تاريخ الخلافة بين الواقع والخرافة: عبد الملك بن مروان… حمامة المسجد وصنيعة الحجاج (الجزء 13)
عبد الملك بن مروان… بدأ حياته ناسكا زاهدا، وتحول إلى حاكم دموي أطاح بكل معارضيه على يد الحجاج بن يوسف الثقفي.
عبد الملك بن مروان، أعلن نهاية عهد الترضيات، كما انتهى عهد الشرعيات من قبل.

هو عبد الملك بن مروان، الداهية الفاسد، وصنيعة قائد جيوشه الدموي، الحجاج بن يوسف الثقفي، “عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية الأموي”.
قال ابن سعد: “كان قبل الخلافة عابدا، ناسكا بالمدينة”. ومن فرط ملازمته للمسجد لُقب بـ “حمامة المسجد”.
وعن الشعبي، قال: “ما جالست أحداً إلا وجدت لي عليه الفضل، إلا عبد الملك بن مروان، فإني ما ذاكرته حديثاً إلا زادني فيه، ولا شعراً إلا زادني فيه”.
أي أننا أمام شخص مثقف، متفقه في دينه.
من مدحه، رأى أنه “كان من رجال الدهر، ودهاة الرجال”. ومن ذمه، لقبه بـ “رشح الحجر” لبخله، و “أبا الذبان” لنتن فمه، وفساد عمور أسنانه، واجتماع الذبان عليها وعلى شفتيه”.
على أي، فقد اجتمع هؤلاء وأولئك على أنه، لما أفضى أمر الخلافة إليه، والمصحف بين يديه، “أطبقه، وقال: هذا آخر العهد بك”. وفي حديث أخر قال: “هذا فراق بيني وبينك”. وهو ما يعلق عليه الذهبي بالقول: “اللهم لا تمكر بنا”. ثم يضيف: “وكان عبد الملك له إقدام على سفك الدماء/ وكان حازما فهما فطنا سائسا لأمور الدنيا، لا يكل أمر دنياه إلى غيره”. رغم أنه ثبت، كما سنرى، أنه كان يكيل كل أمور دنياه تقريبا، للحجاج. الحجاج الذي قال عنه الذهبي نفسه، إنه كان “من ذنوبه”.
وكان عبد الملك “كثيرا ما يجلس إلى أم الدرداء (فقيهة ومحدثة، وزوجة الصحابي أبي الدرداء) في مؤخر مسجد دمشق. فقالت: بلغني أنك شربتَ الطلاء (خمرة معتقة) بعد النسك والعبادة! فقال: إي والله، والدماء!
كيف ولي
طبعا نحن الآن بصدد ثاني ملوك العائلة المروانية، حيث صارت الخلافة تنتقل بالوراثة، منذ عهد معاوية. لذلك لم يجد عبد الملك غضاضة في أن يخاطب الناس منذ يوم توليه، بما يفيد بأنهم رعية، له عليهم منتهى الطاعة، وليس لهم عليه إلا واجب تقويم من زاغ عنها، بحد السيف.
هكذا خاطب الناس بمكة قائلا: “أما بعد، فإنه كان من قبلي من الخلفاء يأكلون من هذا المال ويؤكلون، وإني والله لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف، ولست بالخليفة المستضعف، يعني عثمان، ولا الخليفة المداهن يعني معاوية، ولا الخليفة المأبون، يعني يزيد، وإنما نحتمل لكم ما لم يكن عقد راية. أو وثوب على منبر”.
ثم ضرب لهم مثلا بمصير أحد من رفضوا مبايعته، وأخاه عبد العزيز من بعده، بالقول: “هذا عمرو بن سعيد حقه حقه، وقرابته قرابته. قال برأسه هكذا، فقلنا بسيفنا هكذا، ألا فليبلغ الشاهد الغائب”.
وفي خطبة غيرها قال: “والله لا يأمرني أحد، بعد يومي هذا بتقوى الله إلا ضربت عنقه”.
انتهى عهد الترضيات، كما انتهى عهد الشرعيات من قبل.
هكذا، تفرغ عبد الملك إلى شن حروب طويلة ضد كل الأمصار التي أعلنت تذمرها منه أو من الحجاج بن يوسف الثقفي. فكان أول ضحاياه مصعب بن الزبير بن العوام، سنة إحدى وسبعين. ففي “هذا العام سار إليه عبد الملك، فلما تقارب الجيشان بعث عبد الملك إلى أمراء مصعب يدعوهم إلى نفسه ويعدهم الولايات (وكان قد وعد ابن الأشتر بولاية العراق قبلهم) فحملوا على ابن الأشتر ومن معه فطحنوهم، وقتل ابن الأشتر”.
لكن مصعب ركب رأسه، وأصر على مواصلة القتال، فنزل “إليه رجل يقال له عبيد الله بن زياد (..) فقتله وحز رأسه وأتى به عبد الملك بن مروان، فسجد عبد الملك”، ثم نطق بأم الحكم: “لقد كان بيني وبين مصعب صحبة قديمة، وكان من أحب الناس إلي، ولكن هذا الملك عقيم”. فالصحبة والتقوى والقداسة وهلم اعتبارات، مجرد مبادئ، تزدهر وقت الهدنة واليسر، لكنها لا تصمد أبدا، أمام بريق الحكم والرغبة في التملك.
في السنة الموالية (اثنين وسبعين) بعث عبدُ الملك بن مروان الحجاجَ بن يوسف الثقفي إلى عبد الله بن الزبير ليحاصره بمكة.
فنصب “الحجاج المنجنيق على مكة ليحصر أهلها حتى يخرجوا إلى الأمان والطاعة لعبد الملك. وكان مع الحجاج الحبشة، فجعلوا يرمون بالمنجنيق فقتلوا خلقا كثيرا، وكان معه خمس مجانيق فألح عليها بالرمي من كل مكان، وحبس عنهم الميرة والماء، فكانوا يشربون من ماء زمزم، وجعلت الحجارة تقع في الكعبة”.
وكما حدث مع أخيه مصعب، فقد خذل الناسُ عبد الله “خذلاناً شديداً، وجعلوا يخرجون إلى الحجاج نحو من عشرة آلاف، وقيل أنه ممن فارقه (..) ابناه حمزة وخبيب، فخرجا إلى الحجاج وطلبا أماناً لأنفسهما. (..) ثم حمل (عبد الله) حتى بلغ الحجون، فأصيب بآجرة في وجهه شجته (..) ثم تكاثروا عليه فقتلوه، وبُعث برأسه، ورأسي عبد الله بن صفوان، وعمارة بن عمرو بن حزم إلى الشام بعد أن نُصبوا بالمدينة”.
وفي سنة اثنين وثمانين “كانت وقعة الزاوية بالبصرة بين ابن الأشعث وبين جيش الحجاج (..) فيقال إنه خرج مع ابن الأشعث ثلاثة وثلاثون ألف فارس، ومائة وعشرون ألف راجل، فيهم علماء وفقهاء وصالحون، خرجوا معه طوعاً على الحجاج. وقيل: كان بينهما أربع وثمانون وقعة في مائة يوم، فكانت منها ثلاث وثمانون على الحجاج، وواحدة له”.
واحدة للحجاج، كانت كافية لكسر شوكة أهل العراق جميعا.
ففي سنة ثلاثة وثمانين، كانت وقعة دير الجماجم (بين الكوفة والبصرة) حيث “خرج القراء مع ابن الأشعث (فحمل سفيان بن الأبرد على ابن الأشعث فانهزم، وتقوضت الصفوف، وركب الناس وجوههم (..) فانهزم أهل العراق كلهم. وجاء الحجاج “إلى الكوفة فدخلها، وجعل لا يبايع أحداً منها إلا قال له: اشهد على نفسك أنك كفرت، فإذا قال نعم بايعه، وإلا قتله، فقتل غير واحد ممن تحرج أن يشهد على نفسه بالكفر”.
وفي سنة أربعة وثمانين، “كان مهلك عبد الرحمن بن الأشعث الكندي وقُتل من معه (..) وبُعث برؤوسهم إلى الحجاج، فأمر، فطيف برأسه في العراق، ثم بعثه إلى عبد الملك، فطيف برأسه في الشام”.
هل تأكل إرادةُ القوة الشرعياتِ والصداقات فقط، لا طبعا، بل تأكل حتى صلات الرحم، وعلى رأسها الأخوة:
بعد أن دانت له كل الأمصار، كتب عبد الملك إلى “أخيه عبد العزيز (..) يسأله أن ينزل عن العهد الذي له من بعده، لولده الوليد أو يكون ولي العهد من بعده”، مبررا ذلك بكون الوليد أعز الخلق عليه! فأجابه عبد العزيز: “إني أرى في أبي بكر بن عبد العزيز ما ترى في الوليد”.
وحين لم يُجدِ الابتزاز العاطفي شيئا، لجأ عبد الملك إلى الابتزاز المالي، فأمر أخاه بأن يحمل إليه خراج مصر. “وقد كان عبد العزيز لا يحمل إليه شيئا من الخراج ولا غيره، وإنما كانت بلاد مصر بكمالها، وبلاد المغرب وغير ذلك كلها لعبد العزيز! مغانمها وخراجها وحملها”.
فاضطر عبد العزيز حينها إلى أسلوب الاستعطاف المبطن، وأجاب: “إني وإياك يا أمير المؤمنين قد بلغنا سنا لا يبلغها أحد من أهل بيتك إلا كان بقاؤه قليلا، وإني لا أدري ولا تدري أينا يأتيه الموت أولا، فإن رأيت أن لا تعتب علي بقية عمري فافعل”. فرق له عبد الملك وأقلع عنه.
لكن، تقول رواية أخرى “إن عبد الملك، لما امتنع أخوه من إجابته إلى ما طلب (..) دعا عليه وقال: اللهم إنه قطعني فاقطعه، فمات في هذه السنة (..) فلما جاءه الخبر بموت أخيه (..) حزن وبكى (..) ولكن سره ذلك من جهة ابنيه” إذ ضَمن بذلك توليتهما من بعده.
إنجازاته
سنة ست وستين “ابتدأ عبد الملك بن مروان ببناء القبة على صخرة بيت المقدس وعمارة الجامع الأقصى، وكملت عمارته في سنة ثلاث وسبعين، وكان السبب في ذلك أن عبد الله بن الزبير كان قد استولى على مكة، وكان (..) ينال من عبد الملك ويذكر مساوى بني مروان (..) وكان يدعو إلى نفسه (..) فمال معظم أهل الشام إليه، وبلغ ذلك عبد الملك فمنع الناس من الحج فضجوا، فبنى القبة على الصخرة والجامع الأقصى ليشغلهم بذلك عن الحج (..) وكانوا يقفون عند الصخرة ويطوفون حولها كما يطوفون حول الكعبة، وينحرون يوم العيد ويحلقون رؤوسهم”. بمعنى أن أهم الرموز الدينية لذى المسلمين، صارت حصان طروادة في صراع مكشوف على المـُلك.
يضيف ابن كثير: “وافتتن الناس بذلك افتتانا عظيما، وأتوه من كل مكان”!
سنة أربعة وسبعين، نقش “على الدراهم والدنانير (..) وكانت الدنانير والدراهم رومية وكسروية”.
سنة سبع وسبعين، افتتح “هرقلة وهي مدينة معروفة داخل بلاد الروم”.
سنة اثنين وثمانين فتح “حصن سنان من ناحية المصيصة. وفيها كانت غزوة صنهاجة بالمغرب”.
كما “نقلت في أيامه الدواوين من الفارسية والرومية إلى العربية، وضبطت الحروف بالنقط والحركات”.
وفاته
لما حضره الموت “جعل عبد الملك يندم ويندب، ويضرب بيده على رأسه ويقول: وددت أني اكتسبت قوتي يوما بيوم واشتغلت بعبادة ربى عز وجل وطاعته”. والملاحظ أن هذا الزهد والتقوى الفجائيين، انهالا قبله على كل سابقيه تقريبا.
للتفكه فقط: في بحار الأنوار أنه، لما نزل الموت بعبد الملك بن مروان، “مُسخ وزغًا (سحلية) (..) وكان عنده ولده. فلما أن فقدوه، عظُم ذلك عليهم، فلم يدروا كيف يصنعون. ثم اجتمع أمرهم على أن يأخذوا جِذعا فيصنعوه كهيئة الرجل (..) ففعلوا ذلك، وألبسوا الجذعَ درعَ حديد، ثم ألقوه في الأكفان. فلم يطلع عليه أحد من الناس، إلا أنا وولده”.
يسجل لعبد الملك، مع ذلك، أنه ثاني خليفة بعد معاوية، لم يمت مقتولا.
المراجع
الأعلام للزركلي. البداية والنهاية لابن كثير. الكامل في التاريخ لابن الأثير. أنساب الأشراف للبلاذري. بحار الأنوار للمجلسي. تاريخ الإسلام للذهبي. سير أعلام النبلاء.

