ثريا بوعبيد.. سيرة امرأة حقوقية اختارت الظل وسكنت الأثر - Marayana
×
×

ثريا بوعبيد.. سيرة امرأة حقوقية اختارت الظل وسكنت الأثر

بعيدا عن صخب الكاميرات، عاشت المناضلة الحقوقية الراحلة ثريا بوعبيد نضالها في صمت نبيل، يرسخ قيم حقوق الإنسان بعيدا عن الاستعراض.
تلك المرأة التي جعلت من الحقوق ثقافة وممارسة يومية، لا مجرد شعارات تُرفع في المؤتمرات، يطوي المغرب برحيلها، صحفة من صفحات النضال الهادئ الذي آمن بكرامة الإنسان كقيمة مطلقة لا يمكن أن تتجزأ.

صباح يوم الأحد 16 غشت 2026، ودعت الساحة الحقوقية المغربية واحدة من أبرز وجوهها النضالية التي كرست جزءا كبيرا من حياتها للدفاع عن قضايا الحرية والكرامة وحقوق الإنسان.

ثريا بوعبيد، لم تكن مجرد اسم مر على صفحات التاريخ الحقوقي المغربي، بل تركت بصمة بارزة في هذا المجال بالمغرب لمدة 25 سنة، خلفت وراءها إرثا حافلا بالالتزام الراسخ من أجل العدالة والكرامة، وكانت من أبرز الوجوه التي أثثت المشهد الحقوقي وساهمت في نشر ثقافة حقوق الإنسان في الأوساط المغربية والدولية.

ولدت الراحلة سنة 1968 بمدينة تازة، لتحصل على شهادة الباكالوريا في الآداب العصرية بنفس المدينة سنة 1987. وفي سنة 1993 نالت الإجازة في اللغة والآداب العصرية، لتختم مسارها الأكاديمي من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بمدينة فاس، بعد حصولها على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في اللسانيات سنة 1995.

بدايتها الحقوقية كانت بمدينة تازة مسقط رأسها؛ حيث انخرطت في تسعينيات القرن الماضي في صفوف فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالمدينة، قبل أن تنتقل إلى الرباط رفقة زوجها عبد اللطيف ازريول.

هناك بالعاصمة المغربية، سترسم ثريا بوعبيد مسارا حقوقيا بارزا، حيث بدأت سنة 1997 مسارها داخل منظمة العفة الدولية منسقة للحملات والتحركات، لتتولى بعدها، وبالضبط سنة 2002، مسؤولية برنامج التربية والتوعية بحقوق الإنسان، ثم مديرة لبرنامج التربية على حقوق الإنسان في فرع المنظمة بالمغرب.

كرست الراحلة حياتها للعمل في الظل والتربية على حقوق الإنسان، حيث أدارت مجموعة من البرامج التوعوية والتحسيسية التي استهدفت ترسيخ قيم الكرامة والمساواة والمواطنة لدى الناشئة وفي المؤسسات التعليمية، كما عرفت بجهودها الدؤوبة في الدفاع عن ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان ودعم الفئات الهشة بعيدا عن أضواء الإعلام، وظلت وفية لهذه الرسالة رغم مرضها، لتترك بذلك أثرا واضحا وتجربة ملهمة في النضال الحقوقي.

لعبت الراحلة دورا هاما في نشر ثقافة حقوق الإنسان داخل المؤسسات التعليمية، إذ ساهمت في مشروع “المدارس الصديقة لحقوق الإنسان”، علاوة على برامج لإدماج ثقافة حقوق الإنسان داخل المؤسسات التعليمية، وفي تكوين المدرسين والمؤطرين.

ملف حقوق النساء لم يكن غائبا في سيرة ثريا بوعبيد الحقوقية، فمرافعاتها ضد العنف والتمييز والإقصاء الذي تتعرض له النساء ومناهضة تشغيل الطفلات في العمل المنزلي، لا يزال شاهدا على حجم انشغالها المبدئي بقضايا المرأة والطفولة، وعلى إيمانها الراسخ بأن كرامة الإنسان وحدة لا تتجزأ.

ملف حقوقي آخر اشتغلت عليه الراحلة، ارتبط بإعادة الإدماج داخل المؤسسات السجنية، إذ ساهمت في برنامج “التربية والوقاية والإدماج” المتعلق بالأحداث والشباب داخل المؤسسات السجنية، من منطلق الوقاية من التطرف والمساعدة على إعادة الإدماج، إذ لم تكن تنظر للسجناء من زاوية الإجرام، بقدر ما كانت ترى فيهم ضحايا لظروف اجتماعية وثقافية تستوجب الفهم والرعاية لا الإقصاء والعقاب؛ حيث آمنت أن لكل فرد الحق في فرصة ثانية تضمن له استعادة كرامته، وتفتح له أبواب العودة إلى أحضان المجتمع.

منظمة العفو الدولية نعت الراحلة قائة: “برحيلها تفقد المنظمة، وحركة المدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان، مناضلة استثنائية، ظلت طوال مسيرتها وفية لمبادئها ونضالها الحقوقي، ورغم معاناتها الصحية ومقاومتها للمرض، لم تتراجع يوما عن العمل من أجل ترسيخ قيم حقوق الإنسان والدفاع عن ضحايا الانتهاكات”.

المنظمة أضافت: “تميزت الفقيدة بعلاقاتها الإنسانية العالية والواسعة مع الأعضاء والشركاء وكل من عايشها في لحظة من اللحظات”.

بذلك يشكل المسار الحقوقي للراحلة، في ظل التحديات السياسية والاجتماعية التي يعرفها القطاع بالمغرب، أهمية كبرى للنضال الحقوقي بالمغرب؛ حيث جسدت الراحلة كل معاني النزاهة والثبات. فلم تكن ثريا بوعبيد تتعامل مع حقوق الإنسان كمجرد شعارات موسمية، بل جعلت منها ثقافة ورسالة تربوية ودرب حياة.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *