مجتمع الاستهلاك: هل نحن أمام سلوك غير عقلاني؟ - Marayana
×
×

مجتمع الاستهلاك: هل نحن أمام سلوك غير عقلاني؟

أتاحت التحولات المُجتمعية، بروز أنماط جديدة للاستهلاك عبارة عن موضة تحتكم للتوازنات الاجتماعية أكثر من الحاجة الفردية، وهو ما يضعنا أمام تلاشي واختفاء الصفة الوظيفية والنفعية لأدوات عديدة يتم استهلاكها.
هل يدفع مجتمع التسليع نحو التأثير على الانسانية؟ وهل نتجه إلى مجتمع خالٍ من القيم الكونية حيث يكون فيه كل شيء قابلا للبيع؟

هل أصبحنا نعيش اليوم في مجتمع السلعة؟

ربما يبدو الأمر صحيحاً، إذا ما نظرنا إلى ما قاله كارل ماركس حول الرأسمالية التي دنست كل شيء ليُصبح سلعة. هل تحول المجتمع لسلعة بتغيير أنماط الاستهلاك؟

فكرة كارل ماركس وفريديريك إنجلز حول الرأسمالية التي تدفع نحو الإفراط في الاستهلاك، تقود نحو قول المستهلك: “أنا أستهلك… إذن أنا موجود”.

ما مجتمع الاستهلاك؟

الاستهلاك، حسب جان بودريار، هو نمط من النشاط الممنهج، وفِعل استجابة دائم يشكّل نظامنا الثقافي حول العالم. في هذا النظام، تغذّي الشركات العملاقة رغبات لا يمكن كبحها.

يشير الكاتب عبد الهادي صالحة في دراسة على “مجلة الرافد” الرقمية، منشورة بتاريخ 19 دجنبر2021، أن مصطلح “المجتمع الاستهلاكي” يُستخدم للدلالة على المجتمع الذي يتم فيه تشجيع المستهلكين على استهلاك السلع والخدمات بكثرة.

حسبَ ذات المصدر، فقد ظهر هذا المصطلح في الأعوام 1950-1960، في أعمال الاقتصادي الأمريكي جون كينيث جالبريث (1908-2006)؛ لتعكس ظهور انتقادات لأسلوب الحياة الغربي.

إذا نظرنا إلى الاستهلاك من وجهة نظر عالم الاجتماع جان بودريار، الذي قدم مشروعا نقديا لمجتمع الاستهلاك، فإنه يرى أن هذا الأخير عنصر هيكلي للعلاقات الاجتماعية. على مستوى الفرد، لم يعد الاستهلاك وسيلة لتلبية الاحتياجات، بل وسيلة للتمايز.

تحول بنيوي وسلوك جماعي

هل الاستهلاك فعل اجتماعي أم ثقافي؟

حسب بودريار في كتابه “المجتمع الاستهلاكي”، فإن هذا الأخير يشير إلى أن الاستهلاك يعبر عن رغبة جماعية مرتبطة بسلوك يقوم به عدد كبير من المستهلكين.

هل للاستهلاك علاقة بسطوة الانترنت والتكنولوجيا المعاصرة؟ سؤال نجد له جوابا عند الباحثة صابرين زغلول السيد، من خلال دراسة لها على مجلة الاستغراب، العدد 11، سنة 2018.

تفيد الباحثة أنَّ المجتمع الاستهلاكي عند بودريار هو من مظاهر التكنولوجيا المعاصرة، الذي بدأ في الدول المتقدمة الغنية كتطور طبيعي، نتيجة لارتفاع مستوى الدخل، بعد أن أشبع الناس حاجاتهم الأساسية؛ وقد ساعد ذلك ضغط الحكومات والمؤسسات الكبرى لفتح أبواب الاقتصاد قبل أن يشبع الحاجات الضرورية لمعظم الناس.

تشير الدراسة إلى أن الاستهلاك كان عند بودريار بمثابة السمة الرئيسة للمجتمعات الغربية، حيث إنه الاستجابة العالمية التي ترتكز عليها المنظومة الثقافية بأكملها.

عصر الأغراض

يبدو جليا من خلال رأي بودريار والتحليلات التي رافقت طرحه الفكري، أن الإنسان لم يعُد يستهلك مستلزماته من منظور حاجاته البيولوجية، بل يتجاوز إلى الرغبة في تحقيق الإشباع على المستويين النفسي والاجتماعي.

يهدف هذا التجاوز إلى الحفاظ على توازن العلاقات بين الأفراد من جهة والمساهمة في إضفاء الشرعية على كل المؤسسات الساهرة على ترويج ثقافة الاستهلاك، من أجل تحقيق الهدف العام لنظام الأشياء.

لقد صار الإنسان اليوم يُقاس انطلاقا من مستواه الاستهلاكي، ومن الماركات التي يقتنيها ويضعها في منزله. إنه عصر الأغراض، كما أسماه بودريار حين قال: “إننا نعيش في عصر الأغراض: أعني نعيش على إيقاعها وبمقتضى تعاقبها المتواصل، فنحن الذين نشهد ولادتها اليوم، ونشهد اكتمال موتها”.

يقول بودريار في كتابه: “نحن محاطون بأشياء تُنتج بكميات هائلة، ويبدو كأنه ليس لها فائدة جليّة، قيمتها لا تُستمد من وظيفيتها، بل من معناها الثقافي يصبح فعل الاستهلاك حدثًا اجتماعيًّا. إن الحشود الأكبر والأكثر تكرّرًا التي نراها هي متسوّقو صباح السبت، ونقوم بمحاكاة سلوكهم لأن المحاكاة تعبّر عن رغبتنا بالانتماء إلى القطيع”.

الاستهلاك المفرط وعصر النهاية

داخل هاته المُستويات، لا مكان للحرية والاستقلالية، بل المجال لا يغدو أن يكون رغبة الجميع في التسوق. وهذا ما أسماه بودريار “إنها الراحة المحببة لذهنية القطيع. لا نرى جمهور الأفراد المنفصلين الذين يجلسون في المنزل ولا يشترون. إن حقيقة أن الاستهلاك جليّ هكذا هي ما يجعلنا نفكر أنه عادي، لكنه ليس هكذا”.

على سبيل الختم، لقد أتاحت التحولات المُجتمعية، ما بعد الحداثة ومجتمع الاستهلاك والسلعة وغيرها، بروز أنماط جديدة للاستهلاك عبارة عن موضة تحتكم للتوازنات الاجتماعية أكثر من الحاجة الفردية، وهو ما يضعنا أمام تلاشي واختفاء الصفة الوظيفية والنفعية لأدوات عديدة يتم استهلاكها.

هذا يدفعنا للسؤال…

هل يدفع مجتمع التسليع نحو التأثير على الانسانية؟ وهل نتجه إلى مجتمع خالٍ من القيم الكونية حيث يكون فيه كل شيء قابلا للبيع؟

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *