×
×

كل طقوسها صلاة، و”الفرح بالله” عيدها الوحيد. المرشديّة: حكايةُ “ديانةٍ” تنتسب للإسلام ولا تدعو أحدا لاعتنقاها!

المرشدية… ديانة تلغي السلطة الدينية، فلا كهنوت بها، ولا مشايخ، ولا دعوة إلى اعتناقها…
الصلاةُ هي كل طقوسها التعبدية، ولا مكان خاص بها سوى البيوت، ويُمكن للمرشدي أن يُقيمها في أي وقت شاء.
وللمرشديين عيدٌ واحدٌ وحسب هو… “عيدُ الفرح بالله”. يحتفلون به في ذكرى إطلاق الدعوة على يد مُنجب المرشد…

في سوريا، دون غيرها، نقع على مُعتقدٍ لم نسمع به كثيرا في المنطقة المغاربية يُدعى: “المرشدية”.

انشقّ عن العلوية (طائفة شيعية)، ولنقل إنّه اليومَ دينٌ ذو بعد صوفي، لا طائفة، مع تأكيده صلته بالإسلام… المرشديّ، ببساطة، لا يصلي صلاة الإسلام، ولا يصوم رمضان، ولا يحتفل بأعياد المسلمين…

لماذا في سوريا دون غيرها؟ لغياب فكرة الدّعوة أو التبشير في “المرشدية”، وخلوّها من رجال الدين.

… ولأنها كذلك، يظلّ من يدينون بها أقلّية؛ يتراوح عددهم بين ثلاثمائة ألف ونصف المليون، ويسكنون اللاذقية، حمص، دمشق، وحماه.

فما حكاية المرشدية هذه؟

سلمان المرشد… أوّل الحكاية

ولد سلمان المرشد عام 1907م، ونشأ في قرية سورية تُدعى جوبة رغال. ثمّ، في ربيعه العاشر، وبينما كان يرعى الماشية، تعرّض لحادث -تُجهل تفاصيله- غيّر حياته رأسا على عقب.

أصيب المرشد بمرض عصبي وكان يُنادي “يا خضر”؛ أحد من يُدعون بأولياء الله عند الطائفة العلوية، فتجمّع القوم حوله إذ اعتقدوا أنه رأى الخضر هذا.

أخذت شعبية الرجل تصعد سريعا على مدار السنين، حتى وَحّد عشائرَ تُدعى بني غسان مُنصّباً نفسه زعيما لهم. لكن السلطات اعتقلته عام 1923م، نافية إياه لعامين إلى مدينة الرقة.

يعتقد العلويون أن ظهور المهدي قريبٌ… وكان وعدُ المرشد بظهوره لـ”يملأ الأرض عدلا”، كافيا لتأخذ دعوته نطاقا أوسع.

الملقنون المرشديون، يوجدون في المناطق حيث يعيشون، وكلّ عملهم أن يُلقّنوا الصلاة لمن أراد ممن بلغوا 14 عاما من أبناء وبنات المرشديين. لمن أراد… لأن المُلقّن يسأله إن كان يريد دخول الدين، فلا يُلقّنه حتى يجيب بـ”نعم”.

وصلت دعوة الرّجل إلى دمشق وحمص والقنيطرة، وبلغ بذيوعها أن فاز بمقعد في المجلس النيابي عام 1943م.

لكن السلطات، بعد أشهر من استقلال البلاد، اعتقلته وحاكمته… ثم أعدمته في ساحة المرجة بدمشق، في الـ16 من دجنبر/كانون الأول 1946م.

سال في دوافع إعدام المرشد مداد كثير… اتُّهم مثلا بادعاء الألوهية، وقيل إنه أعدم بسبب عدم حل تشكيلاته العسكرية ومواصلة عصيانه.

إلا أنّه ثمة تهمة ثابتة في حقه تُغْني عن سبر الدوافع: قَتَل زوجته!

ديانته تستمر مع ابنه مجيب

كان لسلمان، ويَدعوه آخرون سُليمان، ابن اسمه مجيب.

درس في الجامعة الأمريكية ببيروت، ولما عاد إلى موطنه، التفّ عليه القوم ذلك أنه “القائم الموعود” و”المخلّص” الذي وعد المُرشد بظهوره.

أخذ مُجيب يطلق ما يُعرف لدى المرشديين بـ”المعرفة الجديدة”، ثم في الـ25 من غشت/أغسطس 1951م، أعلن الدعوة وتأسيس “العقيدة المرشدية”.

لكن الابن، بعد عام، لقيّ مصير والده، وهذه المرة اغتيالا… بعدما حاول تشكيل تنظيم عسكري لفرض سيطرة حركته على المناطق حيثُ تنتشر.

ثم مع أخيه ساجي

آل زمام الحركة بعد مقتل مجيب إلى أخيه ساجي… وقادها إلى وفاته عام 1998م.

أنشأ ساجي مدارس لتلقين تعاليم المرشدية، وأسهم في بقاء الحركة حيّة على مدى قيّادته. بل ولعب دورا سياسيا في إفشال محاولة انقلاب رِفعتْ على أخيه الرئيس حافظ الأسد.

اتخذ لنفسه لقب إمام ومعلم المرشديين… ولأنه لم يوصِ لأحد بالإمامة بعده، انتهت سلالة الأئمة في الحركة بعد وفاته، وتبنت خطابَ غيبة الإمام.

موتُ الإمام عند المرشديين يعني غيبته، بمعنى أنه غاب… ولم يمت!

كان لساجي، بالمناسبة، أخٌ أصغر يُدعى نور المضيء توفي عام 2015. لكنه لم يتمتع بأي سلطة دينية، ذلك أنه لم يُوصِ به إماما بعده!

… وللحكاية بقيّة

يُجلّ المرشديون مُؤسسي دعوتهم حدّ القداسة. وإذ تغيب لديهم اليوم أي مرجعية دينية، اقتصروا على أشخاص يُدعون بـ”المُلقّن”.

تميزت المرشدية بكونها تُلغي السلطة الدينية، فلا كهنوت بها، ولا مشايخ ولا دعوة إلى اعتناقها…

الملقنون هؤلاء يوجدون في المناطق حيث يعيشون، وكلّ عملهم أن يُلقّنوا الصلاة لمن أراد ممن بلغوا 14 عاما من أبناء وبنات المرشديين.

يعرف “نور المضيء” المرشدية فيقول: “هي دين وليست حزبا سياسيا، ومنهج أخلاقي طاهر يقصد اكتساب رحمة الله ومواصلة عزّته، وهو المنهج الأخلاقي والمسلك النفسي والمنطق العقلي المتأتي من وجدانية مقتبسة من منجاة الله…”.

لمن أراد… لأن المُلقّن يسأله إن كان يريد دخول الدين، فلا يُلقّنه حتى يجيب بـ”نعم”.

أما الصلاة نفسها، فهي ليست كالتي نعرف لدى المسلمين… يقف المُصلّي بيدين مسبلتين فيقول: “اللهم إني نويت أن أُصلي هذا الوقت اتجاها نحو الذات”.

ثم: “قم أيها المؤمن وصل وأشر بيديك للحاضر الموجود، وقم وناد وارفع اليد بآمنت وصدقت. العزة لله، والعظمة الله، والقدرة لله”.

الله عندهم هو الله نفسه؛ يعترفون بالديانات التوحيدية جميعها ويقدّسونها هي أيضا.

يسجد المُصلي بعد ذلك ما شاء، متمتما أدعية خاصة، ثمّ يُسلّم على يمينه وشماله قائلا: “الرحمة عليكم أيها المؤمنون، والخلاص لكم”.

الصلاةُ كل طقوس المرشدية، التعبدية، أو ذلك كلّ ما يُعرف عنهم، ولا مكان خاص بها سوى البيوت، ويُمكن للمرشدي أن يُقيمها في أي وقت شاء.

وللمرشديين عيدٌ واحدٌ وحسب هو “عيدُ الفرح بالله”. يحتفلون به في ذكرى إطلاق الدعوة على يد مُنجب المرشد… في الـ25 من غشت/أغسطس.

يستمر هذا العيد لثلاثة أيام، يلبس المرشديون فيه أجمل حُللهم، ثمّ يجتمعون بعائلاتهم لتقديم التبريكات حيث يقولون: “هنّأك الله على الإيمان”، فيردّ الآخر: “أسعد الله حياتك”.

الفرح يسم أيضا حالات الوفاة لديهم، إذ يعتقدون أن المُتوفَى ذاهبٌ ليلاقي ربّه. الموتُ بالنسبة لهم انتقال إلى مكان أفضل. يقولون في تعزيتهم: “أحسن الله خلاصه(ا)”، فيرد أهل المتوفى:”شكرا لك”.

ذكرنا في البداية أنّ المرشدية دينٌ، وذاك في الواقع كان تعريف نور المضيء المرشد في كتابه “لمحات حول المرشدية”، حيث يقول إنها:

“دين وليست حزبا سياسيا، ومنهج أخلاقي طاهر يقصد اكتساب رحمة الله ومواصلة عزّته، وهو المنهج الأخلاقي والمسلك النفسي والمنطق العقلي المتأتي من وجدانية مقتبسة من منجاة الله…”.

يبقى في الأخير أن نُشير إلى أن سوريا لا تعترف بالمرشدية ديانةً حتى اليوم، وتنسب أبناءها إلى دين الإسلام في الوثائق الرسمية.

 

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *