من الاحتجاج إلى الاقتراع: هل تستوعب الأحزاب المغربية جيل زد؟ - Marayana
×
×

من الاحتجاج إلى الاقتراع: هل تستوعب الأحزاب المغربية جيل زد؟

حين تكون أزيد من ثمانين في المائة من الأصوات المسجلة فوق سن الخامسة والثلاثين، يصبح التوجه نحو الأعيان حسابا انتخابيا عقلانيا لا مجرد قصور في الرؤية، فانعدام ثقة جيل زد في الأحزاب لا يكلّف هذه الأخيرة شيئا ما دام أصحابه خارج اللوائح…
لذلك، قد يكون أحد المخرجات المحتملة لانتخابات 2026، إعادة إنتاج العزوف الانتخابي لدى جيل زد، وأن هذا الجيل سيستمر في رفضه للعملية الانتخابية، لكونها لا تحقق طموحاته المطلوبة.

أقل من سنة تفصل بين احتجاجات جيل زد 2025 والانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر  2026، في المحطة الأولى ظهر جيل نظّم فعله الاحتجاجي خارج الأحزاب والنقابات، بأدوات رقمية وبلا قيادة معلومة، وفي المحطة الثانية ستُقاس قدرته على التأثير بمعيار مختلف تماما، التسجيل في اللوائح الانتخابية، والحضور يوم الاقتراع، والمسافة بين المعيارين هي ما يجعل السؤال مطروحا اليوم على جيل زد (Gen Z) والأحزاب معا، لأن الانتخابات أداة لقياس قدرة الأحزاب على تحويل التحولات الاجتماعية إلى تمثيل سياسي. فهل ينتقل هذا الجيل من الاحتجاج إلى الاقتراع؟ وهل تملك الأحزاب المغربية ما يؤهلها لاستيعابه؟

إن العلاقة بين جيل زد والسياسة تحكمها مفارقة أساسية، فمن جهة نحن أمام جيل حاضر بقوة في النقاش العمومي، سريع التفاعل مع القضايا الاجتماعية، قادر على استعمال المنصات الرقمية في إنتاج الرأي وتعبئة الاحتجاجات، وهو الشيء الذي أظهره خلال احتجاجات (جيل زد 212)، حيث برهن على قدرة كبيرة في تنظيم فعل احتجاجي خارج البنيات التقليدية، ومن جهة أخرى تكشف المعطيات المتوفرة عن ضعف في علاقته بالأشكال التقليدية للمشاركة السياسية، من بينها التسجيل في اللوائح الانتخابية والانتماء الحزبي.

و عند الحديث عن جيل زد لا بد من الإشارة إلى النقاش النظري حول التحديد المفاهيمي لهذه الفئة، فإذا أخذنا بالتحديد العمري الأكثر شيوعا، فإن الأمر يتعلق تقريبا بمواليد 1997 إلى 2012، لكن التصنيف العمري وحده لا يكفي لكي يصنع جيلا بالمعنى السوسيولوجي، فكارل منهايم أحد أهم من نظروا لمفهوم الجيل، ميز بين مجرد الانتماء إلى الفئة العمرية نفسها وبين تشكيل (وحدة جيلية) التي تصنعها تجارب تاريخية واجتماعية مشتركة، تؤثر في وعي أفراده وفي طريقة استجابتهم للواقع الاجتماعي، لذلك فالأشخاص لا يشكلون جيلا واحدا لمجرد ولادتهم خلال السنوات نفسها، وإنما لأنهم يتعرضون خلال مراحل تكوينهم وتنشئتهم الاجتماعية لتحولات مشتركة  تمنحهم تصورا مشتركا للعالم وكيفية التعامل معه.

تبعا لذلك فجيل زد في السياق المغربي، ليس جيلا فقط من الشباب الذين ولدوا في نهاية التسعينات والعقد الأول من الألفية، بل جيل فتح عينيه على عالم مختلف جذريا عن العالم الذي تشكل فيه وعي آبائهم، إنه جيل لم يعش سنوات الرصاص ولا الصراع الإيديولوجي الحاد الذي طبع جزءا من تاريخ الحياة الحزبية المغربية، وفي المقابل تشكل وعيه في زمن الانترنيت ومنصات التواصل التي وسعت من مصادر المعرفة لديهم وخلقت مقارنات بين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية مع أبناء جيلهم في بلدان أخرى، غير أن اعتبار جيل زد كتلة متجانسة لن يساعد في فهم عميق لخصائص هذا الجيل. يرى بيير بورديو  في مقال له ( الشباب ليس سوى كلمة ) أن الوحدة العمرية لا تعني الوحدة الاجتماعية، فمثلا الشاب الذي ينتمي لأسرة بورجوازية يعيش في العاصمة الرباط لا يعيش نفس التجربة التي يعيشها شاب غادر المدرسة مبكرا في قرية نائية، وبالتالي فالحديث عن المشاركة الانتخابية لجيل زد لا يعني بالضرورة وجود كتلة انتخابية متجانسة لها المصالح نفسها، فالطبقة ومستوى التعليم والمجال الترابي والوضع المهني تظل محددات أساسية للسلوك السياسي.

تكشف معطيات المندوبية السامية للتخطيط، وفق منهجيتها الجديدة  لسنة 2026، أن الفئة العمرية 15-24 سنة تظل الأكثر تضررا من البطالة بمعدل 27.2%، في مقابل 9.5% على المستوى الوطني، غير أن معدل البطالة الضيق يخفي أكثر مما يظهر، إذ يبلغ معدل الاستخدام غير الكامل للقوى العاملة 41.7% لدى الشباب، أي أن أكثر من أربعة من كل عشرة شبان يوجدون خارج الاستخدام الكامل لطاقاتهم، وكان المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي قد قدّر سنة 2024 عدد الشباب بين 15 و24 سنة بستة ملايين، منهم مليون ونصف خارج التعليم والتكوين والشغل. تصف هذه المعطيات الشرط الاجتماعي الذي تشكّل داخله وعي هذا الجيل، ويظل انتقالها إلى تفسير للسلوك الانتخابي محتاجا إلى وسيط تحليلي، إذ يمكن قراءة الامتناع عن التسجيل والتصويت بوصفه أثرا مباشرا للهشاشة الاقتصادية، كما يمكن قراءته بوصفه إعادة توجيه للفعل السياسي نحو قنوات أخرى. والمسافة بين القراءتين هي ما يجعل مفهوم العزوف ذاته موضع مساءلة.

ويقدّم النقاش النظري في علم السياسة عناصر للفصل بين هاتين القراءتين، ففي كتابه The good Citizen  يميز عالم السياسة راسل دالتون بين نموذجين للمواطنة: مواطنة الواجب التي تجعل من التصويت والانضباط للمؤسسات من أبرز واجبات المواطن، والمواطنة المنخرطة التي تعطي وزنا  أكبر للاستقلال في الرأي والمشاركة المدنية والاحتجاج، وقد أظهرت أبحاثه أن الأجيال الصغيرة تميل أكثر إلى المواطنة المنخرطة، وإلى الخلاصة نفسها انتهت بيبا نوريس في كتابها Democratic Phoenix  عندما اعتبرت أن تراجع الأشكال التقليدية للمشاركة السياسية لا يعني تراجع  السياسة بل يرجع ذلك إلى  ظهور أدوات جديدة للتعبير والاحتجاج والمشاركة السياسية والمدنية.

فقد ابتكر جيل زد تكتيكات جديدة للمشاركة السياسية والتعبئة الاحتجاجية تعتمد على الوسائط الرقمية والمنصات التفاعلية، كموارد يعبر من خلالها عن آرائه وتصوراته في السياسة والدين والاقتصاد، وأعاد من خلالها صياغة طرق التعبير والمشاركة وعلاقته بالمؤسسات، فالهاتف المحمول بالنسبة لهذا الجيل أصبح جزءا من البنية التي يتكون داخلها الرأي والموقف السياسي داخل مجتمع شبكي بتعبير مانويل كاستلز الذي بين في تحليله لهذا المفهوم، كيف تتيح شبكات الاتصال للأفراد إنتاج فضاءات للتواصل والتعبئة  بعيدا عن التنظيمات المركزية  التقليدية، وهو ما ظهر في الاحتجاجات الأخيرة لجيل زد  حيث تميزت بكونها حركة رقمية لا مركزية، عابرة للمدن، غير مرتبطة بالقيادات الحزبية والنقابية، ركزت مطالبها على الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية، وظهرت كمؤشر على أزمة الوساطة السياسية بالمغرب، حيث كرست الابتعاد عن الوساطة الحزبية والنقابية، والانتقال من فاعل سياسي تقليدي إلى فاعل رقمي قادر على إنتاج الرأي العام والتعبئة خارج الآليات التنظيمية التقليدية.

تعطي البوابة الرسمية للوائح الانتخابية صورة أوضح من كل نقاش عن «قوة» جيل زد الانتخابية: من أصل أزيد من 15 مليون مسجل، لا تمثل الفئة 18-24 سنة سوى 4% من الهيئة الناخبة، أي نحو 606 آلاف مسجل، بينما تستأثر فئة 60 سنة فما فوق بـ29%. ومجموع الفئة 18-34 لا يتعدى 19% في مقابل 81% لمن تجاوزوا 35 سنة. وحين يقارَن عدد المسجلين بين 18 و24 سنة بحجم هذه الشريحة في المجتمع، الذي يقارب 3,89 ملايين شخص حسب توقعات المندوبية، يتضح أن الوزن الديمغرافي لهذا الجيل لا يتحول إلى وزن انتخابي، حيث الحضور الرقمي شيء والهيئة الناخبة شيء آخر.

وقد تزداد احتمالات استمرار عزوف جيل زد عن العملية الانتخابية، إذا أخدنا بعين الاعتبار ما يحدث داخل الساحة الحزبية مع اقتراب موعد الترشيحات، حيث اتجهت الأحزاب نحو استقطاب الأعيان والمنتخبين المحلين وأصحاب النفوذ أكثر من الاستثمار في تأهيل الشباب وإنتاج نخب حزبية جديدة، حيث شهدت الأشهر الأخيرة تنافسا شديدا حول استقطاب شخصيات تملك شبكات نفوذ وقواعد انتخابية قادرة على حشد الأصوات، إلى درجة أن هذا الصراع على استقطاب الأعيان أصبح أحد أبرز مظاهر هذه المرحلة، وتكمن خطورة هذا التوجه في الرسالة التي قد تُبعث بها إلى جيل زد الذي يطالب أصلا بتجديد النخب السياسية، رغم كون الأحزاب السياسية تتغنى في لقاءاتها بضرورة استعادة ثقة الشباب، فإن ممارساتها تعيد فقط إنتاج الآليات نفسها التي ساهمت في نفور هذا الجيل من العملية الانتخابية.

ولا يقتصر الأمر على سلوك ظرفي تفرضه لحظة الترشيحات. ففي سنة 2021، عند مراجعة القوانين الانتخابية، حذفت اللائحة الوطنية للشباب ونقلت مقاعدها إلى اللوائح الجهوية للنساء، بتعليل رسمي مفاده تعويض الدائرة الانتخابية الوطنية بدوائر جهوية اعتبارا للمكانة الدستورية للجهة في التنظيم الترابي للمملكة، وقد انقسم النقاش وقتها بين موقفين: رأى المدافعون عن الحذف أن اللائحة لم تحقق الغرض الذي أُحدثت من أجله، إذ لم تنتج نخبا شبابية قادرة على المنافسة داخل الدوائر المحلية، وأنها تحولت في التطبيق إلى ريع سياسي تخصص مقاعده لأقارب القيادات الحزبية والموالين لها، ورد المعارضون بأن العطب في طريقة تدبير الأحزاب للآلية لا في الآلية ذاتها، واقترحوا بدائل من قبيل تحويلها إلى لوائح جهوية للشباب، أو إلزام الأحزاب بترشيح شباب في نسبة من الدوائر المحلية، والحصيلة أن الآلية الوحيدة التي كانت تضمن حدا أدنى من التمثيلية الشبابية في مجلس النواب ألغيت دون أن يحل محلها بديل، قبل أربع سنوات من نزول هذا الجيل إلى الشارع.

وحين تكون أزيد من ثمانين في المائة من الأصوات المسجلة فوق سن الخامسة والثلاثين، يصبح التوجه نحو الأعيان حسابا انتخابيا عقلانيا لا مجرد قصور في الرؤية، فانعدام ثقة جيل زد في الأحزاب لا يكلّف هذه الأخيرة شيئا ما دام أصحابه خارج اللوائح، ولذلك فقد يكون أحد المخرجات المحتملة لانتخابات 2026 إعادة إنتاج العزوف الانتخابي لدى جيل زد، وأن هذا الجيل سيستمر في رفضه للعملية الانتخابية، لكونها لا تحقق طموحاته المطلوبة.

إن أزمة ثقة جيل زد في الأحزاب السياسية والمؤسسات التمثيلية تستدعي من النخبة السياسية الانفتاح على أصوات جيل زد باعتبارهم فاعلين سياسيين واجتماعيين، وإشراكهم بصورة فعلية في النقاش العمومي وصياغة البرامج والمساهمة في اتخاذ القرارات، لا النظر إليهم كشعار انتخابي أو كفئة مستهدفة للاستهلاك التواصلي. فهذا الجيل تشكل داخل بيئة رقمية مختلفة، يستعمل أدوات ولغة ووسائط لا تشبه تلك التي تأسس عليها العمل الحزبي التقليدي، وهو ما يفرض على الأحزاب مواءمة آليات اشتغالها مع التحولات التي يعرفها محيطها، في التواصل والتعبئة والتشاور وفي إنتاج الأفكار وصياغة السياسات. غير أن هذا المطلب لا يتوقف على إرادة الأحزاب وحدها، ما دامت تركيبة الهيئة الناخبة القائمة تغنيها عن الاستثمار في هذا الجيل.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *