×
×

أحمد خالد توفيق… كاتب “الرعب” الذي حبب جيلا كاملا في القراءة

”باستثناء لاعبي كرة القدم والمطربين ونجوم السينما، لا يعرف المصريون – غالبا – قيمة الموهوبين منهم إلا بعد رحيلهم عن الدنيا… بالأمس فقدنا كاتبا كبيرا ومثقفا موسوعيا وإنسانا عظيما نبيلا”، بهذه الكلمات، نعى الأديب المصري علاء الأسواني الراحل، بعدما تحولت مواقع التواصل الاجتماعي في مصر إلى مأتم جماعي، كان سببا أيضا في اكتشاف قراء من دول أخرى للكاتب.

هو أحمد خالد توفيق، أو ”العراب” كما يحلو لقرائه تسميته.

عانق الكاتب المصري الحياة لأول مرة في العاشر من يونيو سنة 1962.

لأنه هوى الفرادة منذ شبابه، اختار الدكتور تخصص ”طب المناطق الحارة” النادر، وناشد ملاذ الأدب للتخلص من مخاوفه، فالروائي اعترف أنه كان طفلا هلوعا… لم يجد خلاصا من ”الفوبيا” التي كانت تلازمه سوى بالكتابة عنها.

واصل العراب السير في درب الاستثناءات، فصار أول كاتب باللغة العربية يتخصص في أدب الرعب.

” أما أنا، فأريد أن يُكتب على قبري ”جعل الشباب يقرؤون””. هكذا كانت أمنية الكاتب الراحل، فزينت العبارة قبره وظل رنينها خالدا.

رغم الأثر الطيب الذي تركه في نفوس أغلب قرائه، لم يسلم الدكتور من انتقادات لاذعة بسبب توجهاته السياسية (مثل اعترافه أنه سيبقى دائما ”ناصريا”)، أو بسبب أسلوب كتابته البسيط الذي يخلو، أحيانا، من أي اشتغال على اللغة.

رجل ”ماوراء الطبيعة”

اشتهر أحمد خالد توفيق بكتابة سلاسل الرعب والخيال العلمي، من بينها ”سفاري” و”فانتازيا”. لكن، يبقى أشهرها على الإطلاق هي سلسلة ”ماوراء الطبيعة” المتشكلة من ثمانين روايةٍ، والتي كتبها ما بين سنة 1993 و2014.

بطل هذه السلسة هو ”رفعت إسماعيل”، طبيب مصري متقاعد، عجوز واهن يفتقر لكل صفات البطولة، يروي قصصا خارقة عن مصاصي الدماء والشياطين والأساطير، كما تصله رسائل عن الخوارق في أصقاع مختلفة من العالم.

كان الكاتب يرمي إلى أن ينغمس قارئه في عالم من الإثارة والتشويق والرعب، وينتهي به الأمر إلى التحرر من كل مخاوفه وتبخيسها. يَعتبر محبو الكاتب السلسلة كـ”الطّعم”، الذي حبب في قلوبهم القراءة، وجعلهم يبحرون في مطالعة حقول معرفية أخرى.

استهوت القراء قصة الحب بين بطل السلسلة و”ماجي ماكيلوب”، خبيرة فيزياء اسكتلندية، حيث كان غراما زاهدا، ناشد فيه العشيقان مسافة وهمية للأمان، حتى لا يضيع كبرياء الحب بسبب مساوئ شخصيتيهما ويظل أبديا.

عند عرض السلسة المستوحاة من ”ما وراء الطبيعة”، على منصة ”نيتفلكس”، في الخامس من نونبر 2020، كان عشاق الكاتب يتوقون لرمزية الحوار… المخلد لقصة الحب الفريدة هاته:

  • ستظل تحبني للأبد؟
  • نعم، حتى تحترق النجوم وتفنى العوالم… وحتى تتصادم الكواكب، وتذبل الشموس، وحتى ينطفئ القمر، وتجف البِحار والأنهار…

مبدع “يوتوبيا”

بعدما أرهقه التزامه الرمزي نحو قرائه -خصوصا الشباب منهم- والعملي نحو دور النشر، ابتعد العراب عن كتابة السلاسل، واختبر إمكاناته الإبداعية في الرواية، فحققت روايته ”يوتوبيا” نجاحا باهرا، وترجمت للعديد من اللغات.

رغم اسم الرواية، فقد كانت زواجا شائقا بين ”الديستوبيا” و ”اليوتوبيا”.

تروي الرواية الصادرة سنة 2008، أحداثا في سنة 2023، تنقسم فيها المدينة إلى نصفين، ”شبرا” التي تجسد المدينة الفاسدة حيث استفحل البؤس والقذارة، و”يوتوبيا” المدينة الفاضلة المثالية المحروسة من ”المارينز” والتي تملك مطارا داخليا.

يشعر علاء، بطل الرواية، بالضجر من حياة الترف الملول في ”يوتوبيا”، فيقرر أن يصطاد أحد الأغيار (سكان شبرا) رفقة صديقته جيرمنال، فصيدُ البشر لم يبدُ له بشاعة، بفعل قراءته لقصص صيد قبائل البوشمن. اختيارهُ لأخت أحد البلطجية كضحية له، سيحول هذه الرحلة إلى جحيم.

سيحتمي علاء عند ”جابر”. عندما سيعينه هذا الأخير على الرجوع لجنة ”يوتوبيا”، سيقدِمُ على قتله. يشيع الخبر في شبرا، فتتقد فكرة الثورة في نفوسهم، ويقدمون على غزو المدينة المثالية.

”ما جدوى أن يتزوّج الشّقاء من التّعاسة؟ الهباب من الطّين؟ ما الجديد الّذي سنقدّمه للعالم سوى المزيد من البؤس؟”. لقد استعان الكاتب بالسخرية، وأحيانا باللغة العامية وبأشعار الأبنودي الثائرة، لتقديم نقد لاذع لتفاقم الفوارق الاجتماعية وتردي الأوضاع السوسيواقتصادية في مصر.

أصدر الكاتب المصري، بعد هذا العمل، العديد من الروايات من بينها ”شآبيب”، و ”في ممر فئران”، و”مثل إيكاروس” التي فازت بجائزة أحسن عمل روائي بمعرض الشارقة الدولي للكتاب سنة 2013.

عراب الشباب المصري

”نحن وكل جيلي سلبنا الشباب أحلامه، واحتللنا المناصب التي يمكن أن يطمح إليها، وحرمناه أبسط الحقوق التي يمارسها أي قط في زقاق: الملجأ والزواج، وأعطيناه سفينة غارقة نخرة امتلأت بالثقوب …وقلنا له إن عليه أن يتولى الإبحار بها بعدنا”.

تختزل هذه الكلمات للكاتب المصري عطفه على الشباب، فهو لم ينشد مكانة بين كبار الأدباء في بلده، بل اختار الشباب كفئة يستهدفها، فكتب لها بلغة بسيطة، وبحث برقي عن تواطؤ جميل مع قرائه، يحبب في نفوس اليافعين فضيلة القراءة.

من أرض الكنانة، يبوح لنا شباب مصري عن علاقتهم بالكاتب الراحل وتقييمهم لأعماله.

محمود كامل النقيب، شاب مصري، تعلق بكتابات أحمد خالد توفيق، نفى أن تكون سمعة الكاتب صورة حالمة، بل أكد أنه فعلا أثّر فيه وفي جيل بأكمله.

ويضيف محمود، في تصريح لـ”مرايانا”: ”قرأت كتب الراحل وخصوصا معظم مقالاته، وهي أكثر ما أثر في. لأنني وجدت شخصا يشبهني؛ يعبر عما أعجز عن التعبير عنه بأيسر الألفاظ وأوضح بيان، دون أي تكلف أو اصطناع؛ وهو ما آخذه عليه كثيرون. لكنه لم يعبأ، لأنه يكتب لنا… نحن من الجيل الذي عفّ التكلف المبالغ فيه”.

في المقابل، يرى كريم الراوي، أحد القراء والمتابعين لأعمال الكاتب، أنه، رغم حبه الكبير وتقديره لأحمد خالد توفيق، إلا أنه لا يراه كاتبا كبيرا، وأن أعماله كانت تحت المتوسط.

ويستطرد كريم، في تصريح لـ”مرايانا”: “أقدر خُلق الكاتب ومجهوده في نشر ثقافة القراءة. لكن ”سلسلة ما وراء الطبيعة” موجهة للمراهقين والقراء المبتدئين، فأحمد خالد توفيق هو بوابة للقراءة في انتظار اكتشاف كتاب أكبر. أما وصف الراحل بـ”العراب” فهي مبالغة كبيرة…لو بدأ الكاتب ب”يوتوبيا”، كنا سنرى نضجا أكبر”.

رحيل بهيبة الكبار…

ترجل أحمد خالد توفيق عن صهوة الحياة في الثاني من أبريل سنة 2018، بسبب رجفان بطيني مفاجئ، عن عمر ناهز 55 عاما.

”باستثناء لاعبي كرة القدم والمطربين ونجوم السينما، لا يعرف المصريون – غالبا – قيمة الموهوبين منهم إلا بعد رحيلهم عن الدنيا… بالأمس فقدنا كاتبا كبيرا ومثقفا موسوعيا وإنسانا عظيما نبيلا”، بهذه الكلمات، نعى الأديب المصري علاء الأسواني الراحل، بعدما تحولت مواقع التواصل الاجتماعي في مصر إلى مأتم جماعي، كان سببا أيضا في اكتشاف قراء من دول أخرى للكاتب.

“وداعا أيها الغريب… عسى أن تجد جنتك التي فتشت عنها كثيرا… كانت زيارتك رقصة من رقصات الظل، قطرة من قطرات الندى قبل شروق الشمس، لحنا سمعناه لثوان من الدغل ثم هززنا رؤوسنا وقلنا إننا توهمناه، وداعا أيها الغريب… لكن كل شيء ينتهي”.
هل العراب أول من يهدي نفسه مرثية قبل الوداع؟
ليس عسيرا على كاتب حقق النجومية في مجتمعات لا تقرأ عادة، أن يفعل ذلك. هكذا اعتقد محبوه، فظلوا يرددون هذه الكلمات عند وداعه… وللأبد.

مراجع:

1-يوتوبيا، أحمد خالد توفيق، دار الشروق.
2- أسطورة شبه مخيفة، سلسلة ما وراء الطبيعة، أحمد خالد توفيق، المؤسسة العربية الحديثة.
3-دماغي كدة، أحمد خالد توفيق، أدبيات نبع اﻵداب والثقافة المعاصرة.

اقرأ أيضا:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *