. هكذا تخبرنا و”تعلمنا” أجهزة “الإرشاد القومي”.

لا يجب أن ننجر وراء عواطفنا، فالدولة أدرى بمصلحتنا، ويجب أن نثق فيها. هي من تختار حدودنا وجيراننا.  بل تختار لنا، في كل مناسبة وظرف، جيرانا أبعد من حدودنا، ليس بالضرورة أن يكون جيراننا في خطوط تماس مع حدودنا.

الجار، في اللغة الديبلوماسية والسياسية، ليس هو القريب جغرافيا، فالإنشاء الديبلوماسي قد يجعل مملكة منغوليا جارا لفترة معينة، وأحيانا يجعلنا بدون جيران…

وأنت الوافد الجديد، هنا في موريال، تراقب وتتساءل، وتبحث عن حدود فلا تجدها، وتقول في أعماق نفسك… ربما يتحاشى الناس هنا إظهار عداوتهم وحدودهم أمام الأجانب. أكيد أنها حاضرة في نظرات عيونهم، وابتساماتهم الباردة، وفي أنفاسهم. بل، يجب أن تكون في مكان ما، تذكر وتحذر الجميع أن لا وطن بدون حدود ولا وطنية بدون “عدو”، ولا وطنية بدون عشرات التدوينات يوميا ضد من هم وراء الحدود…

مع مرور الأيام، ستكتشف أن شارع “جون طالون” أو Le Petit Maghreb، هو عالم مصغر بدون حدود للمهاجرين المغاربيين. المقاهي مختلطة، والدور السكنية كذلك، والأبناء يترددون على نفس المدارس. وسيخبرونك أن هذا العالم المغاربي الصغير لا يعرف مشاحنات ولا توترات. وتتساءل كيف يعقل ذلك، ألا يشاهدون القنوات التلفزية؟ ألا يقرأون جرائد بلدانهم؟ ألا يتوفرون على حسابات في مواقع التواصل الاجتماعي؟ هل هذا معقول؟ أين الحدود يا قوم؟

ثم سيصدمك أصدقاؤك وهم يخبرونك أن زملاءهم وأصدقاءهم في العمل جزائريون وتونسيون.

بل حتى في مقهايا المغربي المفضل، يوجد مطعم جزائري صغير ملاصق له. مرة، اكتشفت أنه ليست بينهما حدود، وأن هناك بابا صغيرا يجمع الإثنين، ويمكن أن تطلب السندويتشات من المحل الجزائري ويوصلها لك عبر الباب الصغير، كما يمكن لزبناء المطعم فعل نفس الشيء.

هل كل هذا الذي يقع حربا باردة؟ هل هي استراتيجية؟ هل هي تقية؟ هل أصدق الفايسبوك، أم ما أشاهده وأشهد عليه؟

وجاري الجزائري الذي اخترته، لماذا هو طيب؟ هل يخفي حقدا دفينا ويتظاهر بالطيبوبة؟ ولماذا أزال كل الحدود؟ حتى أنه طلب مني يوما أن أحفظ له عجلات سيارته بمرآبي الخاص.

وأتخيله يطرح نفس الأسئلة: لماذا أوصى بي هذا المغربي، هل جاء بي بقربه حتى ينتقم مني ويراقبني؟ هل يريد أن يجندني ويجعل مني عميلا؟

جاري رفيق، يبتسم دائما. واكتشفت أنه يعرف جارنا الجزائري القبايلي. وأنا لا أسلم على جاري المغربي. أكثر من ذلك، أصبحت أكثر معرفة وصداقة مع جارنا الجزائري الثاني وأصبحنا نتبادل النصائح حول المزروعات حينما نلتقي عبر الحاجز/ الحدود بالحديقة الخلفية…

ولا يقع شيء بيننا، نتصافح ونساعد بعضنا ونتعاون في إزالة الثلوج خلال الشتاء. وجاري أكثر من متعاون.

لماذا لا نتشاجر؟ بل لا نختلف حتى خلال المناقشات السياسية… وجاري المغربي، يرمقنا من بعيد، ولا يسلم علينا. لعله يشفق علي، وعلى تفريطي في الحدود… كيف وضعت حدودا مع جاري المغربي، وأزلتها مع جيراني الجزائريين؟!

لكن، سرعان ما يستبد بي الغضب والحيرة كلما انتهيت من تصفح الفايسبوك، وأحس أنني وقعت في فخ وتماديت في إنكار الحدود. لماذا لا يحدثني جاري عن “البوليساريو” حتى أفحمه وألقنه درسا لن ينساه. لماذا لا يفعل ذلك؟ هل هو تكتيك؟ أم أنه لا يعير أهمية لذاك؟

مرة، أطلعني، عرضا، على فيديوهات للحراك الجزائري وبدا مهموما. كنت أود أن أبين له طبيعة العسكر الجزائري وكيف نهب ثروات البلاد وزج بالجزائريين في معركة خاسرة.

لكني أشفقت عليه، أو بالأصح خفت أن أزج بنفسي في شأن داخلي، أو أتهم بالتآمر ضد بلده وإشعال حريق في أفكاره…

عندما تذهب هواجسنا وتختفي، بل عندما نستفيق من دوختها وتخدير مواقع التواصل الاجتماعي، أكتشف كيف أصبحنا طيعين ومطبعين وتَنَكّرنا للحدود. حينما نتحدث في السياسة، يحكي لي بصراحة عن الجزائر، عن الآلام والفساد، عن الانتظارات، عن الخيبات، عن الأشياء الجميلة. وأحكي له، بدوري، بصراحة، عن الظلم والأعطاب والتجاوزات والانتظارات، وعن كل ما هو جميل في بلدي… ولا نختلف، ولا نتشاجر. بل لا نعرف حتى حسابات بعضنا في مواقع التواصل الاجتماعي.

هذا السلم الخادع لا يدوم طويلا. ففي عز الأزمات الأخيرة، عادت هواجسنا لتتسلط علينا، اجتزنا أوقاتا عصيبة. وانتصبت الحدود، من جديد، في عقلنا. أستفيق في الصباح وأطلع على ما كتبته الجرائد وما نشر بمواقع التواصل الاجتماعي، فيستبد بي الغضب وأقرر أن هذا يوم المواجهة والحسم. وأفكر أن أشتري خمس كيلوغرامات من الموز وأهديها، نكاية، لجاري. أهيئ قهوتي وأخرج إلى الشرفة لانتظاره. وأخمن أنه فكر في نفس الشيء. لعله قضى ليله كاملا بالفايسبوك، وشبع غضبا، وقرر في الصباح أن يهديني طماطم أو يحدثني عن إكراميات “العمارات” ليغيظني ويهينني…

يفتح الباب، أرمقه بنصف نظرة وأتلكأ في المبادرة بالسلام عليه. يتقدم نحوي، أستجمع أفكاري وأفكر في أن أطلب منه ألا يتخطى سياج الباب كترسيم صارم للحدود.

لكنه، كعادته، يأتي مبتسما، يسلم بحرارة ويمدني بصحن فارغ وآخر مملوء عن آخره بالحلويات، ويقول لي: يا سلام… كم كانت “البسطيلة” التي أرسلتموها أمس شهية ولذيذة، حتى أن بعض أصدقائي تمنوا لو شاركونا في تذوقها عندما أخبرناهم بذلك.

أبتسم، وأنسى بسرعة، وأتسلم منه صحن الحلويات الجزائرية، وتطير سكرة الفايسبوك وأتذكر أننا أرسلنا لهم “حقهم” من “البسطيلة”، كما تعودنا أن نرسل، دائما، لهم “حقهم” من الكسكس.

ولكن، هيهات أن تنطلي عليّ اللعبة. الحرب خدعة، وتكتيك ومناورات. ومواقع التواصل متيقظة ولا تستسلم. تذكر الغافلين والواهمين أن العدو دائما خارجي، ويوجد وراء الحدود، وأن الوطنية هي إبداء فائض من الكراهية اتجاه الجيران، وأحيانا… كل الجيران.

لا يهم أن ترتفع الأسعار ويتوسع الفقر وتلفق التهم للناس ويكثر اللصوص ويتغول الأمن والتحكم. “خلي بالك وراء الحدود”، لا تنجر إلى لعبة الداخل. الخارج هو مصدر الخطر دائما.

ولا يهم أن تتبخر ملايير الغاز في خردة طائرات “السوخوي” والملاذات السويسرية، وتسلط عجائز العسكر وبهلوانياتهم التي تثير الضحك. الحراك الحقيقي هو ما يقع وراء الحدود. لا يهم أن تصبح البطاطا نادرة وغالية، المهم أننا نتوفر على خردات السيد بوتين… التسلط بالغاز هناك، والتحكم بالغاز هنا…

فجأة، تأتي الفرصة، ويفرح حراس الوطنية من الجانبين، وينشط “گرايضية” الوطنية، وتنتصب الحدود هنا في موريال، وتعلن حالة الاستنفار، بمناسبة كأس إفريقيا وكأس العرب. ينطلق الفرز عبر نصب الأعلام على الشرفات والسيارات. يصبح الحي الإيطالي عبارة عن متاريس. أعلام جزائرية ومغربية تخرج من الرفوف لترسم الحدود وتعلن أن المعركة قائمة هنا أيضا. يفعلون ذلك بحماس منقطع النظير، تتزين المقاهي والمحلات التجارية ويرتدي الناس الأقمصة الخضراء والحمراء، وتصل العدوى إلى المدارس، وينطلق مهرجان التباهي بالخضر والفواكه والإسمنت والزفت.

الجزائريون، عادة، “ظاهريون”، يكشفون عن أنفسهم، بدون أن تطلب منهم ذلك، ويفعلون ذلك بحماس، أحيانا بدون أية مناسبة. حتى أنه بمناسبة كأس أوروبا للأمم، أخرجوا أعلامهم الى الشرفات وعلى السيارات. فيما المغاربة “باطنيون”، لا تعرف منازلهم ولا أثر لهم، بل لا تحس بوجودهم، وحتى إن اضطروا إلى إبراز أعلامهم، يفعلون ذلك باحتشام…

إنهم فعلا “ظاهريون”. بشوارع ومحلات الحي، تتعرف على الجزائري من بعيد، إما عبر العلم المرفوع دائما على السيارة، أو بانفعاله وغضبه الذي يسبقه، وأحيانا لأتفه الأسباب وبدون مبرر. فيما “أهل الباطن” متخفون لا تعرف نواياهم، ولا تعرف، أصلا، أنهم موجودون، حتى تأتيك “ضربتهم”. ألم يقل عبد الله العروي إن “المغاربة يعبرون عن نفسهم عكسيا”.

رغم كل ذلك، يصر هؤلاء المغاربة والجزائريون على السكن والتجاور بنفس الحي، كأنهم مسكونون بمغناطيس يقربهم، أو أنها لعنة الحدود التي تسكنهم ولا يريدون التخلي عنها، مثل تحد وقدر.

يخيل إليك، أحيانا، أنهم ينفذون وصية سرية: حيثما يوجد مغربي، لا تفارقه، لازمه، ذكره بلعنة الحدود. وأينما سكن جزائري، كن ظله، ذكره دائما أن ثمة حدود، وأن الجوار يتبعه أينما رحل.

هكذا، يسكنون معا في “باربيس” بباريس ومارسيليا، و”مولينبيك” ببروكسل، ويتجمعون معا هنا بموريال على طول محور شارع “جون طالون”le petit Maghreb”. يبحثون عن بعضهم البعض، أينما وجدوا، ولا يهدأ لهم بال ولا يهنؤون إلا بالمجاورة. حتى السجون والحماقات والكوارث، لا تستقيم إلا عندما يقترفونها معا جنبا إلى جنب…

غريبون حقا هؤلاء الجيران، يغنون معا “خاوا، خاوا”، لكنهم يستسلمون بسرعة لتحريضات “السفهاء” منهم، ويشرعون في التراشق بالخضر والفواكه بمواقع التواصل الاجتماعي. حتى جرائدهم تشبههم، ولا تتردد في مدهم بحطب المواجهة. لم تعد تجد في الجرائد قصائد شعراء الجيران ولا أخبار الفنانين وإبداعاتهم. أصبح التباري في النكاية بالجار ونشر غسيله وقرع طبول المواجهة هو الغالب.

هؤلاء المغاربيون، يغضبون بسرعة، وينسون بسرعة، ويعود الهدوء والتآخي. وأنا أتجول بشارع “جون طالون”، أريد أن أصدق أن نعيم هذا الهدوء وحسن الجوار والتفاهم والتعايش، حقيقي، أنه الأصل، أنه النموذج.

يتفاهم هؤلاء المغاربيون ويفهمون بعضهم جيدا، يتحالفون خلال الانتخابات ويغلبون “مصالحهم” ويتضامنون ويصطفون دائما وراء “الحزب الليبرالي”. ولا تكاد تفرق بينهم في الشارع، تجمعهم نفس المقاهي، بل إنهم فتحوا مقاهي تشبههم كثيرا. هم الوحيدون، بموريال، الذين لا تلج النساء مقاهيهم، ويكتفون بتقديم الشاي والقهوة لا غير، فضلا عن الشيشة. لا يستمعون إلى القنوات الكندية ولا يشاهدون “الهوكي”. شاشات التلفزة بـ”جامعة شارع جون طالون” لا تعرف إلا “بين سبور”. إنهم يتشابهون في كل شيء، كشعب واحد…

ومع ذلك، لا أثق فيهم. هؤلاء المغاربيون عاطفيون جدا، تشعل فيهم الغربة تطرفا خاصا في الاشتياق لـ “لبلاد”، وسرعان ما يتمترسون وراء الحدود، وتنشب بينهم المشاحنات على الفايسبوك. ينسون، بسرعة، تحالفات الانتخابات وسمر المقاهي حول قهوة سوداء. لا أثق فيهم، ينجرون بسرعة الى الخصام، ويبدعون في ذلك. لكنهم، بالمقابل، يستمرون في التبضع من المحلات التجارية لكليهما. ويترددون على نفس المساجد. صراحة، لا أفهمهم، يفضلون مجاورة بعضهم البعض، بل يصرون على ذلك، يشتبكون في الفايسبوك بالنهار ويلتقون مساء بالمقهى…

وجاري أنا، الرجل الطيب والهادئ، هل هو فعلًا جزائري؟ وهل أنا مغربي فعلا؟

لماذا لا نتصارع؟ لماذا نتشبث بمجاورة بعضنا؟ لماذا أحس أنه أقرب إليّ من جاري المغربي؟

عندما انتهت كأس إفريقيا، حاول أن يقنعني أن المنتخب المغربي أفضل، وأنا أصر أن المنتخب الجزائري أفضل بكثير، لولا ضعف المدرب. حتى في الكرة لا نتصارع… جاران فاشلان حقا.

آن الأوان أن أغير جاري…

 

مقالات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *