العزوبة في المغرب: بين الوصم الاجتماعي الرقمي وحرية الاختيار - Marayana
×
×

العزوبة في المغرب: بين الوصم الاجتماعي الرقمي وحرية الاختيار

انتشر على مواقع التواصل وصم للنساء غير المتزوجات، وربطته بعض المجموعات، بشكل اختزالي، بخيار الرجل في العزوف عن الزواج، بينما الواقع يعكس تحولات اقتصادية واجتماعية أعمق تؤثر في خيارات الزواج لدى كلا الجنسين.

تداولت وسائل التواصل الاجتماعي في الأيام الأخيرة إحصائية تشير إلى وجود نحو 3.6 مليون امرأة مغربية تجاوزن سن الثلاثين ولم يسبق لهن الزواج. هذه الأرقام أثارت نقاشاً حول مفاهيم “العنوسة” (وهو لفظ ترفضه مرايانا جملة وتفصيلا لما له من حمولات قدحية) والإقبال على الزواج، حتى سميت “وصمة رقمية” ضد المرأة العازبة. لكن، هنا، يجب التعامل مع الرقم بحذر، فهو مزيج من معطيات رسمية وتحولات اجتماعية عميقة، حيث أكدت المندوبية السامية للتخطيط أن نحو 27.3% من المغربيات البالغات 15 سنة فما فوق عازبات، في حين تصل النسبة عند الرجال 39.3%. بمعنى آخر، الإناث والذكور على حد سواء يشهدون ارتفاعاً في معدل سن الزواج، ولا تقتصر الظاهرة على النساء فقط. لكن المجتمع وتعليقات مواقع التواصل تقتصر في وصمها على النساء.

تستند أرقام العزوبة في المغرب إلى بيانات الإحصاء العام للسكان وإحصاءات وطنية دورية، حيث كشف تقرير “المندوبية السامية للتخطيط” أن نسبة النساء غير المتزوجات من فئة 15 سنة فما فوق بلغت 27.3% سنة 2024، مقارنة بـ28.9% سنة 2014 و34% سنة 2004 (بمعنى أنها في انخفاض، خلافا للرائج). كما أشار التقرير إلى ارتفاع نسبي في العزوبة لدى الرجال (39.3% في 2024 مقابل 40.9% سنة 2014)، وبهذا، يتضح أن الحديث يعتريه نقص المعلومة عندما يتم تسليط الضوء على النساء دون ذكر الرجال، فالتراجع في الزواج ظاهرة تشمل الجنسين، كما أنها في انخفاض نسبي لدى النساء خلال العشرين سنة الماضية.

بالنسبة للفئة العمرية الأكبر، أشارت تقارير رسمية إلى أن 3 ملايين و671 ألف امرأة مغربية فوق 30 سنة لم يسبق لهن الزواج. هذا الرقم يعكس تحولات ديموغرافية واجتماعية متسارعة، لكنه لوحده لا يترجم بالضرورة عزوفا اجتماعيا أو اقتصاديا عن الزواج. عند المقارنة، نجد أن عدداً كبيراً من الرجال فوق 30 سنة أيضاً غير متزوجين لأسباب مشابهة. هذه المعطيات ترتكز على العداد السكاني العام ودراسات ميدانية، وتظهر أن الرقم ليس مجرد حالة فردية، بل جزء من دينامية أوسع تتعلق بالعلاقات الأسرية والتعليمية والاقتصادية.

الوصمة الرقمية ومواقع التواصل

انتشر الرقم المذكور بسرعة على منصات التواصل الاجتماعي، غالباً مع عبارات تحذر من ما أسموه “كارثة عنوسة”. وتداول بعض المستخدمين هاشتاغات ساخرة أو تعليقات تقلل من شأن النساء العازبات، فيما ركز آخرون على “وصمة العنوسة” الرقمية. بالمقابل، برزت أصوات تشجب هذا التحليل الأحادي؛ إذ دعت جمعيات نسائية إلى تجاوز النظرة النمطية المرتبطة بالزواج كمعيار للاستقرار، مؤكدين ضرورة تمكين المرأة اجتماعياً واقتصادياً بغض النظر عن وضعها الزوجي. ورأت منظمات حقوقية أن استخدام مصطلحات مثل “العانس” أو “العنوسة” وصمة تمييزية، داعية إلى اعتبار تأخر الزواج نتيجة طبيعية للتحولات الاجتماعية ولاختيارات فردية في أحيان أخرى، لا مرضاً يجب علاجه أو مصدر عار.

على صعيد النقاش العام، حرص بعض المغردين على عرض تجارب شخصية متوازنة، مشيرين إلى أن الرقم لا يعكس بالضرورة الواقع اليومي لكل امرأة، كما ركزت مجموعات نسوية على تثقيف الجمهور حول حقوق المرأة الفردية وتحطيم الصور النمطية القديمة، مؤكدة أن الزواج لم يعد معياراً وحيداً للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

ويمكن إرجاء النسبة إلى عدة عوامل مترابطة تدفع نحو تأجيل الزواج أو تجنبه، وهي مستقلة عن تصرف أحد الجنسين، مثل تدهور القدرة الشرائية وغلاء السكن والتعليم، مما يزيد صعوبة تأسيس أسرة مستقرة. البطالة تعد عاملاً آخر، إذ يعيش الشباب من كلا الجنسين بطالة نسبية، ما يحد من قدرة الرجل على تأمين الاستقرار المالي ويؤخر الاستقلال المالي للمرأة، وبالتالي يؤخر الزواج. كما يدفع التحصيل العلمي العالي العديد من النساء إلى تأجيل الزواج لاستكمال دراستهن والحصول على مؤهلات مهنية، فيما يسعى بعض الرجال لمزيد من المؤهلات قبل تأسيس أسرة.

زيادة انخراط المرأة في سوق العمل ونمو طموحاتها المهنية يساهم في تأخير الزواج أحياناً، إذ تصبح الأولويات الاقتصادية والمهنية جزءاً من قرار الزواج، مع رغبة في تحقيق الاستقرار المادي قبل الارتباط. كما تغيرت الأولويات الاجتماعية، فالأجيال الجديدة تنظر إلى الزواج على أنه خيار شخصي أكثر منه ضرورة اجتماعية، مع زيادة الوعي الاجتماعي وانتشار الإعلام الرقمي الذي يعرض أنماط حياة متنوعة، مما يتيح مزيداً من الحرية في تحديد توقيت الزواج بما يتناسب مع ظروفهم الشخصية والاقتصادية. هذه العوامل مجتمعة تشير إلى أن العزوف عن الزواج ليس دوماً قراراً ذكوريا أو قصوراً شخصياً، بل نتاج ظروف اقتصادية واجتماعية وهيكلية مشتركة.

تأخر سن الزواج: تحول مجتمعي طبيعي

تشير الظاهرة إلى أن رقم “3.6 مليون” يمثل جزءاً من تحولات اجتماعية أوسع تشمل الشباب من الجنسين، وتسلط البيانات الضوء على أهمية تعزيز الظروف الاقتصادية والاجتماعية الملائمة لتأسيس الأسرة، مع احترام خيارات الأفراد وإتاحة الحرية في اتخاذ القرارات المتعلقة بالزواج. النقاش الحالي يوفر فرصة لفهم التغيرات الاجتماعية المعاصرة وإعادة النظر في السياسات المرتبطة بالأسرة والسكن والتعليم، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الوصم المجتمعي.

تعكس الإحصاءات الأخيرة تحولاً مجتمعياً مستمراً، إذ يرتبط تأخر الزواج بعوامل هيكلية واقتصادية واجتماعية، ولا يمكن تفسيره على أنه قصور أو فشل شخصي للمرأة. فهم هذه الظاهرة ضمن السياق الأوسع يتيح التقدير الواقعي للتحديات، ويؤكد أن معالجة موضوع الزواج في المغرب ينبغي أن تقوم على السياسات الداعمة والمساواة بين الجنسين، بدلاً من الانصراف إلى الوصمة أو الحكم الأخلاقي على خيارات الأفراد.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *