هشام روزاق يكتب: دولة أخنوش… ثرثرة في البرلمان والخبر في أبيدجان - Marayana
×
×

هشام روزاق يكتب: دولة أخنوش… ثرثرة في البرلمان والخبر في أبيدجان

في كل بلاد العالمين، ارتفعت أسعار الوقود، واستغل تجار الحروب فضائع أوكرانيا بداية، ثم حرب إيران بعدها، كي يواصلوا زواج السلطة والمال، لكن…
حتى في الدول الأكثر ليبرالية وتوحش أسواق، لم يحدث بعد أن تحولت البلاد إلى “سطاسيون”… ولم نر بعد صحافة تكتب الخبر بالمازوط.
لم نر بعد… مسرحا مبتدأه في الرباط، وخبره في أبيدجان.

… ربما كانت هذه أول مرة أنتظر فيها خطاب رئيس الحكومة أخنوش أمام البرلمان.

طبعا، انتظار أخنوش، لم يكن هدفا في حد ذاته. فلكي يكون لديك أصلا وقت لانتظار كلام أخنوش، يجب أن تكون قد أنهيت كل تفاهات العالم الممكن مزاولتها أو اقترافها، بما فيها متابعة فيديوهات “روتيني اليومي” التي قد تخرج منها على الأقل، بعطب أقل في المخ.

لم أنتظر خطاب أخنوش لأنطر إلى وجه رئيس حكومة وحزب، كان ينوي التمديد للرئاستين يوم 11 يناير 2026، قبل أن تتم “إزاحة” هذه الرغبة يوم 12 يناير من نفس الأسبوع والشهر والسنة...

ولم أنتظر خطاب أخنوش، كي “أتلعثم” منه أو معه في اللغة والمنطق وحكايات الرفع والجر والنصب التي يقترفها على الفاعل والأرقام والمعطيات… وعلى كل مفعول به وفيه.

… انتظرت أخنوش وخطابه، لسبب آخر بسيط، هو أيضا ليس مفيدا بالضرورة، ولا حتى أكثر أهمية من فيديوهات “روتيني اليومي”. لكنه، في النهاية، يبقى أكثر إغراء من لغات أخنوش، إذ لا مكان فيه لرفع أو جر… لا مكان فيه إلا للنصب. وفي لغتنا… النصب عادة، يطال “الحال” كما يطال اسم “إنَّ”. ولعل ذلك ما يفسر ربما، كيف درج المغاربة البسطاء على القول… “القضية فيها إنًّ”.

انتظرت خطاب أخنوش أمام نواب الأمة، لا لأتابع معه “حال” الأمة ولا “حال” نوابها، (والحال، كما قلنا، قدره النصبُ لغةً). انتظرت خطابه، كي ينتهي…

نعم… انتظرت أن ينتهي أخنوش من معركته المضنية مع الخطاب الذي كُتب له كما كُتب علينا (الخطاب وأخنوش أقصد)، لأنني في النهاية، كنت أنتظر كائنات أكثر إغراء وغواية…

انتظرت خروج ذلك “الفيلق” المكلف بمهمة، أو لنقل “La Légion sans religion” الذين… لا قلوبهم مع علي، ولا سيوفهم مع معاوية. لكن ألسنتهم… خزان حروب ومعارك ووقودها (بحال الريزيرفرفوار د السيارة. خاصو غير شي سطاسيون د ليصانص يعمرو وأراك للفراجة).

… بينما كان أخنوش يتلعثم في خطابه أمام نواب الأمة، وبينما كانت الأرقام والمعطيات واللغة و”حال” الأمة ينضبط مع أخنوش لقواعد اللغة العربية في النصب… كانت وحدات الفيلق المكلف بمهمة، تبحث في لغاتها عما تبقّى من مرفوع لجره، أو لنصبه وإجراء النصب عليه.

هكذا… تحول تلعثم أخنوش في اللغة والمنطق، إلى مشروع بلد ومستقبل أمة، وتم ربط كل هذا العته بحديث مبستر “كامل الدسم” عن الملك والمؤسسة الملكية، وتم الزج بالملك وإمارة المؤمنين في حصيلة أخنوش. نعم… نفس الفيلق الذي يشحذ لسانه دفاعا عن عدم استغلال الدين في السياسة، باعتبار الدين مشتركا أساسيا من مشتركات المغاربة، هو الذي يقحم الملك في كل حملاته التي تدافع عن أخنوش. وكأن الملكية بالنسبة لهم، أمر اختص به أخنوش نفسه دون باقي المغاربة.

كما العادة، كان أخنوش وخطابه “لا حدثا، ولا خبرا”… كان بتعبير الإنجليز “he passed through life unnoticed” لكن…

السؤال، في النهاية، هو لماذا انتظرت أخنوش وخطابه، ولماذا انتظرت “حملات” الإعلام المناصر له؟ ولماذا استمتعت أكثر، هذه المرة، بـ “تشقلبات” الفيلق المحارب في خندق مول السطاسيون؟

والجواب ببساطة… يقطن في دولة الكوت ديفوار الصديقة.

“الحال” (غير المنصوب عليه هنا)… أنني في كل مرة أصادف فيها ما يكتبه، أو يقوله، بعض صحافيي وإعلاميي بلدي، وهم يمارسون أقصى/أقسى عمليات “التشقليب” دفاعا عن شكل وجوهر الحكم، وعن طبيعة السلطة وطرق ممارستها، يراودني نفس السؤال المضحك المزمن:

ما الذي يجعل مهنيا/ حرفيا ما، يدافع أو ينتصر لسياق عام، ليس فقط لا يؤمن بضرورة وجود إعلام مغربي مستقل أو حتى مهني، بل أكثر من ذلك، يحتقر ويزدري حتى ذلك الإعلام الذي “يطبل” به وله.

حين نقول إن شكل وجوهر الحكم، وطبيعة ممارسة السلطة في المغرب، لا تفترض في الأصل، وجود إعلام مهني أو حتى غير مهني، وإن أقصى ما تفترض السلطة وجوده عندنا، هو مكلفين بالتواصل ومُنجِزي بلاغات وبيانات، لا باحثين عن الخبر ولا طارحي أسئلة، فلأن الأصل في الحكاية، أن المغربي، وبكل بساطة وبرودة، إن أراد أن يعرف ما يجري في بلده، ليس عليه إلا أن ينتظر خبرا في “جون أفريك”، أو مقالا في “لوموند” أو في أية وسيلة إعلام دولية…

في بلدي، حتى وسائل الإعلام الموالية للقائم والمنتصرة له، ليس لها أي دور وليست لها أية قيمة تذكر خبريا وإعلاميا. وسائل الإعلام الكبرى في بلدي، هي في النهاية “كبرى” ماديا ودعما عموميا فقط. أما خبريا، فهي في خبر كان… الذي هو أيضا، للصدفة، يكون “منصوبا” عليه.

لا شيء… لا خبر، مهما كان صغيرا أو حتى تافها يستحق في نظر السلطة التي يدافع عليها بعض الإعلام عندنا، أن يكون مقرونا بوسيلة إعلام مغربية. علينا دائما أن ننتظر أخبارنا، ليس فقط من إعلام الآخرين، بل في أحيان كثيرة، من أشخاص عاديين “ميزتهم” الوحيدة… أنهم ليسوا مغاربة.

في الفترة ما بين 11 و18 أبريل الجاري، تم تنظيم مهرجان “سوق فنون العرض الإفريقية” بمدينة أبيدجان، عاصمة دولة كوت ديفوار.

دون كثير مقدمات… أعلن مدير هذا المهرجان، السيد “أبو كاماطي” قبل أيام، أنه تلقى دعوة رسمية لحضور الافتتاح الرسمي للمسرح الملكي بالرباط، خلال شهر ماي المقبل.

طيب…

أخبار مفاوضات وتطورات القضية الوطنية، تأتينا من صحافة فرنسا وإسبانيا وأمريكا. أخبار الاقتصاد نترجمها من الصحافة الدولية. علاقاتنا مع كل دول العالم، نقرأها في صحافة العالم… وحين يتعلق الأمر بافتتاح مسرح في الرباط، يأتيك الخبر من أبيدجان؟؟

تخيلوا؟؟؟

المسرح الذي انتظر المغاربة إطلاق سراح فعالياته منذ مدة، كما زميله في الدار البيضاء، كان يحتاج لرجل من الكوت ديفوار كي يصنع له شهادة ميلاد، بينما وسائل إعلامنا الكبرى (ماليا) لازالت تنتظر إن كان سيتم أصلا دعوتها لحضور العقيقة، أم، كما العادة، ستكتفي بترجمة الحفل وشهادة الميلاد!

تخيلوا أن…

رجل الأعمال ووزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، الذي لازال يحاول تمرير صيغة بئيسة لضبط المشهد الإعلامي والصحافي بالمغرب، قد يكون مثلنا… تلقى خبر افتتاح مسرح الرباط من أبيدجان؟

وتخيلوا أن وزير الثقافة هذا، الذي يفترض أن مسرح الرباط أمر يهمه… ليس موجودا أصلا في مجلس إدارة هذا المسرح!

حسنا…

الآن… بعد أن تخيلتم كل هذا العته، حاولوا أن تتعايشوا مع هذا الواقع…

وزير الثقافة الذي يحاول جاهدا الإجهاز على ما تبقى من إعلام، هو شخص غير معتد به ثقافيا، ولم يفكر أحد في إلحاقه مجلس إدارة مسرح الرباط.

الصحافيون الذين يمارسون كل أنواع “التشقليب” دفاعا عن شكل وجوهر السلطة… تلقوا خبرا بسيطا وعاديا، مثل خبر افتتاح مسرح الرباط، كما كل المغاربة… من أبيدجان.

… نعم، في كل بلاد العالمين، ارتفعت أسعار الوقود، واستغل تجار الحروب فضائع أوكرانيا بداية، ثم حرب إيران بعدها، كي يواصلوا زواج السلطة والمال…

لكن…

حتى في الدول الأكثر ليبرالية وتوحش أسواق، لم يحدث بعد أن تحولت البلاد إلى “سطاسيون”… ولم نر بعد صحافة تكتب الخبر بالمازوط.

لم نر بعد… مسرحا مبتدأه في الرباط، وخبره في أبيدجان.

وهذا… بعض من كلام.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *