×
×

تاريخ الموسيقى العربية: خاثر، الموصلي، زرياب… وأعمدة أخرى 3/3

إذا كان سائب خاثر يعتبر نواة النهضة الموسيقية في البلاد العربية، فإن أسماء أخرى كثيرة، ساهمت في عملية التطوير…
أسماء… احتفظ التاريخ ببعضها وأهمل آخرين، لكنها ظلت في النهاية، عنوان ما سيسمى بـ”الموسيقى العربية”.
أسماء امتدت عبر قرون طويلة، لتحمل الموسيقى من زمن الأمويين إلى عهد العباسيين، ولتعرف نقلة نوعية في الأندلس أولا، وبعدها في مصر.

بعدما تابعنا في الجزء الثاني كيف أخذت الموسيقى تنتشر لدى العرب بعد ظهور الإسلام، في هذا الجزء الثالث والأخير، نرى بعض أبرز الأسماء التي أسهمت تاريخيا في تطوير هذا الفن لدى العرب.

رأينا في الجزء الثاني أن سائب خاثر يعتبر نواة النهضة الموسيقية في البلاد العربية، وقد أخذ عنه ابنه سريج وكثيرون غيره، اشتهروا آنذاك مثل جميلة ومعبد وعزة الميلاء

عزة الميلاء هذه، كانت مولاة للأنصار تسكن في المدينة، وهي صانعة النهضة الموسيقية العربية آنذاك.

قال فيها زميلها معبد، مما يورده الكاتب المصري محمد كامل حجاج في كتابه “تاريخ الموسيقى الشرقية”: “كانت عزة الميلاء ممن أحسنّ ضربا بعود، وكانت مطبوعة على الغناء لا يعييها أداؤه ولا صنعته ولا تأليفه…”.

أما جميلة، فكانت مولاة بني سليم، وهي الزعيمة الثانية للنهضة تلك؛ أصل من أصول الغناء العربي.

محمد كامل الخلعي لحن أزيد من أربعمائة موشح… ثم اشتغل بعدها في الموسيقى المسرحية وطورها. لحن أكثر من 25 أوبرا وأوبيريت (مسرحيات غنائية). من أهم مؤلفاته “كتاب الموسيقى الشرقي”، وهو أوفى كتاب ظهر في علم الموسيقى بمصر.

يقول فيها معبد: “أصل الغناء جميلة، وفرعه نحن، ولولا جميلة لم نكن نحن مغنيين، ولقد سُئلتْ يوما: أنى لكِ هذا الغناء؟ قالت: والله ما هو إلهام ولا تعليم، ولكن أبا جعفر (سائب خاثر) كان جارا لنا، وكنت أسمعه يغني ويضرب بالعود فلا أفهمه، فأخذت تلك النغمات، فبنيت عليها غنائي…”.

بهذين الاسمين، أزهر الغناء في العصر الأموي. ثم لما جاء العباسي، بلغ بها رجل يدعى إسحاق الموصلي ذروة الكمال آنذاك، وذلك لأنه، كما يروى، أول من ضبط الأوزان التي تبنى عليها مقامات الموسيقى العربية.

إسحاق تعلم عن أبيه إبراهيم الموصلي، الذي كان ينادم الخلفاء. لذا، اشتهر بـ”ابن النديم”. وقد كان له دور بالغ في نشر الموسيقى، لا سيما بين القيان. كان في بيته دائما ثمانون قينة ممن يرسلهن مواليهن للتعليم.

جاء في “نهاية الأرب” للنويري، أن الخليفة المأمون كان يقول: “لولا ما سبق على ألسنة الناس واشتهر به عندهم من الغناء، لوليته القضاء بحضرتي، فإنه أولى به وأعف وأصدق، وأكثر دينا وأمانة من هؤلاء القضاة”.

من أشهر ما قيل عنه، قول الخليفة الواثق: “ما غنّاني إسحاق قط، إلا ظننتُ أنه زِيدَ لي في ملكي”.

الأندلس

سمت الموسيقى في الأندلس إلى الأوج، كباقي الفنون الجميلة آنذاك. هناك، ابتُدِعت الموشحات التي انتقلت إلى المغرب، ثم إلى مصر فالشام فالعراق وباقي بلدان العرب…

وقد برع زرياب في الغناء بقرطبة، واشتهر فيها حتى نسي الناس بالأندلس من سبقه إلى الموسيقى.

كانت إشبيلية أعظم مركز موسيقي هناك.

قال ابن خلدون فيما يورده كامل حجاج: “حينما كان يموت عالم في إشبيلية ويراد أن تباع كتبه بثمن عظيم ترسل إلى قرطبة، وإن مات موسيقي في عاصمة الأندلس، كانوا يرسلون آلته الموسيقية ومخطوطاته إلى إشبيلية التي نمت فيها الموسيقى…”.

زرياب واحد من أشهر الأسماء الموسيقية في التاريخ العربي. كان عبدا لإبراهيم الموصلي وكان مطبوعا على الغناء، فعلمه، وربما كان يحضر به في مجلس هارون الرشيد ليغني فيه.

ذات يوم، حدث أن طرد، فهاجر بحرا إلى الأندلس، ولما عرفه الناس هناك، افتتنوا به واحتفلوا به أينما حل…

يعتبر زرياب مخترع الموشح، كما أدخل تحسينات كثيرة على فن الغناء والموسيقى. جعل أوتار العود خمسة بدل أربعة، مثلا، ومضرابه من ريش النسر عوض الخشب.

فيما قبل، كان المغنون العرب يكررون اللحن لتلاميذهم حتى يحفظوه، ولما جاء زرياب، جاء بطريقة جديدة للتعليم شكلت ثورة آنذاك.

كان يقسم التعليم إلى ثلاثة: الإيقاع أولا، ثم اللحن، والقسم الثالث لترجيع الصوت، وحلية الغناء، وإظهار العواطف.

مصر

ابتدأت الموسيقى ترتقي في عهد محمد علي باشا، واشتهر بها في عصره محمد أفندي المقدم، أستاذ عبده الحامولي وساكنة المغنية

ومن مآثر ابنه إسماعيل باشا على الموسيقى، يذكر كامل حجاج، أنه أحضر من الآستانة جوقا تركيا تلقى عنه فنانو مصر آنذاك…

الخليفة المأمون كان يقول عن إسحق الموصلي: “لولا ما سبق على ألسنة الناس واشتهر به عندهم من الغناء، لوليته القضاء بحضرتي، فإنه أولى به وأعف وأصدق، وأكثر دينا وأمانة من هؤلاء القضاة”.

آنذاك، كانت الموسيقى الشرقية قد اقتعدت في تركيا مقاما رفيعا…

هناك ظهر رؤوف بك يكتا، رئيس ديوان الباب العالي، الذي ألف رسالة الموسيقى التركية بدائرة معارف لافنياك (الموسوعة الموسيقية الفرنسية)، حيث لم يترك كبيرة ولا صغيرة في الموسيقى إلا وكتب عنها.

بالموازاة في مصر، ظهر رجل يدعى عبده أفندي الحامولي؛ يعد اليوم زعيم النهضة الموسيقية العصرية. وبعده جاء محمد أفندي عثماني، الذي يعد الزعيم الثاني للنهضة تلك.

بعدهما ظهر رجل يدعى محمد أفندي كامل الخلعي. يصفه كامل حجاج بـ”أعظم حجة في علم الموسيقى”، ويقول إنه كفاه فخرا أنه وضع وهو شاب صغير كتاب “نيل الأماني في ضروب الأغاني”.

هذا الرجل لحن أزيد من أربعمائة موشح… ثم اشتغل بعدها في الموسيقى المسرحية وطورها. لحن أكثر من 25 أوبرا وأوبيريت (مسرحيات غنائية). من أهم مؤلفاته “كتاب الموسيقى الشرقي”، وهو أوفى كتاب ظهر في علم الموسيقى بمصر.

ثم نهاية الـ19م، وبدايات القرن الـ20، ظهر شاب بهر الناس بألحانه، حد أنه وصف بـ”مجدد الموسيقى العربية”.

هذا الشاب يدعى سيد درويش.

يحكى أنه كان ليكون ذا شأن أعظم في الموسيقى العربية… لولا أنه مات وعمره 31 عاما. قيل إنه قُتل بتسمم مدبر من بريطانيا أو الملك فؤاد بسبب أغانيه، التي كانت تحث الشعب على الثورة.

 

لقراءة الجزء الأول: تاريخ الموسيقى العربية… البدايات: من إلقاء الشعر إلى غنائه 1/3

لقراءة الجزء الثاني: تاريخ الموسيقى العربية: على دين ملوكهم… من المنع إلى الانتشار 2/3

 

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *