السماوي … حين ينهزم العقل أمام الخوف
ما يميّز السماوي وأمثاله ليس امتلاكهم لقدرات خاصة، بل إتقانهم لآليات نفسية دقيقة.
هم يعرفون كيف يقرؤون نقاط الضعف، كيف يستخدمون لغة الوعد المبهم، كيف يخلقون هالة من الغموض والرهبة، وكيف يستثمرون في الإيحاء بدلاً من التصريح المباشر.

في كل مرة يتكرر المشهد ذاته بتفاصيل شبه متطابقة: شخص يدّعي امتلاك قوى خارقة، ضحايا ينساقون خلف وعود بالشفاء أو الثروة أو حل المستحيل، ثم تنكشف الحقيقة ليتبين أن الأمر لم يكن سوى احتيال منظّم.
“السماوي” في المغرب هو مجرد اسم جديد في سلسلة طويلة تمتد عبر الجغرافيا والزمن، من المشعوذين إلى الدجالين إلى من يتاجرون بآلام الناس ويأسهم.
لكن السؤال الحقيقي ليس عن هوية المحتال القادم، بل عن الأرضية التي تسمح لمثل هؤلاء بالازدهار مرة تلو المرة. لماذا يتكرر هذا المشهد بانتظام مزعج في مجتمعاتنا العربية؟
ليست مجرد سذاجة
من السهل اختزال هذه الظاهرة في “سذاجة الضحايا” أو “جهلهم”، لكن هذا التفسير المريح لا يفعل سوى إعفائنا من مسؤولية فهم ما يحدث حقاً. الواقع أعمق وأكثر إيلاماً: ما نشهده هو انهزام مؤقت للعقل النقدي أمام ضغوط نفسية واجتماعية واقتصادية هائلة.
حين يجد الإنسان نفسه محاصراً بالمرض المزمن، الفقر المدقع، البطالة، أو انسداد الأفق، يصبح أكثر قابلية للتشبث بأي وعد بالخلاص، حتى لو كان منطقه يخبره بهشاشة هذا الوعد. هنا لا يتعلق الأمر بغياب الذكاء، بل بحالة من اليأس تجعل الوهم أكثر احتمالاً من استمرار الألم.
الضحية ليست “ساذجة” بالضرورة، بل هي في الغالب إنسان منهك، يعيش تحت ضغوط لا يراها من يسخر منه. إنسان لم يجد في المؤسسات الرسمية حلاً لمشكلته الصحية أو المالية، فلجأ إلى ما يبدو له الخيار الوحيد المتاح. وهذا بحد ذاته سؤال عن فشل منظومات الصحة والحماية الاجتماعية والدعم النفسي.
آليات الخداع: حين تصبح اللغة سلطة
ما يميّز “السماوي” وأمثاله ليس امتلاكهم لقدرات خاصة، بل إتقانهم لآليات نفسية دقيقة. فهم يعرفون كيف يقرؤون نقاط الضعف، كيف يستخدمون لغة الوعد المبهم، كيف يخلقون هالة من الغموض والرهبة، وكيف يستثمرون في الإيحاء بدلاً من التصريح المباشر.
العقل لا يُلغى بالقوة، بل يُعاد توجيهه. يحدث ذلك عبر خليط من الخوف والطمع والأمل، حيث تتحول اللغة إلى أداة هيمنة، والوعود إلى بديل عن التفكير المنطقي. وفي لحظة الانكسار النفسي، يتنازل الفرد عن حكمه الذاتي مقابل شعور ولو مؤقت بالأمان أو بإمكانية التغيير.
الخلط الخطير بين الإيمان والخرافة
تزدهر هذه الظواهر بشكل خاص حين تختلط الحدود بين الإيمان بالغيب كأفق أخلاقي وروحي، وبين استغلال هذا الإيمان كأداة للابتزاز والسيطرة. فالمحتالون يدركون جيداً كيف يوظّفون المرجعية الدينية أو الروحية لإضفاء الشرعية على ممارساتهم، مستغلين تقديس الناس لكل ما يبدو مرتبطاً بالغيب.
وعندما يغيب التفكير النقدي وتضعف الثقافة الدينية الواعية، يصبح من السهل تحويل الإيمان إلى أداة للسيطرة، والطاعة إلى بديل عن الاختيار الحر. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: فالمسألة لا تتعلق بالدين أو الإيمان في جوهره، بل بتوظيفه بطريقة تلغي العقل وتستبدل المسؤولية الفردية بالتبعية العمياء.
المواجهة الحقيقية: من الجذور لا من الأعراض
مواجهة ظاهرة “السماوي” وأشباهه لا تكون بالملاحقة الأمنية وحدها، مهما كانت ضرورية، ولا بالسخرية من الضحايا أو وصمهم اجتماعياً. المواجهة الحقيقية تبدأ من أسئلة أعمق:
كيف نبني منظومة تعليمية وثقافية تغرس التفكير النقدي منذ الطفولة؟ كيف نعيد الثقة في المؤسسات الصحية والاجتماعية حتى لا يضطر الناس للجوء إلى الدجالين؟ كيف نخلق خطاباً دينياً مستنيراً يحصّن الناس من الاستغلال باسم الدين؟ وكيف نحوّل الحرية الفردية من عبء يُهرب منه إلى مسؤولية يفخر الإنسان بممارستها؟
في النهاية…
في النهاية، ظاهرة “السماوي” ليست معزولة ولا عابرة. إنها عرض من أعراض أزمة أوسع: أزمة إنسان فقد أدوات الفهم في مواجهة تعقيدات الحياة، فاستعاض عنها بالهروب إلى الوهم. أزمة مجتمع لم يوفر شبكات الأمان الكافية، فترك أفراده فريسة سهلة لمن يتاجر بآلامهم.
ومجتمع لا يعالج جذور هذه الأزمة سيجد نفسه كل مرة أمام “سماوي” جديد، باسم مختلف، وبالآلية نفسها. والسؤال الذي يجب أن نواجهه ليس متى سيظهر المحتال القادم، بل: هل سنظل نكتفي بالصدمة والاستنكار في كل مرة، أم سنبدأ أخيراً في معالجة الأسباب التي تجعل مجتمعاتنا أرضاً خصبة لمثل هذه الظواهر
