×
×

محنَة القبايل… هل تعد سياسة الجزائر أرضا خصبة لنبتة الانفصال؟ 2\3

الطرح الانفصالي للقبايل، يمكنُ “القضاء” عليه نهائيا، بشكل توافقي يرضي جميع الأطراف، حين تعود الدولة الجزائرية إلى جادّة الصواب، وتركب قطار الديمقراطية، وتحسم مع نهج السّلطوية على شاكلة معمر القذافي وصدام حسين وجمال عبد الناصر.

تابعنا في الجزء الأول كيف برزت فكرةُ معارضة القبائل للنّظام الجزائري، وكيف تطوّرت الأزمة إلى برُوز فكرة انفصالية تمخّضت عنها حركة استقلال القبائل وحكُومة المنفى.

في هذا الجزء الثّاني، نرصدُ كيف تقوّت فكرة الانفصال عن الجزائر، والأسباب الحقيقية وراء ذلك.

حاول النظام الجزائري أن يستأصل شأفة الخلاف حول الأمازيغية، بالاستجابة لبعض مطالب الأمازيغ، عبر إقرار الدستور المصادق عليه في السادس من فبراير 2016، اللغة الأمازيغية لغة وطنية ورسمية إلى جانب اللغة العربية.

لكنّ عمقَ الجراح التاريخية دفع زعيم الحركة الانفصالية فرحات مهني، إلى دعوة القبايليين للتظاهر عشية الاحتفال بالذكرى الـ36 حينها على أحداث الربيع الأمازيغي.

أحمد غزالي، أحدُ وزراء الجزائر سابقاً، ، قال بأنّ ما أنفقته الجزائر في دعم جبهة البوليساريو منذ 1975، يفوق بكثير ما تمّ إنفاقه في مناطق القبايل منذ 1962

رغبةُ مهني وقتها، تمّت قراءتها كنوع من التأكيد على تمسك حركة استقلال القبائل بمطلب إنشاء كيان مستقل عن الجزائر، وليس الدفاع عن الثقافة واللغة الأمازيغيين فحسب.

فكيف تشكّلت هذه العقيدة الانفصالية الصلبة لدى القبائل؟

القبائل… رحلة “الانفصال”!

في البداية، كان مطلبُ القبائل يتعلق بإقرار حكم ذاتي، وهو ما أكده الناشط السياسي الجزائري عبان مزيان في مقابله له مع منصة أصوات مغاربية، كردّ على الاتهامات التي توجه لحركة “الماك” بخصوص رغبتها في “تمزيق” الوطَن، وفصل مِنطقة القبائل عن الجزائر.

يقول: “هذا غير صحيح، النظام هو الذي يقف وراء هذه الاتهامات، وقد سبق واتُّهمت الحركة بالعمالة للخارج وتلقي أموال من جهات أجنبية لتقسيم البلاد وإحداث الفوضى”.

النظام الجزائري متهم بالضّلوع في توفير التربة الخصبة لبروز نبتة الانفصال، وذلك عبر إقصائه للمكون الأمازيغي في الشخصية الجزائرية، كما عانى الأمازيغ، لعقود، من ظلم وتعسف وتغييب لهويتهم وثقافتهم.

مزيان أردفَ أنّ “ماك تطالب بحكم ذاتي لمنطقة القبائل ولمناطق كثيرة في البلاد، وسنبقى ضمن الوطن الأم الجزائر. الحكم الذاتي لا يعني التقسيم أبدا… لاحظوا الصين، مثلا، لديها خمسة أقاليم تتمتع بحكم ذاتي وليست هناك أي مشاكل فيها. هدفنا هو عدم مركزة السلطة في يد النظام بل تقسيم السلطة وتوزيعها على كل مناطق الوطن”.

لكن، كيف تحوّل الأمر إلى انفصال؟

منير كجي، ناشط أمازيغي مغربي زار منطقة القبائل عدة مرات، يرى أنّ الأمر، في البداية، كان بالفعل نداءً لتمتيع القبائل بالحكم الذاتي واستقلالها؛ لكنّ الأوضاع المتتالية، والعنف والتنكيل الذي مارسه نظام العَسكر الجزائري في حق القبايل، جعلَ المطلب يتحوّل إلى الرغبة في الانفصال والمناداة بحقّ شعب القبائل في تقرير مصيره.

كجي يعتقدُ، في حديثه مع مرايانا، أنّ الأصل في مطلب القَبايل، أنّ جَميع مقوّمات استقلال المنطقة موجودة؛ على غرار التّراب والتّاريخ والثّقافة والأمّة والقيادة السياسية

لذلك، تغَذّى هذا المطلب حتى أصبح الشباب القبايلي هو عضُد الحراك الجزائري منذُ 2019 إلى اليوم، رغم كل حملات التّشويه واتّهامه بالإرهاب والعمالة للخارج…

بحسب النّاشط الأمازيغي، فإنّ معدّل المُشاركة “صفر” في الانتخابات بمناطق القبايل، بمعنى أنّ هُناك إجماعا حول مبدأ الانفصال ورَفض الانتماء للجزائر، خصوصاً حين تعمّق التهميش والعزلة بالجهة حيثُ تتواجد القبايل.

أحمد غزالي، أحدُ وزراء الجزائر سابقاً، ، قال بأنّ ما أنفقته الجزائر في دعم جبهة البوليساريو منذ 1975، يفوق بكثير ما تمّ إنفاقه في مناطق القبايل منذ 1962.

لا يتنبّأ كجي لهذا المطلب بالتراجع أو الخفوت أمام استمرار “التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي واللغوي، وبعض الأحداث الموجعة في التاريخ، كقمع الربيع الأمازيغي مثلاً سنة 1980، وأحداث الربيع الأسود سنة 2001، حيث تم اغتيال 127 شابا إضافة إلى التسبب في وجود أكثر من 3000 جريح ومعطوب ومعاق مدى الحياة.

أكثر من ذلك، كجي يقول إنّه يعرف فرحات مهني شخصياً منذ سنوات، وشارك في محاضرة معه بجامعة تيزي وزو سنة 2007، ولازالت العثراتُ تطفو في ذاكرته حين ذاق السجن لمرات عديدة خلال الثمانينات، وتم كسر أنفه خلال جلسات التعذيب.

كل ذلك يجعل المتحدّث متأكّداً من أنّ الوعي السّياسي لدى مهني متأجج، بعد الهجوم على القبايل بالرصاص الحيّ وسجن المعارضين، وهو ما أفرز عداءً يصعبُ تجاوزه لدى القبائل تجاه النظام العسكري الجزائري، خصوصاً بعد اغتيال نجل مهني من طرف المخابرات الجزائرية بفرنسا سنة 2004.

يجمل كجي تصريحه لمرايانا معتبراً أنّه من الطبيعي تماماً أن تساهم كل هذه الأوضاع في بروز فكر انفصالي متشدد في طرحه، أمام انحراف الدّولة وتصلب ذهنية العسكر وتهميش القبائل عمداً، في ظلّ غياب برنامج للتنمية.

الخُلاصة، هنا، أنّه تمّ إجهاض آفاق الغد بالنسبة لشباب لم يعد يرى حلماً سوى الانفصال، سيما عشيّة حرمانه من الحق في الشغل ومن ممارسة حرياته.

لذلك، قدّر بعضُ الباحثين أنّ الطرح الانفصالي للقبايل، يمكنُ “القضاء” عليه نهائيا، بشكل توافقي يرضي جميع الأطراف، حين تعود الدولة الجزائرية إلى جادّة الصواب، وتركب قطار الديمقراطية، وتحسم مع نهج السّلطوية على شاكلة معمر القذافي وصدام حسين وجمال عبد الناصر.

ماذا بعد الانفصال؟

يتّهم كثير من الباحثين الجزائريين النظام الجزائري بالضّلوع في توفير التربة الخصبة لبروز نبتة الانفصال، وذلك عبر إقصائه للمكون الأمازيغي في الشخصية الجزائرية، كما عانى الأمازيغ، لعقود، من ظلم وتعسف وتغييب لهويتهم وثقافتهم.

لكن… مع ذلك، يقول البعض الآخر بإمكانية الدّفاع عن الثقافة الأمازيغية في بعدها الوطنيّ دون الحاجة إلى تمزيق الجزائر.

يستدلّ هؤلاء بنشاط “جبهة القوى الاشتراكية” بزعامة الراحل حسين آيت أحمد، الذي لم يطالب باستقلال المنطقة طيلة مشواره السياسي المعارض للسلطة، والذي بدأ عام 1963، وهي السنة التي أنشأ فيها حزبه ذي الامتداد الوطني الواسع.

الأمر، في البداية، كان بالفعل نداءً لتمتيع القبائل بالحكم الذاتي واستقلالها؛ لكنّ الأوضاع المتتالية، والعنف والتنكيل الذي مارسه نظام العَسكر الجزائري في حق القبايل، جعلَ المطلب يتحوّل إلى الرغبة في الانفصال والمناداة بحقّ شعب القبائل في تقرير مصيره.

في ذات السياق، يقول الباحث المغربي عبد السلام بنعيسى، في مقال له، إنّ “تقرير مصير شعب القبايل بالجزائر، وحصوله على الانفصال، سيُذكي عدوى تقرير المصير والانفصالِ في نفوس العديد من زعماء وقادة بعض القبائل والعرقيات والاثنيات التي تتشكل منها المجتمعات المغاربية”.

هكذا، يضيف بنعيسى، قد “تصبح لكل قبيلة أو عرقية أو إثنية، تطلعات لإنشاء دولتها الخاصة بها، ويتحول المغرب الكبير، بدوله كافة، إلى برميل بارود مهدد بالانفجار العرقي والإثني، في كل لحظة تريدها له القوى المتربصة بالمنطقة”.

رغم كل ذلك، يقول مصطفى القادري، أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة محمد الخامس بالرباط، في تصريح لـ”مرايانا”، إنّ الانفصال الحقيقي هو انفصال الجزائر عن التّاريخ والانسِلاخ من الهويّة الوطنية تحتَ رداء العُروبة البالية القادمة من الشّرق، وأوهامها التي لازال النّظام الجزائري الشّمولي يعتقدُ بجدواها في عالم اليوم.

في المحصّلة، ليس تجاوزُ الحساسيات الهوياتية بصعب المنال، فكلّ خلاف يمكن تجاوزه بالاعتراف بالآخر وهويته وحقه في الوجود والاختلاف وحضوره ضمن الثقافة الوطنية لكلّ دولة.

في الجزء الثالث والأخير من هذا الملف، سنرى كيف حاول المغرب، مؤخرا، أن يُخرج ورقة القبايل للضغط على النظام الجزائري وتداعيات ذلك.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *