ربع قرن في إصلاح التعليم… إصلاح أم تفكيك بطيء للمدرسة العمومية - Marayana
×
×

ربع قرن في إصلاح التعليم… إصلاح أم تفكيك بطيء للمدرسة العمومية

بعد ربع قرن في إصلاح التعليم، لا تبدو المشكلة في ندرة الإصلاحات بل في غياب التحول البنيوي الذي يجعل المدرسة العمومية مركز السياسة الاجتماعية للدولة. وإذا استمر التعليم الخاص في التوسع بينما بقيت المدرسة العمومية تحمل العبء الأكبر من التفاوت الاجتماعي والهدر والفقر وضعف الموارد فإن السؤال لن يعود فقط لماذا فشلت الإصلاحات بل لمن تخدم الطريقة التي يجري بها الإصلاح؟ وهنا ربما تكمن المفارقة الأكثر استفزازا: لقد تغيرت أسماء الإصلاحات منذ 1999 أكثر مما تغيرت الشروط العميقة التي تنتج أزمة المدرسة.
فهل نحن أمام إصلاح حقيقي للتعليم أم أمام إدارة طويلة الأمد لأزمة المدرسة العمومية تمهد تدريجيا لترك جزء أكبر من التعليم لمن يستطيع دفع ثمنه؟

بلال حلبوز
بلال حلبوز

لم يبدأ مسلسل إصلاح التعليم المغربي سنة 1999 من فراغ. فقد كان المغرب آنذاك يعيش تحولات اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة وكان العالم يدخل مرحلة جديدة عنوانها العولمة واقتصاد المعرفة والمنافسة الدولية والرأسمال البشري. داخليا كانت المدرسة تعاني من الأمية وضعف التمدرس خاصة في العالم القروي وبين الفتيات وارتفاع الهدر المدرسي وضعف التعليم الثانوي واختلالات التكوين وعلاقة التعليم بسوق الشغل. وخارجيا كان المغرب يعيش ضغطا متزايدا للاندماج في الاقتصاد العالمي وتحسين تنافسية اقتصاده والاستجابة لمعايير المؤسسات المالية الدولية والجهات المانحة التي أصبحت تنظر إلى التعليم باعتباره استثمارا في الرأسمال البشري وأداة لرفع الإنتاجية والأرباح.

وفي هذا السياق جاء الميثاق الوطني للتربية والتكوين سنة 1999 باعتباره مشروعا لإعادة بناء المنظومة وتعميم التعليم وتحسين الجودة وربط المدرسة بالتنمية. غير أن قراءة الميثاق من منظور نقدي تطرح منذ البداية سؤالا حول طبيعة الإصلاح نفسه: هل كان الهدف بناء مدرسة عمومية قوية باعتبارها حقا اجتماعيا أم إعادة هيكلة التعليم ليصبح أكثر نجاعة وأقل كلفة وأكثر ارتباطا بحاجات الاقتصاد؟ وهو سؤال سيعود بأشكال مختلفة مع كل إصلاح لاحق.

بعد سنوات من تنزيل الميثاق بدأت الاختلالات تظهر بوضوح. ارتفع الولوج إلى المدرسة لكن الجودة ظلت متعثرة واستمر الهدر وضعف التعلمات والتفاوت بين المجالين الحضري والقروي وبين الفئات الاجتماعية. لذلك جاء البرنامج الاستعجالي 2009-2012 باعتباره محاولة لتدارك تأخر تنزيل الميثاق وتسريع الإصلاح. كان السياق الداخلي يتمثل في الاعتراف بأن الإصلاح السابق لم يحقق أهدافه بالسرعة المطلوبة بينما كان السياق الخارجي مرتبطا باستمرار برامج الدعم والتمويل والمواكبة الدولية لإصلاح المنظومة. والأهم أن لغة الإصلاح بدأت تتحول أكثر نحو الحكامة والنجاعة والنتائج والتدبير بالأهداف. ومن منظور مختلف يمكن قراءة ذلك باعتباره انتقالا تدريجيا من سؤال المدرسة باعتبارها خدمة عمومية إلى سؤال المدرسة باعتبارها مؤسسة ينبغي أن تكون أكثر نجاعة وأقل هدرا للموارد. وقد كان من المفترض أن يكون البرنامج الاستعجالي محطة لتصحيح مسار الميثاق لكنه انتهى ليصبح بدوره دليلا على أن الدولة لم تكن قد حسمت سؤال المدرسة العمومية ولا شروط إصلاحها الجذري، بعد النهاية المأساوية لهذا البرنامج واعتقال العديد من المسؤولين على وقع ملفات الاختلاس والفساد المرتبط بهذا البرنامج.

بعدها، جاء سياق 2011 بشكل مختلف، فقد عرف المغرب حراك 20 فبراير وتعديلات دستورية واسعة وأصبح النقاش حول العدالة الاجتماعية والحقوق والخدمات العمومية أكثر حضورا. وفي الوقت نفسه كان واضحا أن توسيع الولوج إلى التعليم لم يكن كافيا وأن أزمة الجودة والتعلمات أصبحت في قلب الأزمة. لذلك جاءت الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 التي اعتمدها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في فاتح ماي 2015 تحت عنوان مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء. كانت الرؤية أكثر شمولية من البرامج السابقة ووضعت الإنصاف وتكافؤ الفرص والجودة في صلب الإصلاح. لكن قراءة هذا المشروع تطرح سؤالا آخر: إذا كانت الدولة تعترف بأن الإنصاف هو جوهر الإصلاح فلماذا استمرت الفوارق الاجتماعية والمجالية في تحديد فرص النجاح المدرسي؟ ولماذا بقيت المدرسة العمومية عاجزة عن توفير شروط متقاربة للتعلم بين أبناء الفئات والمناطق المختلفة؟ هنا تظهر المفارقة بين خطاب الإنصاف وبين بنية اقتصادية واجتماعية تنتج اللامساواة وتضع المدرسة أمام مهمة تعويضها دون توفير الشروط الكافية لذلك.

في سنة 2019 جاء القانون الإطار 51.17 ليحول الاختيارات الكبرى للإصلاح إلى إطار تشريعي طويل المدى. لكننا لا نحتاج إلى جعله محور المقال لأنه لم يكن مشروعا تربويا جديدا بقدر ما كان محاولة لتثبيت اختيارات الإصلاح وإعطائها أساسا قانونيا. ومن زاوية مختلفة يمكن القول إن المشكلة لم تكن دائما في غياب القوانين أو المرجعيات وإنما في العلاقة بين ما تلتزم به الدولة على الورق وما توفره فعليا داخل المدرسة. فالقانون يمكن أن يضمن الحق في التعليم لكن الحق لا يصبح فعليا بمجرد النص عليه إذا بقيت شروط المدرسة العمومية ضعيفة.

جاءت جائحة كورونا سنة 2020 لتكشف هشاشة أخرى. أغلقت المدارس وجرى اللجوء إلى التعليم عن بعد وأظهرت الأزمة أن امتلاك جهاز رقمي أو اتصال بالإنترنت أصبح جزءا من الحق في التعلم وأن الفوارق الاجتماعية والمجالية تتحول بسرعة إلى فوارق تعليمية. وفي مرحلة ما بعد الجائحة جاء النموذج التنموي الجديد سنة 2021 ليضع التعليم ضمن الرهانات الأساسية لبناء الرأسمال البشري وتقليص الفوارق ورفع الإنتاجية. ثم جاء البرنامج الحكومي 2021-2026 ليحول هذه الأولويات إلى التزامات حكومية جديدة. وهنا يمكن ملاحظة استمرار نفس المنطق: التعليم مطلوب منه أن يرفع جودة الرأسمال البشري وأن يحسن قابلية الشباب للاندماج الاقتصادي وأن يساهم في النمو والتنمية. لكن المنطق يسأل سؤالا مختلفا: هل وظيفة المدرسة العمومية هي فقط إنتاج رأسمال بشري أكثر ملاءمة للسوق أم أنها أيضا مؤسسة لإنتاج المواطن وتحقيق المساواة الاجتماعية؟ فالفرق بين السؤالين ليس لغويا وإنما سياسي واجتماعي.

وفي 10 نونبر 2022 جاءت خارطة الطريق 2022-2026 باعتبارها محاولة للانتقال من الإصلاحات الكبرى إلى نتائج أكثر قابلية للقياس. ركزت على التلميذ والأستاذ والمؤسسة وحددت 12 التزاما وثلاثة أهداف استراتيجية. وكان السياق الداخلي واضحا: استمرار ضعف التعلمات والهدر المدرسي وتفاوت جودة المؤسسات. أما السياق الخارجي فكان يتسم بتزايد التركيز الدولي على قياس نتائج التعلم وعلى المحاسبة والنجاعة وتقييم أثر السياسات التعليمية. ولكن من منظور آخر يمكن توجيه النقد هنا إلى خطر تحويل الإصلاح إلى إدارة للمؤشرات والنتائج بدل معالجة الشروط الاجتماعية التي تنتج الفشل المدرسي. فالتلميذ الذي يدخل المدرسة محملا بالفقر والهشاشة وبعد المسافة وضعف التغذية أو غياب الدعم الأسري لا يمكن اختزال مشكلته في تقنيات التدريس وحدها.

ومن هذه الأرضية ظهرت مؤسسات الريادة خلال الموسم الدراسي 2023-2024 باعتبارها إحدى أهم آليات تنزيل خارطة الطريق. ثم بدأت عملية التوسعة ابتداء من الموسم الدراسي 2024-2025. وتقدم الوزارة والبنك الدولي المشروع باعتباره محاولة لتحسين التعلمات الأساس وتطوير الممارسات الصفية والتقييم والدعم وتحسين القيادة المدرسية. كما أعلن البنك الدولي دعمه للإصلاح من خلال برنامج بقيمة 750 مليون دولار. ويمكن النظر إلى التجربة باعتبارها محاولة جدية لمعالجة ضعف التعلمات لا ينبغي الحكم عليها مسبقا. لكن السؤال النقدي يبقى قائما: هل تستطيع تجربة تربوية مهما كانت نتائجها أن تعالج أزمة ترتبط أيضا بالفقر والتفاوتات المجالية والبنية التحتية والموارد البشرية؟ أم أن الدولة تحاول معالجة نتائج أزمة بنيوية بأدوات بيداغوجية محدودة؟

وهنا تصل الحكاية إلى لحظة يصعب تجاوزها بالأرقام والشعارات. نتائج PISA 2025 الصادرة في شتنبر 2026 أظهرت حصول المغرب على 358 نقطة في العلوم والمرتبة 82 من أصل 90 مشاركا و321 نقطة في القراءة والمرتبة 86 من أصل 89 و355 نقطة في الرياضيات. والأهم أن 77.2 في المئة من التلاميذ كانوا دون المستوى الثاني في العلوم و83.9 في المئة دون المستوى الثاني في الرياضيات و87.2 في المئة دون المستوى الثاني في القراءة. كما أظهرت البيانات أن 69 في المئة من التلاميذ يدرسون في مدارس يتسبب فيها نقص المواد التعليمية في عرقلة التدريس وأن 52 في المئة يتأثرون بنقص البنية التحتية وأن 76 في المئة يتأثرون بنقص أطر المساعدة. وبلغت نسبة من سبق لهم إعادة سنة دراسية 35.1 في المئة وهي من أعلى النسب بين المشاركين.

هذه الأرقام لا تثبت أن كل إصلاح كان فاشلا ولا تسمح بإلقاء المسؤولية على المدرس أو التلميذ. كما أن OECD تشير إلى أن المغرب وسع بشكل كبير قاعدة الولوج إلى التعليم وأدمج فئات كانت مهمشة وهو عامل يمكن أن يفسر جزءا من تراجع النتائج. لكن الأرقام تكشف في المقابل أن المشكلة لم تعد مشكلة مشروع واحد لم ينجح وإنما مشكلة تراكمية. فبعد الميثاق والبرنامج الاستعجالي والرؤية الاستراتيجية والنموذج التنموي والبرنامج الحكومي وخارطة الطريق ومؤسسات الريادة ما زالت المدرسة تواجه ضعفا شديدا في التعلمات ونقصا في الموارد وتفاوتا اجتماعيا ومجاليا كبيرا. بل إن برنامج PISA 2025  تظهر أن 54 في المئة من التلاميذ المغاربة المشاركين كانوا ضمن الربع الأدنى عالميا من حيث الوضع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وأن متوسطهم في العلوم بلغ 345 نقطة فقط.

ومن هنا تصبح القراءة الواقعية لمسار الإصلاح أكثر حدة. فالمشكلة ليست أن الدولة لم تفعل شيئا. لقد فعلت الكثير وأطلقت مشاريع كثيرة ووضعت قوانين واستراتيجيات وأنفقت موارد. لكن السؤال هو طبيعة هذا الفعل وحدوده. هل كانت الإصلاحات تستهدف فعلا إعادة بناء المدرسة العمومية أم كانت تستهدف جعلها أكثر نجاعة في ظل سقف مالي وسياسي محدد؟ هناك ما يدعم هذه القراءة في تاريخ السياسات التعليمية نفسها. فقد وثقت وثائق البنك الدولي في مرحلة سابقة من إصلاح التعليم المغربي أهدافا تضمنت جعل تقديم التعليم أكثر فعالية من حيث التكلفة واحتواء نمو الإنفاق العمومي على التعليم من خلال خفض كلفة الوحدة وتشجيع مشاركة القطاع الخاص. وهذه ليست وثيقة تثبت وجود سياسة سرية لتدمير التعليم العمومي لكنها تكشف أن فكرة التحكم في كلفة التعليم وتشجيع القطاع الخاص ليست اختراعا نقديا لاحقا وإنما كانت حاضرة في تصور إصلاحي موثق منذ عقود.

وتأتي المعطيات الأحدث لتجعل هذه القراءة أكثر إثارة للنقاش. فقد ارتفعت حصة المدارس الخاصة من مجموع المؤسسات التعليمية من 33 في المئة سنة 2010 إلى 44 في المئة سنة 2021 بحسب منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD التي تحدثت صراحة عن تحول النظام إلى نظام أكثر ازدواجية مع اكتساب التعليم الخاص حصة أكبر. والأكثر دلالة أن هذا التحول لا يقتصر على الأسر الغنية لأن OECD تشير إلى أن حتى الأسر ذات الدخل المنخفض تسعى إلى إرسال أبنائها إلى التعليم الخاص. وتسجل كذلك فارقا كبيرا لصالح المدارس الخاصة في استعدادها للتعلم الرقمي.

يمكن إذن قراءة هذا المسار باعتباره انتقالا تدريجيا من دولة يفترض أن تبني مدرسة عمومية قوية للجميع إلى دولة تدير منظومة تعليمية مزدوجة يتوسع فيها القطاع الخاص بينما تظل المدرسة العمومية مطالبة باستيعاب العدد الأكبر من أبناء المجتمع وتحمل كلفة الهدر والفقر والتفاوتات المجالية والاجتماعية. ولا يعني هذا أن الدولة أعلنت رسميا التخلي عن المدرسة العمومية أو أنها تتعمد تدميرها. لكن استمرار ضعف الاستثمار النوعي في شروط المدرسة العمومية بالتوازي مع اتساع سوق التعليم الخاص يسمح بطرح فرضية سياسية أكثر عمقا: ربما لم تكن المشكلة دائما في غياب القدرة على إصلاح المدرسة وإنما في حدود الاختيار السياسي والمالي للإصلاح وفي مقدار ما تريد الدولة أن تتحمله من كلفة تعليم عمومي عالي الجودة للجميع.

وهنا يصبح ربع قرن من الإصلاحات قابلا لقراءة مختلفة. فكل مشروع كان يحمل تشخيصا جديدا وأهدافا جديدة وأدوات جديدة لكنه كان يصل في النهاية إلى المدرسة نفسها التي تعاني من التفاوتات والهدر وضعف التعلمات ونقص التجهيزات والموارد. وكلما فشل إصلاح جاء إصلاح آخر لمعالجة اختلالات السابق دون أن يحدث القطع الضروري مع الشروط التي أنتجت تلك الاختلالات. وهكذا قد يصبح الإصلاح نفسه وسيلة لإدارة الأزمة بدل أن يكون أداة لتجاوزها.

المفارقة أن الدولة تبدو وفية لمسارها في شيء واحد على الأقل: الاستمرار في الإصلاح دون الوصول إلى القطيعة المطلوبة مع منطق تدبير المدرسة العمومية باعتبارها كلفة ينبغي التحكم فيها. وإذا كان التعليم حقا اجتماعيا وأداة للعدالة فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ من سؤال مختلف تماما: كم تحتاج المدرسة العمومية حتى تصبح قادرة على ضمان تعليم جيد للجميع وليس كم يمكن أن نوفر من النفقات مع الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمة؟ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين دولة تعتبر التعليم حقا اجتماعيا ودولة تنظر إليه بوصفه مجالا للخدمة والتدبير والنجاعة.

بعد ربع قرن من الميثاق الوطني لا تبدو المشكلة في ندرة الإصلاحات بل في غياب التحول البنيوي الذي يجعل المدرسة العمومية مركز السياسة الاجتماعية للدولة. وإذا استمر التعليم الخاص في التوسع بينما بقيت المدرسة العمومية تحمل العبء الأكبر من التفاوت الاجتماعي والهدر والفقر وضعف الموارد فإن السؤال لن يعود فقط لماذا فشلت الإصلاحات بل لمن تخدم الطريقة التي يجري بها الإصلاح؟

وهنا ربما تكمن المفارقة الأكثر استفزازا: لقد تغيرت أسماء الإصلاحات منذ 1999 أكثر مما تغيرت الشروط العميقة التي تنتج أزمة المدرسة.

فهل نحن أمام إصلاح حقيقي للتعليم أم أمام إدارة طويلة الأمد لأزمة المدرسة العمومية تمهد تدريجيا لترك جزء أكبر من التعليم لمن يستطيع دفع ثمنه؟

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *