الأقسام المشتركة: حيف لا محيد عنه - Marayana
×
×

الأقسام المشتركة: حيف لا محيد عنه

المتعلم في الأقسام المشتركة، يكون مطالبا ببلوغ نفس الكفايات التي يحققها زميل له في مدينة الرباط أو حتى بمؤسسة لا تبتعد كثيرا عن مسكنه، رغم أن لا الفرص ولا الظروف متساوية. فزمن التعلم الذي من المفترض أن يستفيد منه يُهدر لأنه لا يتمتع بنفس المصاحبة الذي يتمتع بها تلميذ آخر في مؤسسة أخرى يوجد بها أستاذ خاص بمستوى معين.

تقف متغيرات، يصعب التحكم فيها، عقبة أمام ضمان الحق في تعليم ذي جودة، لا سيما في العالم القروي، أي لفائدة متعلمي المناطق النائية. فالنمو الديموغرافي؛ يفرز بنية سكانية يصعب الإجابة عن احتياجاتها بالشكل المطلوب. ونقصد أساسا، صعوبة توفير مؤسسة تعليمية بنفس مقومات مؤسسة أخرى توجد في المجال الحضري: ويكمن التحدي في تخصيص مُدرس لكل قسم ولكل مادة على حدة.

فمن غير المعقول تكليف أستاذ ليُدرس تلميذين بالمستوى الأول، وآخر ليدرس أربعة تلاميذ بالمستوى الخامس مثلا… فما الحل الترقيعي إذن؟

في هذه المناطق بالذات، نلجأ لاعتماد ما يسمى بالأقسام المشتركة: وهي أقسام تجمع مستويين دراسيين على الأقل في حجرة واحدة، تحت إشراف أستاذ واحد، يشتغل على برامج دراسية مختلفة، في حيز زمني مشترك.

فهل الممارسات داخل هذه الأقسام ناجعة؟ وهل بالفعل تحقق مبدأ تكافؤ الفرص؟ وكيف تعتبر هذه الأخيرة حيفا يطال المتعلم والمُدرس على حد سواء؟

داخل هذه الأقسام المشتركة، يكون المدرس مطالبا بتدريس مستويات متعددة داخل قسم واحد، رغم اختلاف حاجيات كل مستوى، وتباين الحيز الزمني الذي تتطلبه كل مادة، وخصوصية الكفايات المراد تحقيقها لدى كل فئة، وفوق هذا كله، تنعدم في الكثير من الأحيان الوسائل والموارد التعليمية الضرورية لتنويع البيداغوجيات وطرق التدريس، وحتى إن توفرت، لا تتوفر بالشكل الكافي.

إشكال آخر يعتبر بمثابة العطب الأساس الذي يجعل الممارسات داخلها (الأقسام المشتركة) عشوائية وارتجالية: هو غياب تكوين متين للمدرس، سواء في محطة التكوين الأساس أو المستمر. ليترك الأستاذ/الأستاذة لوحدهما أمام رزمانة من التحديات دون مصاحبة ودون تأطير يوجهانهما لاختيارات أنجع، لا سيما كون من يُدرس في هذه الأقسام هم أساتذة حديثو التخرج والتعيين، مما يعني انعدام أي تجربة في الميدان، وغياب الخبرة الضرورية لإنصاف هؤلاء المتعلمين عبر توفير بيئة تعليمية ملائمة.

وحتى إن بادر أحد ما بنهج اختيارات، تبدو حسب منظوره، صائبة، فلا توجد ضمانات تحميه من المساءلة. ومع غياب الصلاحيات الموفرة للمدرس حق التصرف في البرنامج مكيفا إياه مع مستوى المتعلمين، تنعدم كل أشكال الإبداع التي من الممكن أن تُحقق داخل النسق التربوي.

في الوقت الذي يكون فيه المُدرس ملزما بإرساء موارد للمستوى “أ” سيكون المستوى “ب” في انتظاره. وحتى وإن كان متمكنا، فإنه من الصعب جدا الحفاظ على الحد الأدنى من شروط التعلم داخل هذا الفضاء التربوي. ففي نفس الوقت الذي يقدم فيه شرحا ما لمستوى معين، مطالبا كذلك بالحفاظ على انضباط المستويات الأخرى كيلا يتحول القسم إلى مكان عارم بالفوضى. الشيء الذي يرهق كاهله، ويسقط الكثير من الأساتذة، مع الأسف، في اختيار العنف والتوبيخ كوسيلة للردع ولبث الجو الملائم للتعلم. ومنعدمو الضمير منهم يشرعون في ممارسات لا أخلاقية أخرى تمس حق المتعلم في التعلم من قبيل: (السليت) نظرا لابتعاد الإدارة عن الفرعية، والتأخر في أوقات الدخول، والتعجيل في أوقات الخروج، وغيرها من أشكال الظلم التي يبقى ضحيتها الوحيد هو ذاك الطفل المثقل بمحفظة تزن كيلوغرامات عديدة حاملا إياها لأمتار، وأحيانا، كيلومترات طوال.

بالنسبة للمتعلم، سيكون مطالبا بالبلوغ لنفس الكفايات التي يحققها زميل له في مدينة الرباط أو حتى بمؤسسة لا تبتعد كثيرا عن مسكنه، رغم أن لا الفرص ولا الظروف متساوية. فزمن التعلم الذي من المفترض أن يستفيد منه يُهدر لأنه لا يتمتع بنفس المصاحبة الذي يتمتع بها تلميذ آخر في مؤسسة أخرى يوجد بها أستاذ خاص بمستوى معين. كما أن الموارد التي من الممكن أن تضمن له تنويع مسارات بلوغه للمعرفة غائبة.

من بين الاستراتيجيات التي تعتمد لتدبير قسم متعدد المستوى، هو دمج برنامج المستوى الأعلى مع برنامج مستوى الأدنى وللتبسيط أكثر: إن وُجد قسم به مستويان الرابع والخامس مثلا، فيكفي أن يدرس الأستاذ فقط مُقرر المستوى الرابع، هي استراتيجيات مُتضمنة ضمن عدة التكوين الأساس داخل المراكز الجهوية للتربية والتكوين والتي تشرف على تأهيل المدرسين. هذا بحد ذاته يعتبر قهرا وحيفا يمس حق المتعلم في تدرجه واستمراره لتطوير معارفه ومواصلته للتعلم وفق منسوبه الإدراكي ومستواه النمائي.

حين يعاني تلميذ ما يدرس بمؤسسة عادية من تعثرات معينة… يجد أمامه فرصا للدعم المكثف ليتجاوزها (خصوصا اليوم مع المدرسة الرائدة)، بينما يراكم متعلم الأقسام متعددة المستوى تعثرات مضاعفة، دون تمتعه بأي فرصة تسمح له بالتغلب على عوائقه التي من الممكن أن تودي به للوقوع في الهدر المدرسي… وبعد ذلك نسأل: لماذا لا يحب التلاميذ المدرسة؟ فما دامت مثل هذه الأقسام بهذا الشكل من التدبير… فلنسحب كلمة الجودة وتكافؤ الفرص من برامجنا الإصلاحية.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *