إكرام عبدي: حبر أبيض… بين الكتابة والأمومة
مشاعر متناقضة؛ توتر بين هويتين كأم وككاتبة.
الكتابة والأمومة فعلان ذاتيان أنانيان يهويان معا الصدق في العطاء والكثير من البذل و الحب والشغف والوقت والطاقة، والصراع بينهما حاد. أعترف أنني كنت ومازلت هشة أمام أبنائي. لم أقوَ على حسم الصراع لصالح أي من الهويتين. كانت فطرة الأمومة الأقوى عندي والأكثر هيمنة، ولو أردت أن أكرس فعلا حياتي للكتابة، كان من الأفضل ألا أنجب أبدا.
في البدء، منحتني الكتابة كيانا داخليا صحيا مكتمل الأركان، متناغما مع الكون، دعمت وعيي بذاتي. ربما كوني البنت الوحيدة بين إخوة صبية يهيمنون في أغلب الأوقات، و عدم امتلاكي للقوة، دفعني للكتابة. آمنت لحظتها بأن الكتابة مفتاح يحق لي التشبث به، للجهر بقوة هشاشتي.
كانت الكتابة غرفتي السرية، وعيونا بالغة الغواية لفضح الحياة، ونهرا منسابا مثقلا بأسئلة الحجارة لكسر اندياح الزمن الكرونولوجي للأشياء؛ إلى أن حلت تلك الكائنات النورانية بألم مخاض وعنادٍ يفوق عناد الكتابة وتفرّدها، وبطراوة جسدين ناعمي الأطراف، وبزقزقة عصفورين مغردين يكفي أن يحباني لأجيد التحليق. صرت لماما ما أكتب، وحين يسدل الليل ستاره، أكتب لأريح جسدي المنهك المتشظي من السهر وأتصيد غوايات شاردة. لكن، سرعان ما تغادرني كلماتي لتندلق حليبا ناصع البياض يلملم جسدي المفكك الأوصال.
مشاعر متناقضة؛ توتر بين هويتين كأم وككاتبة، فالكتابة والأمومة فعلان ذاتيان أنانيان يهويان معا الصدق في العطاء والكثير من البذل و الحب والشغف والوقت والطاقة، والصراع بينهما حاد. أعترف أنني كنت ومازلت هشة أمام أبنائي. لم أقوَ على حسم الصراع لصالح أي من الهويتين. كانت فطرة الأمومة الأقوى عندي والأكثر هيمنة، ولو أردت أن أكرس فعلا حياتي للكتابة، كان من الأفضل ألا أنجب أبدا.
هناك كاتبات وشاعرات فضلن الكتابة على الإنجاب كإيميلي ديكنسون وفرجينيا وولف ودوروثي باركر، وأخريات “اعتصرن الإلهام” بقوة من حليب أطفالهن كما تقول توني موريسون؛ فمن الصعب إيجاد معادلة منطقية حاسمة لفعلي الأمومة والكتابة. الأمر يتوقف على شخصية الكاتبة الأم ومرونتها ومدى تحملها وقدرتها على حسم الصراع بين الهويتين، أو مدى تمتعها بحياة مرفهة لإيجاد مربية أطفال، وإن كنت أعتبر الأمومة حالة وجدانية راقية تكبر بحليب وحب ودفئ قلب الأم فقط، والكتابة صلاة روحية مقدسة تلزمها السكينة والخلوة للإنصات بعمق لابتهالات الأغوار.
ظللت وفية لأمومتي؛ مهتمة وحذرة ودقيقة في التفاصيل ومتطرفة في حبي لطفلي. كان من الممكن أن أكون كذلك في علاقتي بالكتابة فقط، وإن كنت نادرا ما أكون كذلك، خاصة حين يتعلق الأمر بالماديات والأمكنة، فعلاقتي بها واهنة فاترة غير عابئة ولا متملكة. ينتابني الضجر من الثبات على الشيء، وأكره أن يملكني شيء أو أمتلك شيئا كما يقول المتصوفة. أمقت احتواء الأشياء والأمكنة والأشخاص لوقت أطول، وذاكرتي هي أيضا انتقائية تتفادى الاحتفاظ بزوائد الحياة. أحيانا، أحرض ذاكرتي على التخلص من أوجاعها ويدي على كسر بعض الأواني القديمة، ولا أعرف السبب. قرأت فيما بعد أن كسر الصحون عند اليونانيين القدامى يجلب الحظ ويبعد الأرواح الشريرة، ويجلب المرح والسرور للأرواح الخيّرة.
كان حبري أبيض، ناصعَ الصدق، يكفي لغرس قيم والحب والجمال والحرية والسعادة في نفوس أبنائي، لتزهر عاجلا أو آجلا حديقة غراء تحتفي بالحياة في أبهى تجلياتها.



