العمل الجمعوي… من ثقافة الحق إلى تجارة الإحسان - Marayana
×
×

العمل الجمعوي… من ثقافة الحق إلى تجارة الإحسان

الانفصام بين التنظير القانوني والعمل الجمعوي الميداني، نتجت عنه فوضى وعشوائية أدت لترسيخ مظاهر البؤس والحرمان، وجعلت العمل الاجتماعي مرادفا لوجود واقع بئيس وسُنةً حسنة يجري فيها التقاط الصور كل عام لصفوف الفقراء وداخل دور الرعاية الاجتماعية وموائد الرحمن…
وكأن الجمعيات وجدت لتأبيد العمل الإحساني الموجه للفئات الهشة وليس المساهمة في القضاء عليه.

حسن الحو
حسن الحو

إرادة الخير للناس وتعميم شروط العيش الكريم هو مطلب سياسي وإنساني، دون الحديث عن بواعثه البيولوجية، هذه الارادة التي تغذيها روافد متعددة تطورت بتطور الوجود الانساني فتعددت مظاهرها وتفرعت للحد الذي أصبح لديها مؤسسات وفلسفة وتشريعات…

في المجتمعات البدائية النيوليتية كانت مظاهر الخيرية والتعاون قاصرة على أفراد العشيرة لمواجهة الأخطار والتعاون على الاستمرار والبقاء، لتكتسي فيما بعد، مع بزوغ فجر الدولة-المدينة في بلاد الرافدين، صبغة دينية؛ حيث أصبح فعل الخير شرعة محمودة يثاب ويعاقب عليها، في مقدمة شريعة “حمو رابي” يصرّح بهدفه الأخلاقي في ديباجته قائلا:

«أنشرُ العدل في الأرض.

وأقضي على الشر والفساد.

حتى لا يظلم القوي الضعيف.

ولأُحقق الخير للناس»

استمرت هذه النظرة الدينية لفعل الخير طوال القرون الوسطى عبر الحضارات الكبرى التي استوطنت ضفتي البحر الأبيض المتوسط، وكانت أهم مميزاتها:

الطبيعة الإلهية للخير والتعاون.

تقسيم المجتمع لطبقة غنية نبيلة متصدقة وطبقة فقيرة مستحقة للمعروف.

التطبيع مع مظاهر البؤس والحرمان واعتبارها ملاذا أمر به الإله لتصريف الخير وضمان الآخرة.

استغلال قيمة الخير سياسيا بحشد الضعفاء والمهمشين عبر منحهم الفتات لتأييد توجه سياسي أو رفضه.

فشل المنظومة الخيرية في التخفيف من مستوى الفقر والطبقية الاجتماعية.

هذا الفشل السياسي والاجتماعي أدى إلى ميلاد الدولة الحديثة في أوربا. دولة جاءت بعد ثورات دامية كان سببها اتساع الفجوات الاجتماعية وشيوع مظاهر البؤس والحرمان واستبداد النخب السياسية، ليُستأنف التفكير من جديد في تخليص قيمة الخير من دوافعها البيولوجية والدينية التي تجعل الخير محدودا في غاية واحدة: استمرار النوع البشري بغض النظر عن الشروط الكريمة لهذا الاستمرار.

تبنت الرأسمالية الصاعدة في الدول الحديثة خطاب الرفاهية، وجعلت من العلمانية وسيلة لفصل قيمة الخير عن شرائع الأديان. لكن، ما لبثت أن أخلفت الموعد مع التاريخ وجلست على نفس كراسي الاستبداد، لكن هذه المرة بصبغة اقتصادية حيث احتكرت وسائل الانتاج، ودفعت بملايين العمال في دورة إنتاجية لا ترحم، ثم سعت لتصريف فائض إنتاجها والبحث عن موارد لاستمراره عبر امبريالية متوحشة استعمرت دول المهمشين في العالم الثالث.

ضاعت قيمة الخير من جديد وسط الحديد والدم، وارتدى الرأسماليون لباس الإقطاع عبر تأسيس نوادي وجمعيات خيرية لتلميع صورة متسخة جشعة لا تختلف في توجهها عن أئمة الأديان في الدعوة للمسح على رؤوس الأيتام وأرحام الارامل.

في ظل واقع مأزوم يتغذى على فوارق اجتماعية صارخة، ظهرت الثورات الاشتراكية يقودها العمال والفلاحون والمهمشون متسلحة بتنظيرات لمفكرين كبار كماركس وأنجلز وغرامشي… كانت الغاية إنزال التوحش الرأسمالي من عروشه لاستخلافه بقوى العمال والتأسيس لمجتمعات مشاعية تشترك في كل شيء، جاعلة الكرامة الانسانية والخيرية الاجتماعية حقا لكل أفراد المجتمع. نجحت ثورات هنا وأخفقت هناك، لكن الناجح منها خالف التنظير الفكري الوردي وأسس لديكتاتوريات حكمت باسم الاشتراكية، لكن واقعها لم يختلف عن أية فاشية سياسية، وأجمل ما يمكن أن يورث عن الثورات الاشتراكية هو فكرها الأكاديمي فقط، هذا الفكر الذي شذب توحش الرأسماليات الغربية وجعلها تدخل تعديلات اجتماعية على اقتصادياتها بإنعاش الطبقات المتوسطة، وضمان الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية لكل مكونات المجتمع في أفق توسيعها لتشمل كل الناس.

شعارات كبرى وفلسفة جديدة تتغيا في أهم أبعادها جعل التعاون والخيرية يخضعان لنظام مؤسساتي وثقافة الحق عوض التصدق والإحسان، تمخضت عن تأسيس مؤسسات محلية ودولية كثيرة كصناديق التضامن الاجتماعي والتأمينات المهنية، وهيئة الأمم المتحدة التي تفرعت عنها اليونيسكو واليونسيف…

انتعش التعاون والخيرية العابرة للقارات، كما تبنى المنتظم الدولي مواثيق دولية تهم حقوق الطفل والمرأة والعمال، للحد من الفوارق الاجتماعية والاقتصادية.

في غمرة هذا التحول العالمي للنظر إلى ثقافة التعاون والخيرية، انخرطت الجمعيات الدولية والمحلية في هذا التوجه الذي يسعى لإشاعة الخير والتخفيف من البؤس والحرمان.  لكن العمل الجمعوي الغربي الذي انبثق من رحم المعاناة وساهم في بناء الراسمال الفكري للعمل الاجتماعي، استطاع تمثل القيم الجديدة جاعلا الانسان محور اهتماماته الخيرية، بينما وقف العمل الجمعوي الهجين بدول العالم الثالث موقف المسخ فجاءت كل تدخلاته بعيدة عن الأصالة المنبثقة من الحق الانساني الطبيعي في العيش الكريم.

المغرب، باعتبار تصنيفه دولة نامية، لم يشذ العمل الاجتماعي به عن أمثاله بالعالم الثالث، رغم أن الدولة المغربية حاولت مأسسة هذه العمل عن طريق تشريعات رائدة كالقانون المنظم لدور الرعاية الاجتماعية 65.15 وقانون الكفالة 15.01 وقانون جمع التبرعات 18.18 وقانون مكفولي الأمة 33.97؛ كما أعطت المثال بنفسها عبر التوجه لما يسمى بالدولة الاجتماعية عن طريق صرف المنح الاجتماعية عبر مؤشر اجتماعي للاستحقاق، من أجل القطع مع ثقافة القفف والطوابير والاستغلال السياسي للعمل الخيري. لكن، رغم هذه التنظيرات القانونية والتوجه السياسي لإشاعة ثقافة الحق عوض الصدقة، لازالت السمة الرئيسية للعمل الخيري التعاوني يطغى عليها الجانب الديني الاحساني، والتوظيف السياسي، وعشوائية التسيير الجمعوي. هذه الاختلالات نتج عنها واقع اجتماعي مأزوم تتجلى أبرز مظاهره في :

استحضار المصطلحات الدينية بكل حمولتها الإحسانية، المفضية لزاما إلى تقسيم المجتمع إلى مانحين أغنياء وفقراء أذلاء مهمشين.

استغلال الإحسان والتصدق لأغراض سياسية ضيقة عبر المتاجرة بأحلام البسطاء.

اتخاذ العمل الجمعوي وسيلة للاغتناء السريع أو التخفف جزئيا من النظام الضريبي عبر مساعدات يتم السطو عليها وأخرى يتم تضخيمها.

عدم تخصيص قوانين أو شعب جامعية لتأطير التكوين في العمل الاجتماعي-التربوي الذي يوفر كفاءات قادرة على رفع التحدي في التسيير والتربية داخل دور الرعاية الاجتماعية.

إسناد التدبير لأطر غير مؤهلة لا تتمثل التطور التاريخي القيمي للعمل الجمعوي، مما يجعل أغلب قراراتها خارج الزمكان الاجتماعي.

اعتبار العمل الجمعوي ترفا وليس ثقافة إنسانية الواجب تسييجها بالالتزام القانوني والأخلاقي.

تناسل الجمعيات دون ضابط قانوني وتطفلها على المجال الاجتماعي، حيث أصبحت الجمعيات من الكثرة التي ميَّعت العمل الاجتماعي بأنشطة رديئة، كان ضحيتها كرامة المستفيدين.

اعتبار العمل الخيري حسنا في ذاته دون الحاجة لاحترام الكرامة الانسانية ومعايير الجودة، حيث يُكتفى بتقديم خدمات اجتماعية دون المستوى واعتبار تقديمها في حد ذاتها كافيا لمستفيدين يُمن عليهم بالكرم والعطاء.

نتج عن هذا الانفصام بين التنظير القانوني والعمل الجمعوي الميداني فوضى وعشوائية أدت لترسيخ مظاهر البؤس والحرمان، وجعلت العمل الاجتماعي مرادفا لوجود واقع بئيس وسُنةً حسنة يجري فيها التقاط الصور كل عام لصفوف الفقراء وداخل دور الرعاية الاجتماعية وموائد الرحمن… وكأن الجمعيات وجدت لتأبيد العمل الإحساني الموجه للفئات الهشة وليس المساهمة في القضاء عليه، بل إن بعض الجمعيات المسيرة لدور الرعاية انتهجت سلوكا طارئا على التسيير باعتمادها تدبيرا متقشفا بأقل الموارد والاعتماد شبه الكلي على صدقات المحسنين. وعوض البحث عن موارد دائمة وعقد شراكات محلية ودولية لضمان استقلالية التدبير المالي وصيانة حقوق المستفيدين، تم تعريض كرامتهم للمهانة عبر التسول الدائم بهم لدى المحسنين.
اليوم، نحن في حاجة إلى جمعيات تعيد تعريف العمل الجمعوي استنادا للتراكمات الحقوقية بحيث تتماهى مع رؤية الدولة المغربية جاعلة منه سياسة عمومية للحقوق والكرامة الانسانية وليس إحسانا ظرفيا انتهازيا….

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *