لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة… حكاية حديث آحاد مسلط على الكفاءات النسائية
مواطنة مغربية تدعى فاطمة الزهراء المنصوري وصلت إلى رئاسة الحكومة كأول امرأة مغربية تعتلي هذا المنصب. لكن… وبدل الوقوف عند رمزية هذا الحدث، خرج علينا كثيرون ينتقدون القرار ويلوون عنق الواقع والسياقات، مستندين في ذلك إلى حديث: “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة”.
لم يكن الهدف سوى إعاقة وصول امرأة إلى منصب رئاسة الحكومة، وإهدار لمنطق الكفاءة والمواطنة.
لم ينشغل السجال القائم بتقييم الرصيد السياسي للمنصوري، ولا بفحص كفاءتها الإدارية والتنظيمية في قيادة الجهاز التنفيذي، بل سارع خصوم “الولاية المؤنثة” إلى استدعاء المقولة الأزلية ذاتها، وكأن التاريخ السياسي يتوقف دائماً عند نقطة بعينها كلما أقدمت امرأة على كسر السقف الزجاجي للقيادة.
قبل أن تُعين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، وفي اللحظات التي كان يُتداول اسمُها على أنها قد تكون على رأس الحكومة، وحتى بعد أن عُينت رسميا، خرج كثيرون ينتقدون القرار من مُنطلق ديني، مستندين في ذلك إلى حديث، لطالما وظف في كل سياق كانت فيه امرأة على رأس منصب سياسي: “لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة”.
في هذا المقال، لن نبحث في أنظمة ولوا أمرهم امرأة، وكانت تجربة الحكم ناجحة بكل المقاييس. بل سنتتبع خيوط الحديث نفسه، لنفكك سياقه التاريخي، ونفحص أسانيده ومتونه، ونقف على مدى ملاءمة استدعائه لمناقشة الولاية العامة وإدارة الشأن العام في نظام الدولة الحديثة.
هل الحديث حكم شرعي عام؟
حول سياق الحديث، جاء في صحيح البخاري عن أبي بكرة نفيع بن الحارث: “لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله أيام الجمل، بعدما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم، قال: لما بلغ رسول الله أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى، قال: لن يُفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة”.
يستدل الرافضون لولاية المرأة بهذا الحديث، معتبرين أن الحديث، وإن جاء في واقعة خاصة، فالأصح أن يشملهُ طابع التعميم، وبذلك يتعدى الحديث الواقعة التاريخية ليشمل كل ولاية عامة تتولى فيها المرأة مقاليد الحكم أو الإدارة العليا في أي زمان أو مكان.
في المقابل، يرى آخرون أن الحديث لم يأت كتشريع عام، بل جاء متعلقا بخبر محدد، إضافة إلى أن صيغة “لن يفلح” نفي يدل على المستقبل، على إخبار بمآل، وليس على نهي صريح وقطعي وعام.
لدى الأصوليين قاعدة تقول: “وقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط بها الاستدلال”. بذلك، فإن كلمة “قوم” هنا تشير إلى الفرس بنظامهم الكسروي المرتبط بالحكم الفردي المطلق، إضافة إلى أن الدولة حينها كانت تعيش حالة من الفوضى والانهيار والصراع، وبذلك كل التوقعات تشير إلى حتمية سقوط هذا النظام في ظل حكم بوران بنت كسرى.
في نفس السياق دائما، يطرح الشيخ محمد الغزالي نفس الفكرة، مشيرا في كتابه “قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة”، إلى أن الحديث إخبار عن الفرس لحظة انهيار دولتهم وحكمهم الفردي، وليست قاعدة تمنعُ عن المرأة كل ولاية.
من جانب آخر، إذا كان الحديث قد رفض تولية المرأة لشؤون الحكم، فكيف ذهب القرآن في قصة ملكة سبأ إلى الثناء عليها، بوصفها حاكمة أدارت بلدها بحكم ورشد سياسي؟ إضافة إلى أن القرآن لم يذكر ملكة سبأ بذم أو تنقيص أو حط منها.
الفكرة أن الولاية ليست مرتبطة بالجنس بل بالكفاءة.
عن الرواي
الحديث يعود إلى راو واحد “أبو بكرة نفيع بن الحارث الثقفي”.
الإشارة الأولى أن سياق الحديث جاء أيام الجمل؛ أي بعد حوالي 25 سنة من قصة ابنة كسرى، ألا يمكن القول إنه في لحظة سياسية حرجة، احتاج أبو بكرة لموقف يبرر به عدم القتال مع عائشة في معركة الجمل، وبذلك برر موقفه ذاك بهذا الحديث؟
الإشارة الثانية في سياق تفكيك أسانيد الحديث، أشارت فاطمة المرنيسي إلى إحدى أكثر النقاط حرجا في ميزان “الجرح والتعديل”.
الواقعة تقول إن أبا بكرة، مع ثلاثة آخرين، شهدوا على المغيرة بن شبعة بالزنا، غير أن الثلاثة تراجعوا عن أقوالهم في حين تمسك أبو بكرة بذلك، فلم يكن من عمر بن الخطاب إلا جلد أبا بكرة بحد القذف.
هنا تتساءل المرنيسي: كيف يُمكن لبناء فقهي وسياسي حاسم يُقصي المرأة من ولاية الشأن العام أن يُشيَّد على رواية آحاد تطال أهليتها النقدية والقانونية ظلالُ تجريحٍ قديم؟
هل لا يزال النقاش صالحا؟
العودة المتكررة لهذا النقاش لافتراض “عدم أهلية المرأة للقيادة السياسية” مع كل استحقاق، تجعلنا أمام مفارقة صارخة بين واقع تغيرت فيه كل الملامح، وبنية فكرية لا زالت تستدعي هذه المقولات.
في ظل التحولات التي شهدها العصر الحديث، خاصة الانتقال من مفهوم سلطة الحاكم الفرد إلى دولة المؤسسات والعمل الشفاف القائم على البرامج والنجاعة، يبدو أن الاستمرار في هذا النقاش ما هو إلا اجترار لنقاشات تاريخية تجاوزها الواقع السياسي والعملي.
النقاش الآن حول تدبير إداري ومؤسساتي، وكل نقاش حول “الولاية”، إهدار لمنطق الكفاءة والمواطنة الكاملة.
لنحاسب المنصوري وغيرها حول البرنامج والوعود الانتخابية وفقط.

