اختتام مهرجان كناوة وموسيقى العالم 2026. ثلاثة أيام كُتب فيها التراث بصيغة الحاضر
في دورته الــ 27، عرف مهرجان كناوة وموسيقى العالم، مشاركة 460 فناناً، و43 معلماً كناوياً، و52 حفلاً موسيقياً…
المهرجان، شهد تنظيم الدورة 13 لمنتدى لحقوق الإنسان، وبرامج للتكوين والبحث ونقل المعارف، ليؤكد مرة أخرى أنه يتجاوز كونه موعداً موسيقياً، ليشكل مشروعاً ثقافياً متكاملاً تتفاعل فيه الحفلات الموسيقية مع التفكير والتعلم والإبداع.
احتضنت مدينة الصويرة، من 25 إلى 27 يونيو، الدورة السابعة والعشرين لمهرجان كناوة وموسيقى العالم.
وعلى مدى ثلاثة أيام، جمعت المدينة فنانين ومعلمين كناويين ومفكرين وموسيقيين شباباً و عشرات الآلاف من الحاضرين قدموا من المغرب ومن مختلف أنحاء العالم حول قناعة واحدة : أن التقاليد لا تكتسب معناها الحقيقي إلا حين تواصل الحوار مع عصرها.
عرفت هذه الدورة مشاركة 460 فناناً، و43 معلماً كناوياً، و52 حفلاً موسيقياً كما عرفت تنظيم الدورة 13 لمنتدى لحقوق الإنسان، وبرامج للتكوين والبحث ونقل المعارف لتأكد هذه الدورة السابعة والعشرون مرة أخرى أن مهرجان كناوة يتجاوز كونه موعداً موسيقياً، ليشكل مشروعاً ثقافياً متكاملاً تتفاعل فيه الحفلات الموسيقية مع التفكير والتعلم والإبداع.
الإبداع خيط ناظم للمهرجان
منذ انطلاقته، جعل مهرجان كناوة من التلاقح الفني بصمته المميزة. ففي كل دورة، تولد أعمال فنية جديدة تُبتكر خصيصاً للصويرة، حيث يلتقي المعلمون الكناويون بموسيقيين من مختلف أنحاء العالم.
وتفضي هذه الحوارات الفنية إلى إبداعات غير مسبوقة تجعل من كل دورة لحظة فريدة من نوعها.
وقد شهدت الدورة السابعة والعشرون عدة نماذج بارزة لهذا التوجه. حفل الافتتاح مثلا جمع بين الفن الكناوي ورقص «إينتوري» الذي قدمته فرقة «إي بوهورو» الرواندية، و ذلك بقيادة مهدي ناسولي وصوت المغنية الهندية غانافيا، وسارة مول البلاد، وسيلفان بارو، في عمل فني تفاعلت فيه التقاليد الإفريقية والآسيوية بانسجام لافت.
كما تجسد هذا الطموح الفني في الإقامة الفنية للمهرجان، التي جمعت المعلم حسن بوسو وألكسندر إيريشون ومحمد الدرويش وجاك شفارتز-بارت وشيخ ندوي وكريم زياد ومريم عصيد حول عمل إبداعي قُدم لأول مرة عالمياً في الصويرة.
وشهدت هذه الدورة أيضاً لقاءات فنية مميزة، من بينها الحوار الموسيقي بين «ذا هارلم سبيريت أوف غوسبل» بقيادة أنطوني مورغان والمعلم المهدي قاموم، وحفل ريتشارد بونا الذي انضمت إليه على المسرح أسماء لمنور، إضافة إلى العودة المنتظرة للفنان البرازيلي كارلينهوس برون بعد ما يقارب عشر سنوات من آخر مشاركة له في المهرجان.
وإلى جانب المعلم حميد القصري، قدّم الفنان البرازيلي حفلاً ختامياً سخياً وجامعاً، ذكّرت فيه الإيقاعات الأفرو-برازيلية والفن الكناوي بالروابط العميقة التي تجمع ضفتي المحيط الأطلسي.
وفي برج باب مراكش، قدّمت ياسمين حمدان حفلاً حميمياً آسراً مزج بين الشعر العربي والموسيقى الإلكترونية والبوب البديل، فيما جسدت فرق 47Soul وأودادن وهوبا هوبا سبيريت وبوب المغرب وبنات اللوز وراسكاس تنوع البرمجة الفنية للمهرجان، التي تظل وفية لهويته الجامعة بين التراث الشعبي والموسيقى المعاصرة وأشكال التعبير الجديدة.
مهرجان يصنعه جمهوره
في الصويرة، لا يكتفي الجمهور بحضور الحفلات، بل يعد أحد صناعها.
وقد تجاوز عدد الحضور هذه السنة 300 ألف شخص، استمتعوا بأجواء المهرجان في الساحات وأزقة المدينة العتيقة ومختلف فضاءات المهرجان، محولين المدينة إلى فضاء واسع للتقاسم والحوار تتدفق فيه الموسيقى بحرية.
حضور متميز إذن مكون من عائلات وطلبة وعشاق موسيقى وزوار مغاربة وأجانب منحوا، مرة أخرى، للمهرجان صورته الأصدق: موعد شعبي، منفتح، وحيوي بامتياز.
التفكير في العالم بقدر الإصغاء إليه
في دورته الثالثة عشرة، جمع منتدى حقوق الإنسان، المنظم بشراكة مع مجلس الجالية المغربية بالخارج، باحثين ومسؤولين عموميين وفنانين ومثقفين حول موضوع:
«شباب العالم: حرية، هوية، مستقبل».
افتُتح المنتدى بكلمتين لكل من نائلة التازي وإدريس اليزمي، واضعاً منذ البداية الشباب والحرية والحوار في صلب النقاش.
وأكدت نائلة التازي أن «لا حرية من دون شباب، لأن الشباب هو من يعيد في كل جيل تعريف معنى الحرية. ولا شباب من دون حرية، لأن شباباً بلا حرية هو في الحقيقة شباب في غرفة الانتظار”.
أما إدريس اليزمي فقد أشاد بـمهرجان الصويرة واصفا إياه «بأكبر مهرجان ديمقراطي في المغرب»، لما يتيحه من تعدد للأصوات في إطار من الحرية والاحترام، مذكراً بالمكانة الخاصة التي يحتلها هذا الحدث في المشهد الثقافي الوطني.
واستضاف المنتدى بعد ذلك الدرس الافتتاحي للفيلسوف والمفكر سليمان بشير ديان، الذي دعا إلى «إشراك شباب بلداننا في معركة كونية»، ضمن تأمل إنساني في تصدعات العالم المعاصر.
كما أبرز اللقاء الذي جمع محمد المهدي بنسعيد ونجاة فالو-بلقاسم الدور المحوري للثقافة في بناء مواطنة منفتحة على العالم.
وأكد محمد المهدي بنسعيد أهمية النساء والرجال الذين يدافعون يومياً عن الثقافة، قائلاً: «هؤلاء المناضلون هم الذين يجعلون الثقافة موجودة في بلادنا».
ومن جهتها، شددت نجاة فالو-بلقاسم على قوة التزام الأجيال الجديدة، مؤكدة: «نحن بحاجة إلى حماس الشباب».
كما أفضت النقاشات حول الهويات المتحولة إلى عدد من التأملات القوية، حيث ذكّرت ليلى سليماني بأن «الإنسان ممزق دائماً بين الرغبة في الدفاع عن خصوصيته والحاجة إلى الانتماء»، مؤكدة أن هذين التطلعين ليسا متعارضين.
وعلى امتداد النقاشات، تناول المتدخلون بالتحليل و النقاش ثلاثة مواضيع كبرى و آنية : الإبداع بوصفه تأكيداً للذات، والهويات المتحولة، والطرق الجديدة للسكن في العالم والانخراط فيه.
نقل المعارف والاستعداد للمستقبل
يظل نقل المعارف أحد الأعمدة الأساسية للمهرجان.
وللسنة الثالثة على التوالي، جمع برنامج «بيركلي في مهرجان كناوة» موسيقيين من نحو عشرين بلداً في أسبوع من التكوين والإبداع والتبادل مع فنانين وأساتذة دوليين، مؤكداً الجاذبية المتزايدة لهذا البرنامج.
وشهدت هذه الدورة أيضاً ولادة فضاء جديد للقاء من خلال جلسات الارتجال الموسيقي (Jam Sessions) التي احتضنها القنصلية الدنماركية السابقة، موفرة للمعلمين الكناويين والفنانين الضيوف وموسيقيي بيركلي فضاءً ملائماً للارتجال والتبادل.
وفي إطار الشراكة مع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية (UM6P) ومعهد الدراسات المتقدمة التابع لها (IAS)، أتاحت «كرسي التحولات» نقاشاً معمقاً حول مكانة كناوة في العالم المعاصر.
وقد أبرزت المداخلات أن الفن الكناوي ليس مجرد تراث ينبغي الحفاظ عليه، بل معرفة حية تعبرها أسئلة الذاكرة والشتات والوجد والطقوس والشفاء والإبداع.
ومن خلال الجمع بين رؤى الباحثين والفنانين والمفكرين، أظهرت هذه اللقاءات كيف توفر كناوة لغة قوية للتفكير في التنقلات والهويات والعوالم المتحركة.
إشعاع دولي متزايد
استقبل المهرجان أكثر من 300 صحفي ومراسل ومصور قدموا من القارات الخمس.
وتعكس هذه التغطية الإعلامية الاهتمام المتزايد الذي يحظى به المهرجان، كما تسهم كل سنة في تعزيز إشعاع مدينة الصويرة خارج حدودها.
الزخم مستمر
على امتداد سبع وعشرين دورة، فرض مهرجان كناوة وموسيقى العالم نفسه موعداً فريداً على المستوى العالمي، حيث يغذي الإبداع المعاصر التراث بقدر ما يستلهم منه.
في الصويرة، تتحول الحفلات الموسيقية إلى لقاءات، وتنفتح التقاليد على مخيلات أخرى، وتخلق الموسيقى فضاءً للحوار يتجاوز بكثير زمن المهرجان نفسه.
تنتهي الدورة السابعة والعشرون، لكنها تواصل كتابة قصة تتجدد عاماً بعد عام، على إيقاع الإبداع ونقل المعارف واللقاءات الإنسانية.
ونضرب لكم موعداً من 24 إلى 26 يونيو 2027 مع الدورة الثامنة والعشرين لمهرجان كناوة وموسيقى العالم.
