كرة القدم… الساحرة المستديرة التي أعلنت الحروب وصنعت السلام - Marayana
×
×

كرة القدم… الساحرة المستديرة التي أعلنت الحروب وصنعت السلام

في وصف كرة القدم، قال بيل شانكلي اللاعب الاسكتلندي: “يعتقدُ البعض أن كرة القدم مسألة حياة أو موت. للأسف هذا يجعلني حزينا… فهي أكثر من هذا بكثير”.
ربما قيلت العبارة في سياق ما، لكنها عبارة صادقة حقا. كرة القدم ليست مُجرد لُعبة كما يراها البعضُ، هي أبعد من ذلك، حين تُغلف بحيثيات أخرى بعيدة عن المتعة والإثارة.
كرة القدم فرقت ووحدت، كانت سببا في توقف حروب، وكانت سببا في بداية حروب وأزمات ديبلوماسية كثيرة. كرة القدم تتجاوز حدود الملعب.

إذا كُنتَ تظنُّ أن كرة القدم مُجرد 22 لاعبا يركضونَ وراء كرة مستديرة من أجل تسجيل الأهداف والدفاع عَن المرمى ونشر التسلية والمُتعة، فإنك لم تصب الهدف بالضرورة

إذا كانت كرة القدم ساحرة مُستديرة، كما يُقال، فالأمر كذلك، غير أن سِحرها لا يقتصرُ على مُتعة العين، بل تتعدى ذلك لتَكون حقا ساحرة مستديرة تُفرق الشعوب وتُوحدُّها، تجمعُ بين المتحاربين، وتُفرق بين الإخوة.

بسبب كُرة القدم، توقفت حُروب، وعُقدت هُدنات، وبسبب كرة القدم استمرت أخرى وتدخل رؤساء وملوك دُول.

في هذا المقال، نتتبع حكاية المستديرة… تلك اللعبة التي وحدت وفرقت.

منتخب الكوت ديفوار… تأهل أوقف الحرب الأهلية

حكاية منتخب الكوت ديفوار، يُمكن أن نصفَها بعبارة واحدة: “يَوم انتصرت الرياضة على الحرب“.

بَعد استقلال الكوت ديفوار سنة 1969 عن الاستعمار الفرنسي، دَخلت الدولة في فترة رخاء واستقرار اقتصادي واجتماعي، وعرفت الفترة تطورا كبيرا ومُتسارعا خصوصا في عهد أول رئيس بعد الاستقلال “فيليكس هوفويت بواني“.

رغم وجود الكثير من الفرق العرقية والدينية داخل الكوت ديفوار، استطاع الرئيس بواني أن يوحد الشعب تحت نظام دستوري واحد لا يُفرق بين أحد، سواء كانوا أبناء البلد أو وافدين من دُول الجوار.

بعد 33 سنة من الحُكم تُوفي بواني، وكانت وفاته بداية لمشكلات عويصة، مُخلفا ارتباكا داخل الجمهورية التي عاشت في سلام طيلة حكمه.

وسَط أجواء مَشحونة، انتُخب هنري كونان بدييه رئيسا للبلاد، وسن قرارا كان الشرارة وراء بداية الحرب الأهلية، وذلك بمنع حق التوصيت عمن أصوله ليست بالإيفوارية، وهو ما يعني أن المهاجرين لم يعد لهم حق المشاركة في الشأن العام الإيفواري.

سنةُ 2002 وفي خضم الانتخابات الرئاسية، استُبعد الحسن أوتارا، أبرز المعارضين للنظام الجديد. استبعد بسبب أصوله غير الإيفوارية، وكانت تلك هي القطرة التي أفاضت الكأس. لكن…

ما دخلُ كرة القدم في كل ذلك؟

في تلك اللحظة، إذا أمعنت في لاعبي المنتخب الإيفواري ستجدُ ديدييه دروغبا مُعتنقا المسيحية، وسترى يحيى توري وحبيب كولو توري يقرؤون الفاتحة قبل دخول أي مباراة… هو مُنتخب لم يكن يعترفُ بالصراعات العرقية أو الدينية، وكان حقا هو الشعلة التي يُمكن أن تُنهي الحرب والدماء.

في آخر مباراة للمنتخب الإيفواري في التصفيات المؤهلة لكأس العالم 2006، كان الفيلة في المرتبة الثانية بَعد الكاميرون التي كانت متصدرة للمجموعة.

فيلة الكوت ديفوار تحتاجُ إلى الفوز بشرط أن تتعثر الأسود غير المروضة.

8 من أكتوبر 2005، سيكون شاهدا على حدث استثنائي. وُضعت الأسلحة جنبا، وفُتحت الشاشات لمتابعة فريق يُمثل شَعب الكوت ديفوار بكلُ أطيافه.

المُفاجاة… تعثرت الكاميرون أمام مصر، وفازت الكوت ديفوار في أم درمان على المنتخب السوداني، ليتأهل الفيلة إلى كأس العالم لأول مرة في تاريخهم… ثم…

جاء خطاب ديدييه دروغبا: “رجال ونساء الكوت ديفوار! من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، لقد أكدنا اليوم أن الإيفواريين قادرون على التعايش فيما بينهم للعب سويًا من أجل هدف مشترك: التأهل إلى كأس العالم. لقد وعدتمونا أن الاحتفالات ستوحد الشعب، واليوم، نحن نطلب منكم ونتضرع إليكم جاثين على ركبنا: لنتسامح، علينا ألا نخضع للحرب بهذه الطريقة، نرجوكم ضعوا أسلحتكم جانبا ونظموا الانتخابات، وكل شيء سيمضي على ما يرام، نرجوكم، نريد أن نستمتع، نرجوكم، كفوا عن إطلاق النار“.

بذلك، نثرت الساحرة المستديرة سِحرها على الشعب الإيفواري، وتوحدت الهمم حول فريق كُرة القدم… فريقٌ حمل الحلم الإيفواري على كتفيه، حُلم أن يعيش العرق إلى جانب العرق، والدين إلى جانب الدين.

حادثة أم درمان بين مصر والجزائر

هل يُمكن لمباراة كرة القدم أن تسبب في أزمة ديبلوماسية بين بلدين جارين؟ الإجابة نعم…

صفحاتُ  التاريخ تُعيدنا إلى سنة 2009، حين أقيمت مباراة فاصلة بين المنتخب الجزائري والمصري في إطار التصيفيات المؤهلة لكأس العالم 2010 بجنوب إيفريقيا.

البداية كانت بمدينة البليدة الجزائرية، حيث تحولت المدينة حينها إلى ثكنة عسكرية من أجل حفظ السلام بين الجماهير المصرية والجزائرية. انتهت حينها المباراة بنتيجة 3-1 لصالح المنتخب الجزائري.

الإياب كان بالقاهرة، وهُناك بدأت الأزمة بين البلدين… نعم البلدين وليس بين الجماهير فقط.

حين وصلت بعثة المنتخب الجزائري إلى القاهرة، تعرضت للرجم بالحجارة من طرف جماهير محسوبة على المصريين، ما أدى إلى كسر النوافذ وإصابة لاعبين وإداريين، رغم أن الأوساط المصرية اتهمت البعثة الجزائرية بافتعال ذلك من أجل نقل المباراة إلى ملعب آخر محايد، في حين اتهمت البعثة الجزائرية المصريين بعدم توفير الحماية والأمن اللازمين.

على أي… لُعبت المباراة وانتهت بفوز المنتخب المصري بنتيجة 2-0، فكان التعادل بمجموع المباراتين سيد الموقف، وكان لا بد من مباراة فاصلة حُدد مكان إجرائها بمدينة أم درمان السودانية كأرض مُحايدة.

تحَولت مدينة أم درمان إلى ساحة حرب وليس مُجرد مباراة في كرة القدم.

لنتأمل الحكاية، نقلا عن صحيفة “رويترز” البريطانية. حكت موظفة في السفارة المصرية لأحد الصحفيين أن الجزائريين انتقلوا إلى الخرطوم منذ أيام قبل المباراة، واشتروا أسلحة بيضاء من المدينة، بل ودفعوا واشتروا تذاكر للمواطنين السودانيين من أجل مؤازرتهم في المباراة، وهاجم جزائريون حشدا من السوادنيين كانوا قد تجمعوا أمام السفارة المصرية وأصيب إثرها 11 سودانيا. من جانبهم، اتهم الجزائريون المصريين بالقيام بأعمال عنف ضدهم، وباختلاق حوادث والترويج لها إعلاميا.

السلطات السودانية قامت بنشر أزيد من 15 ألف شرطي من أجل إحلال الأمن قبل وأثناء وبعد المباراة. لكن ذلك لم يحل دون أن تتحول السودان إلى أرض دماء وأزمة ديبلوماسية ثلاثية.

تقارير إعلامية مصرية نشرت عددا من المقالات حول حوادث اعتداء تعرض لها المشجعون المصريون من طرف جماهير محسوبة على الجزائريين مما اضطر عددا من المشجعين إلى الاستعانة بالأمن السوداني من أجل التنقل، ونفس الأمر قام به الإعلام الجزائري.

الأزمة ستنتقل بعدها إلى أعلى مستوى، حيث اعتبر الرئيس الراحل السابق حسني مبارك، في خطاب بالبرلمان، أن كرامة المصريين من كرامة مصر، وأن رعاية المواطنين في الخارج مسؤولية الدولة، ترعى حقوقهم ولا تقبل المساس بهم أو بكرامتهم.

فنانون مصريون من جانبهم أعلنوا عن مقاطعة المهرجانات الجزائرية، بسبب الاعتداءات التي قالوا إنه راح ضحيتها مجموعة من الفنانين والإعلاميين المصريين في العاصمة السودانية، والتي تبث أن بعضها كان مجرد حوادث مختلقة. علاوة على عقد اجتماع لمسؤولي هيئة الرياضة، تم الاتفاق خلاله على عدم المشاركة في أي منافسات رياضية تقام في الجزائر.

في خضم الحرب العالمية الأولى… مباراة بين المتحاربين

هل يُمكن أن تتخيل حربا بين جيشين تتوقف ليوم واحد للعب مباراة كرة قدم؟… نعم ذلك حدث فعلا.

في 25 دجنبر 1914، وبعد 5 أشهر من بداية الحرب العالمية الأولى، أوقفت القوات البريطانية والألمانية القتال، واتفق الطرفان على عقد هدنة مؤقتة، سميت حينها بـ“هدنة عيد الميلاد”.

المفاجأة أنه خلال التوقف، أقيمت مباراة لكرة القدم بين أفراد الجيشين، وانتهت بفوز الجيش الألماني بهدفين مقابل هدف واحد، ورغم أن الحرب استأنفت بعد ذلك، غير أن هذا اليوم كان يوما سمت فيه المشاعر الإنسانية على الدم والسلاح والحرب.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *