سبتة… ملتقى الضفتين وحكاية حاضرة أزهر فيها التنوع الفكري - Marayana
×
×

سبتة… ملتقى الضفتين وحكاية حاضرة أزهر فيها التنوع الفكري

لم تكن مدينة سبتة عبر تاريخها العريق مجرد ثغر بحري محصن أو معبر تجاري استراتيجي بين العدوتين، بل كانت في أغلب مراحلها مدينة للإشعاع الثقافي ومرآة صافية لروح الغرب الإسلامي.
هناك تناسلت الأسئلة العميقة حول الدين والفلسفة في فضاء رحب من سعة الأفق والتسامح الفكري الخلاق. وكانت وفق ذلك شاهدة على عصر كانت فيه المعرفة هي البوصلة، والتعدد هو اللغة السامية لتدبير التعدد الإنساني.

على بُعد كيلومترات قليلة من الضفة الأوروبية، تقف مدينة سبتة على مساحة لا تتجاوز عشرين كيلومترا مربعا، لكنها تحمل من التاريخ أكثر مما تتسع له خريطتها.

توالت عليها الحضارات المتعاقبة إلى أن سقطت سنة 1688 في يد الإسبان بعد معاهدة لشبونة.

لا تزال المدينة اليوم بين كفي عفريت. في صيف 2026، حيث عادت المدينة إلى واجهة الأخبار، حين عبرها الآلاف في أيام قليلة وانتشر الجيش في شوارعها، فبدا أن الأسئلة القديمة لم تُغلق بعد.

مصير سبتة تاريخيا يرتبط بموقعها الجغرافي الاستراتيجي، فهي تقع على الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق، حيث لا يفصل بين إفريقيا وأوروبا إلا نحو 14 كيلومترا.

هذا الموقع جعل من مساحتها الصغيرة، تتحول عبر العصور إلى محطة تتعاقب عليها قوى بحرية ودول وإمارات.

في التاريخ الإسلامي كانت “بابا للجهاد“، وبالأهمية نفسها طمعت فيها القوى الإيبيرية في القرن الخامس عشر.

ما قبل الحكم الإسلامي

بدأ ظهور الدول في مدينة سبتة مع الفينيقيين الذين احتلوا المدينة خلال القرن السابع قبل الميلاد، وأطلقوا عليها اسم “Abyla“، وهو الاسم القديم لجبل موسى القريب. وتذكر المصادر أنها بعد ذلك أضحت إغريقية ثم قرطاجية قبل أن تصير رومانية، وظلت فيها الثقافة القرطاجية أو البونية سائدة بشكل كبير، حتى إن أغلب سكانها الأمازيغ ظلوا يتكلمون البونية ويكتبون بها إلى عهد أغسطس.

سميت عند الرومان “سبتم فراتريس” أي “الإخوة السبعة”، نسبة إلى التلال السبعة المحيطة بها، ثم اختصر الاسم إلى سبتم ثم سبتة.

في العهد الروماني، صارت المدينة ميناء عسكريا وتجاريا من الدرجة الأولى بين موريطانيا الطنجية وإسبانيا الرومانية، وبعد نحو أربعة قرون من الحكم الروماني سقطت المدينة في يد الواندال سنة 426 م، ثم صارت، حوالي 533، أقصى موقع غربي للإمبراطورية البيزنطية بعد حملة بليساريوس، وجعلها هؤلاء عاصمة إقليمية بدل طنجة.

ظلت هكذا إلى أن انحسر الحكم البيزنطي، قبل أن تضطر حاميتها لمبايعة مملكة القوط في إسبانيا.

في فترة الحكم الإسلامي

حسب الباحث في التاريخ امحمد جبران، في كتابه “مذكرات في الفكر والتاريخ”، فإن مدينة سبتة من المدن التي لم تفتح عنوة، ولم يكن ممكنا فتح الأندلس لولا مساعدة حاكمها أوليان، الذي تذكره الروايات بيليان الغماري حاكم بلاد طنجة، دون أن يسجل التاريخ أي صدامات مع الكاثوليك في هذه المدينة.

دخلت سبتة إلى حضن المسلمين خلال ولاية موسى بن نصير على المغرب، بعدما تمكن من إخضاع أغلب المناطق المغربية خاصة في المغرب الأوسط، ثم ولاية طنجة، ولم يبق لهُ سوى مدينة سبتة التي دخل إليها بعد صلح بينه وبين القائد يوليان سنة 709م.

تعاقبت على سبتة بعد الفتح سلطات كثيرة. فحوالي منتصف القرن التاسع الميلادي، أعاد زعيم قبيلة مجكسة الأمازيغية (وهو الأمير ماجكس الغماري، وينطق أيضا مجاكس) تعمير مدينة سبتة بعد خرابها في ثورة ميسرة المطغري (ثورة الخوارج أو ثورة الأمازيغ ضد الولاة الأمويين)، وأسس سلالة بني عصام التي حكمتها إلى سنة 931، وكان آخر أمرائها يدين بالولاء للأدارسة ثم سلّم المدينة للأمويين حين سقطت عاصمة الأدارسة.

دخلت سبتة تحت سلطة الأدارسة إلى سنة 788، قبل أن يأخذها خليفة قرطبة عبد الرحمن الثالث سنة 931. وبعد تفكك الخلافة ضُمت سبتة منذ 1026 إلى طائفة مالقة الحمودية، وحكمتها من 1036 قبيلة برغواطة نيابة عن الحموديين، ثم استقلت عنهم قبل 1061 بقيادة سقوط البرغواطي، إلى أن استولى عليها المرابطون بين 1078 و1079.

بعد المرابطين، جاء الموحدون، وقد عدّ ابن خلدون سبتة وطنجة من أعظم عمالاتهم لأنهما كانتا ثغر العدوة ودار إنشاء الأساطيل ومعبر الجهاد. ومع ضعف الموحدين، دخلت المدينة مرحلة استقلال، ففي سنة 640هـ ثارت قوة حفصية بقيادة أبي زكرياء الحفصي وأبي القاسم العزفي على الوالي الموحدي، مع بقاء ولاء شكلي للموحدين.

وفي 1256-1257، صار أبو القاسم العزفي حاكم المدينة بعد طرده والي الخليفة الموحدي، وبقي بنو العزفي حكامها الفعليين مع اعترافهم لاحقا بسيادة المرينيين، ثم ثاروا على المرينيين سنة 1304، فاستولى أسطول غرناطة النصرية على المدينة في ماي 1306 وأعادها إلى المرينيين سنة 1309، وعاد العزفيون سنة 1311… إلى أن دخلها المرينيون سنة 1327 أو 1328 بدعوة من أهلها وأنهوا استقلالها.

في 1415 احتلت البرتغال سبتة المرينية، ولما صار التاج البرتغالي تحت أسرة هابسبورغ سنة 1580 أصبحت المدينة، بحكم الأمر الواقع، خاضعة للحكم الإسباني، قبل أن تتنازل عنها البرتغال لإسبانيا في معاهدة لشبونة سنة 1668.

مدينة العلم والحضارة

بلغت سبتة في العصر الإسلامي مكانة علمية بارزة جعلتها، حسب الباحث محمد الشريف، من أبرز حواضر الغرب الإسلامي ومن المراكز العلمية المشعة في تاريخ الثقافة الإسلامية.

مدينة أنجبت أعلاما منهم القاضي عياض والشريف الإدريسي وأبو العباس أحمد العزفي وابن رشيد السبتي…

سبتة، حسب الباحث محمد عبد الوهاب رفيقي، ارتبط تاريخها بالعلم، وامتد هذا الدور لقرون من العصر الوسيط، فاقترن اسمها بالعلم والفقه، واتصلت حياتها الثقافية والدينية بكبريات مراكز العلم في المغرب والأندلس والمشرق. وظلت مقترنة بالحياة العلمية في المغرب إلى أن احتلها البرتغاليون سنة 818هـ.

لما وصفها لسان الدين بن الخطيب، صور هيبتها العلمية وثقلها المعرفي قائلا: “قلت: فمدينة سبتة؟ قال: تلك عروس المجلى، وثنية الصباح الأجلى، تبرجت تبرج العقلية، ونظرت وجهها من البحر في المرآة الصقلية، واختص ميزان حسناتها بالأعمال الثقيلة… وهي خزانة كتب العلوم والآثار، المنبئة عن أصالة الحلوم… ولا يفضلون على مدينتهم مدينة، الشك عندي في مكة والمدينة”.

لم تكن سبتة مجرد تغر بحري وتجاري استراتيجي فحسب، بل كانت حاضرة كبرى للعلوم العقلية والنقلية، ومحطة رئيسية تلتقي فيها رياح المعرفة بين المغرب والأندلس.

إلى جانب ذلك، ظلت المدينة في ظل الحكم الإسلامي بيئة منفتحة وحاضنة لحوار الأفكار وتلاقح العلوم، حيث التقى المسلمون والمسيحيون واليهود… في فضاء معرفي واحد. ورغم أن بعض مراحلها شابها تضييق سياسي وتعصب فقهي، إلا أن السمة الغالبة والجوهرية التي ظلت هي سعة الأفق، والاعتراف بالآخر، والتعايش الخلاق الذي جعل من هذه الحواضر منارات إشعاع حضاري عالمي ينهل منه الشرق والغرب على حد سواء.

إشعاع ثقافي سيُمحى بمجرد دخول البرتغاليين، حيث تعرضت خلالها المنازل والمتاجر للنهب والسرقة، وحرقت الكتب والمخازن، وقتل عدد كبير من سكانها، ولم يكن لبعضهم من حل سوى النزوح إلى حواضر أخرى.

احتلال كان طبعهُ عقائديا بالأساس، فقد تحول مسجدها الجامع مباشرة بعد دخول البرتغاليين إلى كنيسة “كاتدرائية سبتة”، لتكون تلك الحملة أشبه بحملة صليبية ضد المسلمين.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *