الأنوثة في مواجهة المقدّس: قراءة في “الكافرة” لعلي بدر - Marayana
×
×

الأنوثة في مواجهة المقدّس: قراءة في “الكافرة” لعلي بدر

في رواية “الكافرة” لا تُعلَن فاطمة الحرب على الله، بل على صورته التي رسمها الرجال، الجسد يتحوّل من خطيئة إلى وسيلة نجاة، والإيمان إلى اختبار قاسٍ للحرية.
فاطمة، التي صارت صوفي البلجيكية، لا تكفر بالدين بل بالهيمنة التي تتخفّى باسمه. رواية علي بدر تمزج الاعتراف بالتمرد، وتعيد تعريف الخلاص كفعل أنثوي في وجه الطاعة.

يتناول علي بدر في رواية “الكافرة” سردية صادمة تصوّر حياة امرأة عراقية وسط عنف المتشددين والتقاليد المحافظة. يبرز النصُّ أهمية روايات المهجر العراقي في تصوير التواريخ الهامشية وقصص المهمشين.

تحكي الرواية قصة فاطمة، الفتاة البسيطة التي شهدت الويلات في ظل سيطرة المتطرفين الذين أجبروها على خدمتهم بعد فقدان والدها في عملية انتحارية.

تتفاعل هذه القصة مع تساؤلات راهنة عن الهوية والجسد والحرية تحت ضغط السلطة الذكورية والمؤسسات الدينية، وصيغة السرد فيها شيقة وعميقة في آن، تتمثل أهميّة النصّ في استعراض تجارب امرأة ما بعد “السبي” أو النجاة من المحن، في مجتمع ذكوري يعود لأصوله الأولى في شكل تشدد ديني.

الجسد والهوية: التمرد كإعادة خلق الذات

يتجلّى محور الجسد والهوية كمصدر للتمرد الفردي لدى البطلة، فالجسد المؤنث بالنسبة إليها مجال خضوع للرغبات والمراقبة، بل مصدر للخوف أولاً ثم قوة لاحقاً. في مرحلة المراهقة المبكرة، شعرت فاطمة بأن جسدها ينمو ويشتهي خارج إرادتها، وأصبح “مشتهى ومرغوباً رغماً عني” من قبل الآخرين.

تبرز هنا  السلطوية بوضوح؛ إذ أن بروز مظاهر الأنوثة  تجلب نظرات الرجال نحوها فجأة، فتجعل الجسد مركز قلق وكراهية. وواقع أجابت عليه الرواية على لسان البطلة: ”جسدي ليس لي” متحكما به من سلطة الأب والمجتمع.

الضغط الديني المتشدد الذكوري، انبثقت عنه الرغبة في التمرد الفردي وامتلاك صوت داخلي يردّ على التبعات القسرية للتقاليد؛ فعندما ترفض البقاء أسيرة لهويتها الإسلامية التقليدية، تقرّر تغيّر اسمها بالكامل بـ”صوفي البلجيكية”. يعكس هذا القرار عمليّة إعادة اختراع الذات كهوية جديدة تختزن انتصارا فردياً على ماضيها الصادم؛ فـ”لم أعد فاطمة العربية إنما صوفي البلجيكية” تعني طلاقاً أيديولوجياً عن جذورها القديمة.

يتحوّل تغيير الاسم إلى طقس رمزي يمنحها طاقة على لسانها وروحها تفوق ما كان عليها، وتعتزم مغادرة أماكن الغربة التي لا يسكنها إلا المهاجرون لتسعى إلى حياة أفضل. باختصار، تمثل معاناة الجسد الأنثوي مكان انطلاق للهوية المتمردة: جسدٌ كان ساحة قمع ورهبة يتحوّل إلى أداة إعادة بناء للذات.

الدين والسلطة الرمزية: فتوى ضد الحياة

يستثمر النص الدين كمؤسسة للسلطة الرمزية التي تشرعن القمع الذكوري، تستخدم سلطة الأب والعشيرة المبررات الدينية لإخضاع فاطمة، فيقول لها والدها: “إن فقدت بكارتها فقدت حياتها”، متوعداً إياها بردع أخلاقي يستمد من التراث الديني. يراهن الخطاب الأبوي على ارتباط شرف المرأة بعذريتها كأساس للفتاة، ما يجعل جسدها “ماسة” يجب حمايتها. في مشهد آخر، تتغول المؤسسة الدينية المضمرة في الرواية عندما يصدر “فتوى” بمحاكمة المرأة التي لا تلتزم بالقوانين المتشددة؛ فيتلقّى القارئ إعلان عقابها بالرجم بعد صلاة الجمعة: “هذه الفتوى… لقد حكمت عليها بالرجم بعد صلاة الجمعة”. هذا القرار يجعله بمثابة استدعاء للجماهير للتضامن مع رجال التنظيم؛ فقد “استيقظت المدينة… كل الناس” وهرعوا لمشهد الرجم ليشهدوا تحقيق قانونهم.

تظهر الرواية كيف تتحول الرموز الدينية إلى سلطة فوقية تلاحق الجسد الأنثوي وتُسلّط عليه حدّ الشريعة، كما تزعم الرواية بأن الممارسات المتشددة ما هي إلا وجه جديد للجاهلية تحت غطاء الدين. في مقابل ذلك، يواجه صوت الفتاة تلك السلطة بأسئلة منطقية: “هل هذا هو العدل الإلهي يا أبي؟… ماذا سيفقد الرجل؟… جسدي ليس لي؟”. هذه الأسئلة عن مفهوم العدل الإلهي ونقد فكرة شرف الرجال “المرتبطة بالعذرية” تظهرها الرواية بمثابة تنديد ضمني بالاستغلال الديني للمرأة. كانت محادثة فاطمة مع والدها صرخة احتجاج  وثورة على المنطق الديني الذكوري.

العائلة كسلطة أولى للقمع

يتضح في مسار الرواية أن العائلة الشرقية التقليدية تمثل السلطة الأولى التي تصطدم بها فاطمة. يحكم الأب العشائري المشهد بكل جبروته: يتصف بالغلظة، وكان “أكثر الرجال إثارة للخوف في القرية… لم يستطع أحد أن ينظر في عينيه”. يظهر الأب ككيان فوقي وشبه مقدس، ينظر إلى ابنته بعين رجل متشكك وهي تنمو وتبوح بمشاعرها. يبادر الأب إلى فصل الحياة الأسرية عن أي تواصل حميم، ويترجم خوفه بالتهديد المستتر لأعراض العائلة و”سمعة القرية”. في مقابل مركزية الأب، يتحوّل الكاتب إلى الزوج الرجل المتنمر عليه داخل دائرته الخاصة، لكنه كذلك يسعى إلى إثبات ذاته عبر “عملية انتحارية” بشراء مكرمة زائفة (سبعين حورية).

أما الأم، فتنحصر مهمّتها في الإذعان الخاضع؛ فتبقى مستكينة أمام الأب وتخاطبه بلغة الخضوع، إذ: ”حين تتكلم مع أبي، فلها همهمة منخفضة… وإن طلب منها شيئاً فإنها لن تقول سوى: نعم، ويبرز دور الأم حاضراً بضعفها وسكونها في وجه عنف الأب: “لا تضرب على وجهي… البنت نائمة، لا أريدها أن تسمع”. يُزيِّن النص صور العائلة المبنية على التراتبية والسلطة الأبوية المشدّدة، ما يضع فاطمة في مواجهة قاسية مع قواعد التربية الأبوية. هنا، رواية “الكافرة” تُصوّر العائلة كفضاء خضوع أول، تتصارع معه فاطمة على امتلاك صوتها المستقل في النهاية.

العمل كعبورٍ من العبودية إلى الخلاص المنقوص

يتناول النص عمل المرأة كأنه “عبودية طوعية”، فيجعل البطلة تسعى دوماً للخروج من نطاق العمل الفقير والمهين. في بيئتها الأولى، تضطرّ فاطمة ووالدتها للعمل كخادمتين لدى المسلحين، فتقيمان في “منزل صغير ملحق بمنزل المسلحين”، ينظفان صباحاً ويقضيان يومهما في الخدمة الشاقة. تصف الرواية حالة الفقر واليأس: “عملنا أنا وأمي في خدمتهم. أنهض منذ الفجر لكي نقوم على خدمة وإطعام رجال عابسين وصامتين…”. تعكس هذه العبارة الإذلال اليومي وحالة الخوف المستمرة من سلطة الرجال، فيصبح العمل عبئًا ثقيلًا يغوص الجسد الصغير فيه حتى الغروب. تتغلغل مشاعر الغربة حين تعيش في ظل مناخ عائلي قاسٍ ومكلف بدفع متطلبات الآخرين دون نقاش.

ومع انتقالها إلى أوروبا مهربة على أمل الانعتاق، تمكث في مؤسسات اللجوء حيث تبدأ “حيلة” جديدة للبقاء: تلتقط أثاثاً معطوباً يرميه البلجيكيون وتعيد تصليحه لبيعه في السوق المحلي. يكشف النص بذلك استمرارية العمل القسري على جسدها: بعد أن كانت تكدح كخادمة، تجد نفسها تعمل بائعة مخلفات ومصلحة للقطع المهملة. وعلى رغم حصولها على اللجوء الرسمي وتعلمها لُغات جديدة، تواجه العزلة الاجتماعية والإهانة من مجتمعات المهاجرين.

تشعر بالغرابة في الغربة حين يصورها النص “لاجئة فقيرة” في شقتها التي تزداد بشاعة في نظرها. تفقد فيها كلّ معاني الجمال والحنان، في كل محطة من عملها يتسرب شعور بالغربة عن المجتمع الجديد والمجتمع القديم، إذ يبقى خطاب العوز شاقاً ويصطدم الأمل بالواقع الصارم.

الحب وخيبة التلقي: الشغف المحرم ووهم الخلاص

تُعالج الرواية الحب باعتباره شغفاً محرماً ومعضلة تعيد تشكيل الهوية. خُطفت الفتاة من تجربة عاطفية بدائية في صغرها، عندما منعها والدها من تبادل النظر مع شاب حبّيب: “لم يكن الحب مسموحاً لي”. يعلّمهما المجتمع أنّ الابتعاد عن الحُب واجب للحفاظ على الشرف الأسري. وفي مراحل لاحقة، تنبض صوفي عشقاً جديداً أوروبيّاً حين تعرف “أدريان”؛ فتنهمر العواطف وتعاهد ذاتها على الاستسلام الكامل: قررت… أن تكرّس نفسها جسداً وروحاً له. تبني صوفي أمالها على قصة حب غير عادية وسط هدوء بافاريا الصافية؛ تشعر بأنها وجدت رجلاً يفهمها ويشاركها من الحنان ما يفتقده مجتمعها.

لكن الرواية تصنع من الحب تجربة مفخخة: على رغم شهادة الحب الأولى والتصميم لتكريس الذات، يبقى الرجل غامضاً، ويبتعد شيئاً فشيئاً. تتبدد الآمال حين يشعر كلا الطرفين بأشياء لا يستطيعان التعبير عنها، إن خيبة التلقي تظهر في نهاية الأمر خفيةً أكثر منها مباشرة: علاقة صوفيا الحارة مع أدريان لا تختتم نصاً مستقراً بل تظل معلقةً بين اللقاء والافتراق، ويبقى التأثير النفسي للقصة هو ألم الافتراق المتوقع، يطفو في الأخير إحساس بأن الحب في رواية “الكافرة” خاتم يحطم الوهم تماماً مثل قوانين الرجل.

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *