×
×

نازك الملائكة… تلك القصِيدة التي قرَضت أشعاراً

لم تنكر نازك نظرتها التشاؤمية للواقع المحيط بها. تعترف أنّ تشاؤمها قد فاق تشـاؤم شوبنهاور نفسه، لأنّه كان يعتقد أنّ الموت نعيم، يختم عذاب الإنسان. أمّا هي، فلم تكن عندها كارثة أقسى من الموت. كان الموت يلوح لها مأساة الحياة الكبرى، وذلك هو الشعور الذي حملته من أقصى أقاصي صباها إلى سنّ متأخّرة…

علي غير العادة، وفي أربعينيات القرن الماضي، كانت مُنافِسَةُ بدر شاكر السياب على “منصب” ريادة الحَداثة الشّعرية أو الشّعر الحُر… شاعرة!

وتلك الشاعرة لم تكن إلاّ… نازك الملائكة.

التنقيب في سيرة هذه الشاعرة هو بمثابة بحث داخل “قصيدة حُرّة”، ثائرة على الثّابت ومنفلتة من قيُود المألُوف.

قصيدة كبحت الذكورية جموحها، فلم تحظ باهتمام النقاد، على غرار الكثير من الشعراء الذين تشاركوا معها في التجربة، كعبد الوهاب البياتي وصلاح عبد الصبور وبدر شاكر السياب

لقد افتضّت نازك الملائكة، بقوّة، منطقة كانت حكراً على الرّجال. فالنّطاق، حيثُ ينظمُ الشعر، حين تدخله امرأة مثل نازك، يحملُ دلالات عميقة، لا سيما أن الأمر كان في العراق، أرض الشعر.

تفوّقت على الآخرين في التّجربة من حيثُ تأصيلها نظرياً، فلم تقل الشّعر فقط، بل قالت كيف يُقال الشّعر حُرًّا أيضاً…

من هي نازك الملائكة؟ وما هي أهم التيمات الشّعرية التي ميّزت قصائدها التفعيلية؟

… صرخت نازك لأول مرة يوم 23 غشت 1923. كانت أكبر أشقائها الأربعة، وسمّاها الوالد نازك أسوةً باسم الثّائرة السّورية ضد الفرنسيين، آنئذٍ، نازك العابد.

نظرة نازك الملائكة للموت تختلف عن نظرة أغلب الشعراء الذين كانوا من جيلها، أولئك الذين يعتبرون الموت بداية لحياة أخرى، وخطوة بديهية نحو انبعاث جديد؛ بينما كانت تنظر للموت كنهاية حتمية وفناء نهائي؛ لتحوّل نظرتها، فيما بعد، إلى أنه في الموت تنصهرُ التناقضات وتختفي…

يأتي الحظّ بكثافة مرّةً واحدة، وذلك حظّ نازك أن تنشأ في بيئة غاصّة بالشّعر، إذ إنها ترعرعتْ في عائلة تبني علاقة حميمةً بالكتابة والأدب. والدها ليس إلاّ صادق جعفر الملائكة، أديب وباحث عراقي، درّس اللغة العربية في المدارس الثانوية، وخلّف مؤلفات عدّة. أمّا والدتها، فهي الشاعرة سلمى عبد الرزاق، التي كانت تكتب الشعر العمودي وتنشره في الصحف المحلية باسم مستعار، هو “أم نزار الملائكة”.

نازك الملائكة Nazik al-Mala'ika
             نازك الملائكة

منذُ كانت تلميذة، دأبت نازك على الميل للعزلة. أحبّت اللغة العربية والإنجليزية والتاريخ والفلك والعلوم، بيد أنّها بالمقابل، مقتتِ الرياضيات بشكل جنونيّ وغير عاديّ.

نظمت الشعر المحكي “العامي” قبل سن السابعة، وكتبت أول قصيدة بالفصحى وهي في سن العاشرة، كما كانت تُلحِّن وتغنّي في الوقت ذاته. [1]

يبدو تأثّرها بعدد من الشعراء، على غرار محمود حسن إسماعيل وبدوي الجبل وبشارة الخوري، جلياً.

نشرت أولى قصائدها في مجلة “الصّبح”، وهي في سن الثالثة عشرة، ولكنها لم تُدرِجها في ديوان “عاشقة الليل”، لأنها تنتمي إلى مرحلة ما قبل النُضج، كما نشرت قصائد أخرى في مجلّة “فتاة العراق”، قبل أن تحتفي بها مجلة “الآداب” اللبنانية، المقروءة على نطاق واسع في الأوساط الثقافية العربية…[2]

درست نازك في قسم اللغة العربية بدار المعلمين العالية في بغداد، وتخرجت سنة 1944، ثم أكملت دراسة الماجستير في الأدب المقارن بجامعة ويسكونسن الأميركية، وخطّت الكثير من المقالات باللغة الإنجليزية، لتعود وتطلق مجموعتها الشعرية الأولى “عشاق الليل”، عام 1947، التي كُتبَت توسّلا بنظام الشعر العمودي.

في أكتوبر 1947، كتبت قصيدة “الكُوليرا” بأسلُوب الشعر الحر. لم تستسغ والدتها التّجربة أول الأمر، فقالت بـ”حنان” لاذع: “ما هذا الوزن الغريب؟ إن الأشطر غير متساوية، وموسيقاها ضعيفة يا بنيتي”. أما الأب، فهو الآخر لم تطربهُ هذه القصيدة… وردّ عليها ببيت شعري يقول فيه:

لكل جديد لذة غير أنني … وجدت جديد “الموت” غير لذيذ.

غضبت نازك وقالت بصوت عالٍ: “قل ما تشاء. إني واثقة أن قصيدتي ستغيّر خريطة الشعر العربي”… وذاك ما كان فعلاً!

لازالت الحرب الأدبية بين السياب والملائكة بخصوص أيهما السبّاق في تفكيك نظام الشطرين قائمة إلى اليوم. بشكل أدقّ، بخصوص من له أولوية وأحقية ابتكار الشعر الحر، وصاحب الريادة فيه؛ فبدر شاكر السياب كان قد نشر قصيدة “هل كان حبا؟” بالوزن الحر، عام 1946، أي قبل إصدار الملائكة قصيدة “الكوليرا”.

بعد عودتها إلى مسقط الرأس، عُينت عام 1957 مُدرِّسة معيدة في كلية التربية، لتنتقل بعد زواجها من الدكتور عبد الهادي محبوبة إلى جامعة البصرة، ومنها إلى بغداد، التي أمضيا فيها سنة واحدة قبل أن يذهبا إلى جامعة الكويت.

شعرياً، لم تكن ثورة نازك الملائكة، من حيثُ الرؤية والأسلوب، ثورةً شكليةً بحتة، بقدر ما حرصت على تحديث المضمون أيضاً، والاهتمام به؛ سواءٌ من حيثُ حركتها الشّعريّة أو النقديّة، وحاولت أن توفّق بين أهميّة الشّكل وتداعيات المضمُون، باعتبارهما وجهان لعملةٍ واحدة في التّجربة الشعرية المعاصرة بدورها.

تقول نازك الملائكة في هذا السياق: “لابدّ لنا أن نقف في الوسط مسيطرين تمام السيطرة على المضمون، والأداة في وعي واتّزان، وإلاّ فلا بدّ لنا أن نبقى أطفالا مخطئين إلى الأبد، نضيّع مرّة الشكل لفرط حرصنا على المضمون، ونضيّع في المرّة التاليّة المضمون بسبب إيثارنا للشكل”.

تفجّرت سوداوية نازك في الكثير من قصائدها، وأخذت تلجأ إلى تيمات درامية، كالموت والشقاء والألم والحزن والكآبة.

تقول في قصيدة “الكوليرا”، التي نظمتها نازك بمناسبة الوباء الخطير الذي فتك بألوف المصريين في تلك الفترة:

فِي كُلِّ مَكَانٍ، رُوحٌ تَصرُخُ فِي الظُلمَاتْ

فِي كُلِّ مَكَانٍ يـَبْكِي صَوْتْ

هَذَا مَا قَدْ مَزَّقَهُ المَوت

المَوت المَوت المَوت

يَا حُزْنَ النِيْلِ الصَارِخِ مِمَّا فـَعَلَ المَوت

أيضاً، فنظرة نازك الملائكة للموت تختلف عن نظرة أغلب الشعراء الذين كانوا من جيلها، أولئك الذين يعتبرون الموت بداية لحياة أخرى، وخطوة بديهية نحو انبعاث جديد؛ بينما كانت تنظر للموت كنهاية حتمية وفناء نهائي؛ لتحوّل نظرتها، فيما بعد، إلى أنه في الموت تنصهرُ التناقضات وتختفي… تقول في قصيدة صراع:

أحِبُ وَأَكرَهُ، حُبِي شَقَاءْ

أُحِبُ وَأَكْرَهُ، كُرْهِي أَلَمْ

فَفِيْمَ أَعِيشُ؟ سَئِمْتُ البـَقَاءْ

وَشَاقَ حَيَاتِي صَمْتُ العَدَمْ

كما لا تخلو بعض قصائدها من تيمة الألم كتعبير عن الاغتراب العاطفي لدى الشّاعرة.

تقـول: “قد يكون الشعر بالنسبة للإنسان ترفاً ذهنيّا محضا، غير أنّه بالنسبة للمحزون وسيلة حياة”.

شعرياً، لم تكن ثورة نازك الملائكة، من حيثُ الرؤية والأسلوب، ثورةً شكليةً بحتة، بقدر ما حرصت على تحديث المضمون أيضاً، والاهتمام به.

تألّمت نازك كثيراً، وعانت معاناة خاصّة بعد فقدان والدتها، التي أُصيبتْ بورمٍ في رأسها، فرافقتها إلى لندن. بعد إجراء العملية، توفيت الأم، فدفنتها هناك، وبدأت تشعر بالحزن والأسى والاغتراب والضّياع؛ حتى إن طبيبًا نفسيا أشرف على علاجها، وكانت هذِه بداية لإصَابتها بمرض الأعصاب، الذي سيتفاقم في النصف الثاني من الثمانينات، ويعوقها عن الكتابة في بعض الأحايين.[3]

لم تجد الشّاعرةُ منفذاً لألمها سوى أن تحبّه، فكتبت له خمس أغانٍ للألم، حيثُ راحت تتساءل في أغنية عن مصدر هذا الألم ومن أين يَأتينا؟

تقول:

مِنْ أينَ يأتِينَا الأَلمْ

من أين يأتينَا؟…أليسَ في إمْكَانِنَا أنْ نَغلِبَ الأَلم؟

نشعِلُهُ، نُقنِعُهُ بلُعبَةٍ، بأغنّية؟

ومن عَسَاهُ أن يكونَ ذلِكَ الألم؟…

كيفَ نـَنْسَى الألمَ، كيفَ نـَنْسَاه؟

مَنْ يُضِيءُ لَنَا لَيْلَ ذِكْراهْ؟

كانت نازك تنظر إلى وضع المرأة في الأوطان العربية بازدراء شديد. كانت متشائمة بخصوص تغيير نظرة الدونية تلك. وفي “مأساة الحياة وأغنية للإنسان”، بدا أنّ حيّز التّشاؤم والقلق قد اكتسحا نصيباً وافراً من المطولة [4]، إذ من المطلع، يصطدم القارئ بقول الشّاعرة:

عَبَثًا تَحْلُمِينَ شَاعِرَتِي مَا

مِنْ صَبَاحٍ لِلَيْلِ هَذَا الوُجُودِ

عَبَثًا تَسأَلينَ لَنْ يُكشَفَ السِّرُّ

وَلَنْ تـَنـْعَمِي بِفَكِّ القُيُودِ

لم تنكر نازك نظرتها التشاؤمية للواقع المحيط بها. تعترف أنّ تشاؤمها قد فاق تشـاؤم شوبنهاور نفسه، لأنّه كان يعتقد أنّ الموت نعيم، يختم عذاب الإنسان. أمّا هي، فلم تكن عندها كارثة أقسى من الموت. كان الموت يلوح لها مأساة الحياة الكبرى، وذلك هو الشعور الذي حملته من أقصى أقاصي صباها إلى سنّ متأخّرة.[5]

نازك الملائكة: “قد يكون الشعر بالنسبة للإنسـان ترفاً ذهنيّا محضا، غير أنّه بالنسـبة للمحزون وسـيلة حياة”.

دمّرت الحبوب المهدئة ملامح الانفعال الذي يحتاج إليه الشعر، عند الشاعرة المصابة بالأعصاب. فنحَت صوب العزلة في أقصاها إبّان السنوات الأخيرة، قُبيل وفاتها.

غداة أن عادت إلى العراق عام 1987، كرّمتها جامعة البصرة بالدكتوراه الفخرية، إلاّ أنّها لم تستطع الذهاب إلى حفل التكريم بسبب المرض… وبقيت كذلك إلى أن…

جاءها الموتُ ليصافح روحها بغتةً، إذ ووريت نازك الملائكة الثّرى، بهدوء، عن عمر يناهز الرابعة والثمانين، في القاهرة يوم 20 يونيو 2007.

… ربّما كانَ ظهور امرأة مثل نازك الملائكة أمراً مبهراً في فترات معيّنة. أمّا اليوم، فالنساء، عملياً، يمارسن نوعاً من التصدّع في الجدار الإسمنتي للكثير من القيود التقليدانية، في شتّى المجالات. ولو بشكل محشتم أحياناً ولكنّه مثير للجدل والاهتمام كذلك…

الهوامش:

[1] عدنان حسين أحمد، صفحات من حياة نازك الملائكة التي غيّرت خريطة الشعر العربي.

[2] نفسه.

[3] نفسه.

[4] شارف فاطمة الزهراء، إشكالية الحداثة لدى نازك الملائكة، بيان “شظايا ورماد” أنموذجا.

[5] نفسه.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *