عبد الإله أبعصيص: الرابح الأكبر - Marayana
×
×

عبد الإله أبعصيص: الرابح الأكبر

حين يتحول السؤال من «أي مجتمع نريد؟» إلى «من سيحصل على كم مقعد؟»، فإننا لا نكون أمام تغير في قواعد الانتخابات فقط، وإنما أمام تغير في معنى السياسة نفسها.

لقد تحولت بعض الأحزاب تدريجياً من مؤسسات لصناعة الأفكار والوساطة بين المجتمع والدولة إلى آلات انتخابية تبحث عن المرشح القادر على جلب الأصوات، وعن المنتخب القادر على تأمين الدائرة، وعن التحالف القادر على ضمان الموقع. وفي هذه الحالة أصبح المواطن مجرد رقم في الحساب الانتخابي بدل أن يكون شريكاً في صناعة المشروع السياسي.

عبد الإله أبعصيص
عبد الإله أبعصيص

ثمة مفارقة تستحق الانتباه في المشهد السياسي المغربي وهو يستعد لخوض غمار انتخابات 2026. فالصراع المتصاعد بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، وهما حزبان يلتقيان داخل الحكومة نفسها، كما يلتقيان في طبيعة النشأة وتلاحقهما لعنة الميلاد. فالأول أنشأه الحسن الثاني في نهاية السبعينات لمواجهة مد المعارضة الاشتراكية الجارف آنذاك، أما الثاني فكان ميلاده على يد السيد فؤاد عالي الهمة صديق الملك ومستشاره في بداية العهد الجديد لمواجهة المد الإسلامي.  يبدو الصراع في ظاهره صراعاً انتخابياً عادياً على الصدارة، لكنه يكشف في العمق تحولاً أعمق في طبيعة المنافسة السياسية: لم تعد المعركة تدور بالوضوح نفسه حول مشاريع متباينة بقدر ما تدور حول من يحتل الموقع الأول داخل المجال الحكومي والسياسي نفسه. في السابق كان الصراع بين نموذجين مختلفين لكن اليوم هو صراع نموذج واجد بفريقين مختلفين.

وهذا ليس بالضرورة أمراً سلبياً في ذاته. فالانتخابات تحتاج إلى منافسة، والمنافسة تحتاج إلى رهانات واضحة، وربما يكون الصراع بين هذين الحزبين اللذين أصبحا كبيرين بحكم الواقع قادراً على إعادة بعض الحرارة إلى الحياة الانتخابية، وعلى دفع المواطنين إلى الاهتمام مجدداً بالسؤال السياسي: من سيفوز؟ من سيقود الحكومة؟ ومن سيصبح الحزب الأول؟

لكن المفارقة أن هذه الحيوية الانتخابية قد تأتي في الوقت نفسه على حساب معنى السياسة.

فحين يصبح التنافس محكوماً باستقطاب المنتخبين، وتبدل التحالفات، وحسابات المواقع، وحجم الحضور التنظيمي، وتحتل المواضيع التافهة المجال التداولي العمومي ووسائل الاعلام يصبح السؤال المركزي في وعي المواطن أقل ارتباطاً بما ستفعله الأحزاب بالسلطة، وأكثر ارتباطاً بمن سيتمكن من الاستحواذ عليها.

في تقديري هنا تظهر مشكلة أعمق: أين هو الطرف الثالث؟

هناك العدالة والتنمية، الذي يحاول استعادة موقعه بعد زلزال انتخابات 2021، لكنه يدخل المعركة مثقلاً بذاكرة تجربته الحكومية، ولذلك يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان سيعود باعتباره بديلاً سياسياً، أم باعتباره وعاءً للتصويت العقابي ضد الحكومة الحالية.

وهناك اليسار، أو ما تبقى من اليسار، وهنا تبدأ الحسرة الحقيقية.

فقد كان اليسار، إلى وقت قريب، أكثر من مجرد حزب أو مجموعة أحزاب. كان لغة سياسية. كان يمنح السياسة معنى يتجاوز المقاعد والمناصب. كان يجعل الشاب في الجامعة يرى في السياسة طريقاً إلى العدالة والحرية، والعامل يرى فيها امتداداً لمعركته الاجتماعية، والمثقف يرى فيها سؤالاً عن الدولة والمجتمع، والمواطن البسيط يرى في الانتخابات فرصة لتغيير شيء في حياته.

كان اليسار يخسر الانتخابات دائما، لكنه كان يربح شيئاً أكثر أهمية: كان يربح المخيال السياسي. وكان يطرح أسئلة أكبر من الحساب الانتخابي: أي مجتمع نريد؟ كيف توزع الثروة؟ كيف نحمي المدرسة العمومية؟ كيف نجعل الدولة أكثر إنصافاً؟ كيف نوفق بين الوطنية والديمقراطية؟ وكيف نجعل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية جزءاً من معنى الدولة نفسها؟

لم يكن اليسار بلا أخطاء. لقد انقسم، وتنازع، وأخطأ في التقدير، ودخل السلطة وخرج منها، وفقد في مراحل كثيرة قدرته على التجديد. لكن ذلك كله لا يلغي حقيقة ربما نفتقدها اليوم أكثر من أي وقت مضى، كان للسياسة معه معنى.

وكان الصراع السياسي، حتى عندما كان قاسياً، صراعاً على معنى.

أما اليوم، فإن المشهد يبدو مختلفاً. الأحرار يريد الصدارة، والبام يريد الصدارة، والعدالة والتنمية يريد العودة، والاستقلال يريد الحفاظ على موقعه، واليسار يريد فقط ألا يختفي.

لكن أين السؤال الكبير؟ أين سؤال: أي مغرب نريد؟

حين يتحول السؤال من «أي مجتمع نريد؟» إلى «من سيحصل على كم مقعد؟»، فإننا لا نكون أمام تغير في قواعد الانتخابات فقط، وإنما أمام تغير في معنى السياسة نفسها.

لقد تحولت بعض الأحزاب تدريجياً من مؤسسات لصناعة الأفكار والوساطة بين المجتمع والدولة إلى آلات انتخابية تبحث عن المرشح القادر على جلب الأصوات، وعن المنتخب القادر على تأمين الدائرة، وعن التحالف القادر على ضمان الموقع. وفي هذه الحالة أصبح المواطن مجرد رقم في الحساب الانتخابي بدل أن يكون شريكاً في صناعة المشروع السياسي.

ولعل أكثر ما يؤلم في هذا المشهد هو مصير «الكتلة» التاريخية. التي كانت في لحظة من لحظات التاريخ السياسي المغربي، أكثر من مجرد تحالف حزبي. كانت فكرة عن إمكانية اجتماع قوى سياسية مختلفة حول معنى مشترك للديمقراطية والوطن والعدالة الاجتماعية.

أما اليوم فقد فقدت الكتلة وظيفتها قبل أن تختفي أسماؤها. تغير الاتحاد الاشتراكي. وتغير الاستقلال وتغير التقدم والاشتراكية. وذابت المنظمة واندثر الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وتغير المجتمع نفسه. لكن المؤلم أن هذا التحول لم ينتج كتلة جديدة أكثر قوة وحداثة، وإنما أنتج مزيداً من التشتت. وهكذا أصبحت الكتلة أقرب إلى ذاكرة سياسية منها إلى قوة فاعلة.

ولعل مأساة الاتحاد الاشتراكي تختصر جزءاً من هذه المسافة. فقد كان، في زمن قريب، أحد أهم عناوين الجماهير المغربية، وكان اسمه وحده قادراً على إنتاج الانقسام والتعاطف والخصومة والنقاش. أما اليوم، فإن معركته ليست فقط استعادة مقاعد برلمانية، وإنما استعادة شيء أصعب: استعادة المعنى الذي جعل الناس يحتاجون إليه.

والتقدم والاشتراكية يعيش مفارقة مشابهة: ما يزال يمتلك قدرة على إنتاج خطاب سياسي واجتماعي واضح، وما تزال لديه أسئلة العدالة الاجتماعية والديمقراطية، لكنه يواجه مشكلة أكبر من نقص الأفكار: ضعف الوعاء السياسي والاجتماعي القادر على حمل هذه الأفكار إلى المجتمع.

وهنا ربما تكمن الجملة الأكثر قسوة في توصيف وضع اليسار:

المجتمع لم يتخل عن أسئلة اليسار؛ اليسار هو الذي لم يعد قادراً بالقدر نفسه على حمل أسئلة المجتمع.

في المقابل، قد يؤدي الصراع بين الأحرار والبام وظيفة انتخابية إيجابية. فهو يعيد للانتخابات عنصر المنافسة، ويمنح المواطن سبباً لمتابعة المعركة، وربما يدفع فئات من الناخبين إلى العودة إلى صندوق الاقتراع بعد سنوات من العزوف. وهذا أمر مهم. لأن التصويت العقابي يظل، في نهاية المطاف، مشاركة. بل حتى التصويت ضد حزب يظل اعترافاً بأن للصندوق قيمة.

ومن هذه الزاوية، قد تكون المنافسة الحادة بين الحزبين قادرة على رفع مستوى التعبئة السياسية، خصوصاً في سياق تتداخل فيه الانتخابات مع ملفات وطنية حساسة يمكن أن تهيمن على النقاش العام.

لكن ينبغي الحذر من تحويل هذا التزامن إلى استنتاج قطعي بأن الصراع الحزبي صُمم للتغطية على أزمة سبتة. لا دليل على ذلك بمجرد التزامن. الأدق أن نقول إن الصراع الحزبي قد يؤدي موضوعياً وظيفة مفيدة: إعادة الأجندة الداخلية إلى الواجهة، ورفع الاهتمام بالانتخابات، وربما زيادة المشاركة.

وهنا تظهر المفارقة مرة أخرى: قد تستنزف الأحزاب صورتها وهي تتصارع، لكنها قد تعيد في الوقت نفسه بعض الحيوية إلى السياسة. غير أن المشكلة الأكبر ليست في نسبة المشاركة وحدها. فقد يصوت المواطن بكثافة، ثم يخرج من الانتخابات بالخيبة نفسها إذا لم يجد فرقاً جوهرياً بين المتنافسين. لذلك فإن التحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بإعادة المواطن إلى صندوق الاقتراع، وإنما بإعادته إلى السياسة نفسها.

والفرق كبير.

يمكن أن يشارك المواطن لأنه يريد إسقاط حزب، لكن ذلك لا يعني أنه أصبح مؤمناً بالحزب الذي سيصوت له.

يمكن أن يصوت احتجاجاً، لكن ذلك لا يعني أنه يرى في التصويت طريقاً إلى بناء المستقبل.

ويمكن أن يختار طرفاً ضد طرف، دون أن يكون قد وجد في أي منهما مشروعاً يستحق الانتماء.

وهنا نصل إلى أخطر ما يمكن أن ينتجه هذا المشهد: تراجع الوساطة الحزبية. فعندما تتنازع الأحزاب فيما بينها على المواقع، بينما تبدو الدولة أكثر ثباتاً من تنازعها، يبدأ المواطن في الفصل بين الاثنين.

الحكومة تتغير، ومعها يمكن أن تتغير التحالفات والقيادات ومواقع الأحزاب، أما الدولة فتستمر. وكلما ازدادت الأحزاب انشغالاً بصراعاتها الداخلية، بدت الدولة أكثر استقراراً بالمقارنة معها.

وهنا يمكن أن يحدث أمر شديد الدلالة: بدل أن تصبح الأحزاب هي الطريق الذي يرى المواطن من خلاله الدولة، تصبح الدولة هي الطريق الذي يرى المواطن من خلاله الأحزاب.

وحينها قد تولد، في المزاج الشعبي، العبارة القاسية: اللهم الثابت ولا هؤلاء المتحولون.

قد تعني شيئاً أكثر تعقيداً: أنه فقد الثقة في الوسيط الحزبي الذي يفترض أن يجعل السياسة ذات معنى..

إن ما يحدث خسارة للديمقراطية.

فالدولة يجب أن تكون قوية ومستقرة، وفي الوقت نفسه تحتاج الحياة الحزبية إلى أن تكون قوية أيضا وحيوية. الدولة لا تحتاج إلى أحزاب قوية تنافسها على شرعيتها، وإنما تحتاج إلى أحزاب قوية تقوم بوظيفة لا تستطيع الدولة أن تقوم بها بدلاً عنها: أن تسمع المجتمع، وتترجم مطالبه، وتصوغها في برامج، وتتحمل مسؤولية الاختيارات والنتائج.

ومن هنا فإن ضعف الأحزاب لا يعني بالضرورة ضعف الدولة، لكنه يعني ضعف السياسة.

وإذا ضعفت السياسة، اتسعت المسافة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة.

وهنا تعود الحسرة على اليسار. فربما لم تكن مهمته التاريخية أن يفوز دائماً، وإنما أن يجعل الناس يعتقدون أن السياسة تستحق أن تُمارس. كان بإمكانه أن يحول الغضب إلى فكرة، والفكرة إلى مشروع، والمشروع إلى أمل.

أما اليوم، فإن اليسار يبدو في كثير من الأحيان كأنه يمتلك الأسئلة الصحيحة لكنه فقد القدرة على جعل الناس يستمعون إليها.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *