عبد الإله أبعصيص: هواية معاقبة الناجحين
العدالة الاجتماعية، في معناها العميق، لا تعني المساواة في النتائج، بل الإنصاف في الفرص، وتوزيع الأعباء بشكل عقلاني، وحماية الجهد الفردي من المصادرة. وهي بذلك تتعارض جذريًا مع منطق معاقبة الناجحين، لأنه منطق يُضعف الحافز على العمل، ويكرّس ثقافة الاتكال، ويُفرغ التضامن من بعده التحرري.
كانت حصة مخصصة لتحليل أبعاد ومقاصد نص سردي، حينما وجدتني في وضعية إشكالية تلك التي وضعتُ فيها طلبتي وأنا أطرح عليهم سؤالًا يتجاوز البعد العاطفي إلى عمق التفكير السياسي والأخلاقي، ما القرار الذي ستتخذونه لو كنتم في وضعية مجاهد؟
سؤال يبدو بسيطًا في صياغته، لكنه ثقيل في دلالته. فهذا السؤال لا يستدعي العاطفة فقط، بل يكشف عن تصوراتنا الضمنية للعدالة الاجتماعية، وعن الحدود الفاصلة بين التضامن المشروع والضغط غير العادل. سؤال لا يختبر فقط حسّ التضامن الأسري، بل يكشف تصوراتهم الضمنية عن العدالة الاجتماعية، وحدود الواجب، ومعنى الإنصاف حين تتداخل الروابط الخاصة مع اختلالات البنية العامة.
وقصة مجاهد، في جوهرها، ليست حكاية عن أسرة متعثرة بقدر ما هي تعبير مكثف عن خلل في توزيع الأعباء داخل المجتمع. فهي تُبرز كيف يتحمل بعض الأفراد كلفة غياب العدالة البنيوية، بينما يُعفى آخرون من أي مساءلة.
مجاهد، مجاهد اسما وصفة، الابن “الأعقل”، في أغلب أسرنا نجد تمايزات عجيبة غريبة للأبناء والبنات، فمنهم العاقل والأهبل والذكي والغبي والمكافح والكسول والحليم الحالم المتوكل والشكاء المتواكل رغم أنهم أبناء بطن واحدة وتربية واحدة، صديقنا مجاهد شق طريقه وسط ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة، في سياق يعرف هشاشة سوق الشغل وغياب تكافؤ الفرص. لم يستفد من إرث ولا من شبكة دعم، بل اعتمد على العمل والاجتهاد، شأنه شأن آلاف الشباب المغاربة الذين صنعوا ذواتهم في صمت، داخل الوطن في مدنه الكبرى من خلال هجرة داخلية أو خارج الوطن بعد مغامرة معانقة قوارب الحياة التي يسميها البعض قوارب الموت، بحثًا عن الاستقرار والكرامة. راكم نجاحه بالكفاح الفردي في سياق اجتماعي لا يضمن تكافؤ الفرص، فنجح رغم الشروط لا بفضلها، وهو ما يجعل نجاحه، وفق منطق كفاحي، ثمرة جهد مشروع لا يجوز مصادرته باسم تضامن زائف أو بصيغة اكثر وضوحا تضامن مزيَّف. في المقابل، تمثل بقية الأسرة أنماطًا مختلفة من الفشل غير الخاضع لأي نوع من أنواع المساءلة، أبٌ تخلّى عن مسؤوليته التربوية والاقتصادية، وأختٌ استبطنت ثقافة الاستحقاق دون مساهمة، وأخٌ انسحب من منطق العمل لصالح الاستهلاك واللهو. غير أن هذا الفشل لم يُقرأ بوصفه نتيجة لاختيارات فردية داخل سياق اجتماعي هش، بل جرى تعويضه أخلاقيًا عبر تحويل العبء إلى الطرف الأقوى والأنجح، أي صديقنا المجاهد “مجاهد”. وهنا يظهر منطق غير عادل يعيد إنتاج ما يمكن تسميته مع جون راولز «اللامساواة غير المنصفة»، حيث تُفرض التضحيات على من التزموا بالقواعد بدل من خرقوها.
لحظة مرض الأم كشفت هذا الاختلال بأوضح صوره. فبدل أن تُدار الأزمة بمنطق العدالة التوزيعية، التي تقتضي تقاسم الأعباء كما تتقاسم المنافع، وحيث يتحمل كل فرد نصيبه وفق قدرته ومسؤوليته، جرى اللجوء إلى الحل الأسهل اجتماعيا، مصادرة مكاسب الفرد الناجح. هذا السلوك يعكس الفهم المختل للتضامن، لأن التضامن، كما يعرفه أمارتيا سِن، لا يعني نقل العبء من الضعفاء إلى الأقوياء فقط، بل تمكين الجميع من تحمّل مسؤولياتهم داخل بنية عادلة. ولو من منطق تربوي أي تربية الجميع على مفهوم المسؤولية المشتركة.
رفض مجاهد التفريط في بيته الذي اقتناه بقرض طويل الأمد وبمساهمة زوجته، دون اعتبار لتوازناته الخاصة، مع استعداده للمساهمة بما يستطيع، ليس إنكارا للعدالة الاجتماعية، بل دفاعا عنها. فهو يرفض أن تتحول العدالة إلى أداة لمعاقبة الجهد، أو أن يُختزل مفهوم الإنصاف في منطق الإكراه العاطفي. أو استغلال ما يسمى بالإكراه الناتج عن الخوف من سوء الفهم. فالأم ترتبط في ثقافتنا بالرضى والعقوق. ولأن العدالة لا تقوم على النوايا الحسنة وحدها، بل على احترام حقوق الأفراد باعتبارهم غايات في ذواتهم، لا مجرد وسائل لسد أعطاب الآخرين الذين يريدون تحويل فشلهم عقابا للناجحين. رفض مجاهد التفريط في مسكنه، لم يُقرأ باعتباره موقفًا عقلانيًا يحمي استقراره الأسري، بل وُضع في خانة التقصير الأخلاقي. هنا يظهر بوضوح كيف يُعاد تعريف «البر» و«العقوق» في المخيال الاجتماعي، لا بناء على حجم الجهد المبذول، بل وفق درجة الامتثال للضغط الجماعي. وهو منطق نلمسه أيضًا حين يُطالَب الموظف الوحيد في الأسرة بإعالة الجميع، أو حين يُحمَّل المهاجر وحده مسؤولية إنقاذ عائلة بأكملها. الأخطر في هذه القصة ليس الصراع الأسري في حد ذاته، بل التطبيع الاجتماعي مع تحميل الأفراد الناجحين مسؤولية إخفاقات جماعية. فهذا النمط يعكس إعادة إنتاج اللامساواة، حيث تُخفى اختلالات البنية الاجتماعية خلف خطاب أخلاقي يُجرّم الفرد بدل مساءلة النظام. وبهذا المعنى، تتحول الأسرة إلى امتداد مصغر لسياسات اجتماعية غير عادلة، تُعوّض غياب الدولة أو ضعفها بفرض تضامن قسري داخل الروابط الخاصة.
إن العدالة الاجتماعية، في معناها العميق، لا تعني المساواة في النتائج، بل الإنصاف في الفرص، وتوزيع الأعباء بشكل عقلاني، وحماية الجهد الفردي من المصادرة. وهي بذلك تتعارض جذريًا مع منطق «معاقبة الناجحين»، لأنه منطق يُضعف الحافز على العمل، ويكرّس ثقافة الاتكال، ويُفرغ التضامن من بعده التحرري. وهكذا، تتحول قصة مجاهد إلى درس مدني وأخلاقي بليغ، لا يمكن لمجتمع أن يدعي الدفاع عن العدالة الاجتماعية بينما يعاقب من التزموا بقيم العمل والمسؤولية. ولا يمكن للتضامن أن يكون عادلا إذا لم يتم تأسيسه على مبدأ المحاسبة، ولا يمكن للعدالة أن تستقيم إذا طُلب من الفرد أن يُصلح وحده ما أفسدته بنية كاملة. فكما قيل لا يصلح عطار ما أفسده دهر … يمكن القول: لا يمكن لناجح واحد أن يصلح ما أفسدته بنية كاملة.
إن السؤال، في النهاية، ليس، هل يساعد مجاهد أسرته أم لا؟ بل أي تصور للعدالة نريد؟ عدالة تُنقذ اللحظة على حساب القيم، أم عدالة تؤسس لمجتمع يُكافئ الجهد، ويحاسب التقصير، ويجعل التضامن أداة للتمكين لا للعقاب. كيف نبني عدالة اجتماعية تُنقذ الأسرة دون أن تُدمّر الفرد، وتُشجّع التضامن دون أن تعاقب النجاح؟



