ليلى شهيد: وجه فلسطين الأنيق في دهاليز الدبلوماسية الأوروبية وميادين النضال
بين رقيّ القدس وعقلانية باريس، جسّدت ليلى شهيد وجها دبلوماسيا استثنائيا نجح في “أنسنة” القضية الفلسطينية وتقديمها للعالم بلسان فرنكوفوني فصيح.
من أزقة مخيمات اللجوء إلى دهاليز السياسة الأوروبية، قادت معركة الرواية بذكاء ناعم، محوّلةً خطاب الضحية إلى مرافعة سياسية وحضارية عن الحق والكرامة.
في الثامن عشر من فبراير عام 2026 ، انطفأ في بلدة “لوسان” بجنوب فرنسا صوتٌ لم يكن مجرد صدى لدبلوماسية رسمية، كان تجسيدا حيا للقضية الفلسطينية في أبعادها الإنسانية والجمالية.
رحلت ليلى شهيد عن عمر ناهز 76 عاما، تاركة وراءها إرثا جعل منها “فلسطين المتجسدة” في العالم الفرنكوفوني، وواجهة حضارية نجحت في تحويل “خطاب الضحية” إلى “خطاب العدالة والكرامة”.
لم تكن ليلى شهيد مجرد سفيرة تحمل حقيبة أوراق، كانت “أيقونة” جمعت بين رقي القدس، وعنفوان بيروت، وعقلانية باريس.
جذور مقدسيّة وعمرٌ من المنفى
وُلدت ليلى المنيب الحسيني شهيد في بيروت عام 1949 في عائلة لم يكن الانتماء الوطني بالنسبة لها خيارا، بل كان قدرا محتوما.
تنحدر من سلالة عائلية شكلت واحدة من أعمدة الحركة الوطنية الفلسطينية؛ فوالدتها سيرين الحسيني شهيد ابنة شقيق مفتي القدس أمين الحسيني، وجدّ والدتها فيض العلمي كان رئيسا لبلدية القدس.
أما والدها، الدكتور منيب شهيد، فكان أستاذ طب مرموقا في الجامعة الأمريكية ببيروت، وهو من عائلة تعود جذورها لعكا ويمتد نسبه إلى “بهاء الله” مؤسس الديانة البهائية.
هذا التكوين العائلي الفريد، منحها “وعياً مبكراً بالمأساة”، إذ أُخرجت عائلتها من فلسطين إبان الانتداب البريطاني بسبب “نشاطها القومي”. نشأت ليلى في بيروت الستينيات، وتلقت تعليمها في المدرسة البروتستانتية الفرنسية، فصقلت لغتها الفرنسية، التي ستصبح لاحقا، سلاحها الدبلوماسي الأقوى.
الصحوة النضالية: من البرجوازية إلى المخيمات
كانت حرب عام 1967 نقطة التحول الكبرى في حياة الشابة التي كانت تؤدي امتحانات البكالوريا يوم اندلاع الحرب. تصف ليلى تلك الهزيمة بأنها “الصحوة الكبرى”، فقد دفعتها إلى التخلي عن حياتها البرجوازية المحمية في بيروت، ثم الانضمام إلى حركة “فتح”، وتكريس نفسها للعمل الاجتماعي والسياسي في مخيمات اللاجئين في جنوب لبنان.
درست ليلى علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في الجامعة الأمريكية ببيروت، وحصلت على الماجستير عام 1974 بأطروحة حول “البنية الاجتماعية للمخيمات الفلسطينية”، ثم انتقلت إلى باريس لإكمال الدكتوراه. كانت تؤمن أن فهم “بنية المنفى” هو الخطوة الأولى لمواجهته. لذلك، وصفت سنوات عملها في مخيم “شاتيلا” بأنها “أجمل سنوات حياتها”.
الشاهدة على المأساة: جان جينيه وأربع ساعات في شاتيلا
ارتبط اسم ليلى شهيد بعلاقة استثنائية مع المثقفين العالميين، وكان أبرزهم الكاتب الفرنسي المتمرد “جان جينيه”؛ ففي سبتمبر 1982، اصطحبت جينيه ليدخل مخيمي صبرا وشاتيلا فور وقوع المجزرة البشعة
تلك المشاهد المروعة ألهمت جينيه كتابة نصه الخالد “أربع ساعات في شاتيلا”، كما رسخت في وجدان ليلى ضرورة امتلاك “سلاح الرواية” لمخاطبة الضمير العالمي. ظلت وفية لهذا النهج الثقافي، فتولت رئاسة تحرير “مجلة الدراسات الفلسطينية” في باريس، إيماناً بأن الهوية الثقافية هي خط الدفاع الأخير عن الوجود.
رائدة الدبلوماسية النسائية: الذكاء الناعم في مواجهة التحديات
في عام 1989، دخلت ليلى شهيد التاريخ كأول امرأة تعينها منظمة التحرير الفلسطينية سفيرة لها في الخارج، فبدأت مسيرتها من إيرلندا، ثم هولندا والدنمارك. كانت المهمة شاقة، إذ واجهت بروباغندا مضادة شوهت صورة الفلسطيني عقوداً طويلة.
مع توقيع اتفاقات أوسلو عام 1993 ، ُينت مندوبة عامة لفلسطين في فرنسا. هناك عاشت “عصرها الذهبي”، فنجحت بفضل “ذكائها الناعم” ورصانتها في اختراق دهاليز السياسية، كما بنت علاقة استثنائية مع الرئيس “جاك شيراك”. لم تلجأ إلى الصراخ، اعتمدت الحجة والبرهان واللغة الأخلاقية، فأصبحت ضيفة دائمة ومؤثرة في الإعلام الفرنسي.
الوفاء لعرفات والتمسك بالحقوق
لم تكن علاقتها بياسر عرفات علاقة سفيرة برئيسها. كانت أقرب إلى علاقة ابنة روحية بقائدها. تجلى هذا الوفاء عام 2004 عندما أصبحت “الناطق الرسمي” باسم فلسطين والزعيم المحاصر أثناء علاجه في مستشفى “بيرسي” بباريس.
وقفت برصانة تجمع بين الدبلوماسية والتأثر الإنساني، فنقلت للعالم أخبار عرفات حتى لحظاته الأخيرة، ثم رافقت جثمانه في رحلته الأخيرة.
بعد ذلك، انتقلت إلى بروكسل عام 2006 لتكون مفوضة فلسطين لدى الاتحاد الأوروبي. هناك وسعت أفق النضال ليشمل المؤسسات الجماعية الأوروبية، كما أطلقت مشاريع ثقافية ضخمة مثل موسم “مسارات” عام 2008، بهدف تغيير الرؤية الأوروبية تجاه فلسطين من “قضية إغاثية” إلى “كيان حضاري مبدع”.
الاستقامة الأخلاقية وقلق المنفى
رغم مسيرتها الحافلة، لم تكن ليلى شهيد يوماً “موظفة طيعة”، فقد امتلكت شجاعة نقد الذات والمنظومة السياسية الفلسطينية. في عام 2012، عبرت بمرارة عن فشل مسار المفاوضات الذي لم ينجح في إنهاء الاحتلال أو حماية الأراضي.
عند تقاعدها عام 2015، لم يكن القرار سعياً إلى الراحة. كان تعبيراً عن إحباط من “التنازلات غير الشريفة” والفساد، إضافة إلى رفضها للأيديولوجيات السلطوية.
ظلت تعيش حالة من “التمزق الدائم” كما وصفتها عام 1993، بين انتمائها لشعبها وحاجتها إلى النضال، ثم بين رغبتها في حياة عادية هانئة بعيداً عن أثقال السياسة. تزوجت من الكاتب المغربي محمد برادة، وعاشت سنوات بين بيروت والمغرب وفرنسا، مع بقاء فلسطين ساكنة في وجدانها حتى الرمق الأخير.
الرحيل التراجيدي والبوصلة الباقية
في سنواتها الأخيرة، تابعت بوجع ما وصفته بـ”الإبادة الجماعية” في غزة، كما حذرت من تداعيات السياسات الإسرائيلية الرامية إلى ضم ما تبقى من الأرض. رحلت في ظل ظروف تراجيدية، إذ رجحت التحقيقات الأولية فرضية “الانتحار” في منزلها بجنوب فرنسا بعد صراع مع المرض.
اعتبر كثيرون أن رحيلها لم يكن فعلاً يائساً، كان “صرخة احتجاج أخيرة” ورفضاً للعيش في عالم عاجز عن وقف المذابح في وطنها.
رحلت ليلى شهيد، وتركت إرثاً “للحارس الملاك” الذي أنسن القضية وقدم الفلسطيني للعالم كمثقف وفنان وأكاديمي.
أثبتت أن الدفاع عن الوطن يبدأ بالدفاع عن “إنسانية العالم”، وأن البورتريه الذي رسمته بكلماتها وأناقتها ونضالها سيظل بوصلة للأجيال القادمة التي تؤمن بأن العدالة، مهما تأخرت، هي حتمية تاريخية.



