أفغانستان وسر باشا بازي: رقصة أطفال يساقون نحو الاغتصاب والاعتداءات الجنسية
في أفغانستان، يرقص الأطفال في “باشا بازي” أمام رجال السلطة، رقصة تخفي استغلالًا جنسيًا مستمرًا.
رقصة، تحوّلت إلى رمز للهيمنة والقوة على أجساد الطفولة وسط تناقض المجتمع الأفغاني الذي يحرم رقص الإناث ويشجع “لعب الغلمان”.
في إحدى ليالي كابول المظلمة، وعلى نغمٍ حفيف صادر من إحدى الخيام، يعلو صوت ضحكات خجولة لطفل يحاول الرقص تحت أي أضواءٍ خافتة. تتلألأ عينه حين يبدأ الاستعراض أمام رجالٍ كبارٍ قساة الوجوه، ثم يستوطن سكوتٌ طاغٍ قاعة الاحتفال بعد لحظات. هناك سؤالٌ يطفو في الفضاء المخملي: من خلف أغاني هذا الطفل؟ وأين تذهب أرواحُ الصغار حين تختفي في هذا الصمت الليلي؟
في الأعماق الأفغانية للحديث الشعبي، يحمل هذا العرضُ اسمًا يشبه الوهم: “الباشا بازّي”، أو بمعناها الدارج “لعب الغلمان”. يوحي الاسم بأن صبيانًا صغارًا يمارسون الرقص فقط من أجل التسلية. لكن الواقع، وراء الضحكات والسخرية، أكثر قتامة، ففي المجتمع الأفغاني المحافظ، يَمنَع التشريع الديني والاجتماعي الفتاة أو المرأة من الرقص أمام الرجال، فيتولى هؤلاء الصبية الصغار الدور بدلاً عنها. تنوء أجسادهم الصغيرة بثياب نسائية رقيقة، فيمشون بأجراسٍ على أقدامهم عبر قاعات مظلمة، وهم يظنون أنه ترفيهٌ بريء. لكن، كثيرًا ما يتحوّل الأمر إلى استعبادٍ جنسي؛ إذ تشهد العديد من الحالات استغلالًا جنسيًا مباشرًا لهؤلاء “الغلمان”.
ومثلما يحظر الشأن العام الرقصة البكرية للأنثى، ترى تقارير أممية أن هذه الممارسة ترتبط بجذور ثقافية عميقة يخشى كثيرٌ من تحليلها. ففي 2009، حاولت الأمم المتحدة لفت الأنظار إلى “لعب الغلمان”، لكن المجتمع الأفغاني تعامل مع هذه القضية كأمر محظور مضاف؛ إذ ارتبطت بالبُنى الثقافية والهوية المحلية التي لا يجرؤ أحد على مناقشتها علنًا،
يقول محلل أفغاني لــ “thenewhumanitarian.org”: “إذا حظيت ممارسة الباشا بازّي بنفس القدر من الاهتمام الموجَّه لحقوق المرأة، فإنني متأكد أن التغيير سيأتي. لكن لا أحد يتحدث عنها”. هكذا، يظل العرض عنيفًا كافيًا ليُطفِئ ضحكات الصبي الصغير، ولكن صمت المجتمع يجعل منه سرًا حقيقيًا لا يكسر صمته إلا نداءات خافتة من خلف القاع الموشم بالظلمات.
الباشا بازي: أسرار القوة
يقف من يقفون في السلطة خلف هذا المسرح الغامض؛ فزعماء الحرب وأثرياء المدن يجدون في “باشا بازّي” رمزًا لهيمنتهم وخلاصتهم. يُشير تقرير اللجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان إلى أن هؤلاء الغلمان يُلقون في أحضان أمراء الحرب والميليشيات المدججة بالنفوذ، ويُطلق سراحهم فقط بعد إتمامهم الثامنة عشرة. باختصار، يصبح الغلام رمزًا “للباشا” – للسلطة والوجاهة – التي يحملها من يستضيفه.
وقد عاد هذا التقليد من جديد، رغم أن طالبان السابقة كانت قد حظرته “بل كانت عقوبته الإعدام”. فقد رُصد أن القتال السياسي بعد 2001 أغرى الكثيرين باحتضانه؛ أئمة محليون وسياسيون كبار وحتى أكاديميون رحّبوا أحيانًا بإحياء ما يُفسِّرونه بجذور تاريخية، وسمحوا له بالخروج من الغرف الخاصة إلى العلن بنسب متفاوتة. والآن، ترى اللجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان أن الظاهرة، التي كانت محصورة سابقًا بأقاليم محددة، باتت تظهر في كل أرجاء البلاد.
فوق ذلك، تتشابك معضلة “الباشا بازّي” عند السلطة القائمة، ففي تقرير لهيئة المفتش العام الخاصة بإعادة إعمار أفغانستان، اعتُبرت الطبقة السياسية الأفغانية شريكًا في الصمت عن الانتهاك، بل إنّها وصفت المسؤولين الحكوميين الأفغان بـ”المتواطئين فعليًّا” في شبكة استغلال الأطفال جنسيًّا، ولم تُلاحَق سوى أولئك الصبية الضحايا؛ حيث وثّق التقرير الأمني الأميركي حالات اعتقال صبية لم يكونوا سوى ضحايا الاعتداء عليهم، بينما بقي المجرمون من السلطة دون محاسبة.
في المقابل، يحاول النظام الحاكم الجديد تقديم نفسه كمنفذ للعدل، فقد تكلل قانون أخلاقيات صدر حديثا، بإدراج بند صريح لحظر “لعب الغلمان”. لكن السؤال البسيط يبقى: هل يترجم الحظر الرسمي إلى فعل؟ ففي دولة تكاثرت فيها مرافق الفساد وأُرهِق جيشها بالاقتتال، وقوانينها الجديدة تحاصر المرأة بشدّة كما ذكرت بعثة الأمم المتحدة في كابل، هل يكفي مجرد حرفٍ ينصّ على الحظر؟ بل أن منظمات حقوقية تؤكد أن غياب حكم القانون وانتشار الجوع والفقر والأمية ووجود الميليشيات المسلحة، كلها عوامل سمحت لهذه الرقصة بالسير دون رقيب.
وشدد تقرير لوزارة الخارجية في 2024، على أن طالبان، وكافة الجماعات المسلحة، تمارس “نمطًا من الرق الجنسي ”الباشا بازّي”… ما يعني أن التغيير بعيد المنال.
“الباشا بازي” القانون والواقع: هل يكفي الحظر؟
أما الضحايا الصغار، فقصتهم قاسية وخفية، فهم من أفقر المناطق، ومن الأسر التي لا تعرف سوى المعاناة. ينتزع هؤلاء الغلمان من ذويهم قبل بلوغهم سن الرشد، ليجدوا أنفسهم يمارسون رقصة لم يخترها بعضهم. كما رصدت لجنة حقوق الإنسان الأفغانية، تعرّض هؤلاء الصبية إلى الاغتصاب بانتظام، ويكتسبون صدمات نفسية عميقة. والإحصاءات الوطنية تؤكد ذلك: فقد وجد تحقيق وطني أن الغالبية العظمى من غلمان “الباشا بازّي” تتراوح أعمارهم بين 13 و16 عامًا، وأن نحو %60 منهم تعرضوا لعنف جسدي وحبس وتهديد بالقتل.
هذا الواقع القاسي تضاف إليه وصمةُ العار التي تلاحق الضحايا؛ فهم يخافون البوح بما حدث؛ إذ تتعقبهم شرائح المجتمع باتهامات مهينة. يروي شهود أن الضحية يواجه وصمة “الشذوذ الجنسي” أحيانًا، في حين يغيب المجرم في خفاء العدل. قال أحد الناشطين إن ضحايا هذه الانتهاكات “مترددون بشدة في الإبلاغ” خوفًا من السخرية أو العنف الأسري، وأنه في بعض الحالات تُوجَّه إلى الطفل نفسه تُهمة “الشذوذ الجنسي” بدلاً من محاسبة المسؤولين، حسب “thenewhumanitarian.org”.
وبالرغم من الهبات المادية التي قد يَنعم بها الطفل لدى مَن يدّعي رعايته – ملابس أنيقة وأموال تقدّم خلافًا لحياة القرية الفقيرة – فإن هذه العطاءات تبقى مجرَّد قناع. فهذه “الهدية” المميتة تضيع براءتهم، وترسخ في نفسياتهم مشاهد طفل راقص وشعور دائم بالخجل. في أحاديثٍ مع شبكات إغاثية لـ “thenewhumanitarian.org”، يُعبِّر بعضهم عن امتناعهم وسط ترقب الكاميرا، ولكن عيونهم تحمل علامات الخوف والثقة المفقودة، وكما لاحظ أحد عمال الإغاثة: “الصبي لن يقول أبدًا هذا الرجل مارس الجنس معي”، في ظل مجتمع لا يعترف بقضية مغتصَب بقدر اعترافه بنكرانه. لذا، حتى حين يبلغ هؤلاء الصبية مشارف الثامنة عشرة ويُقرّر “مالكهم” إطلاقهم، يُطلقون إلى مصير قاتم في الغالب.
وإذا كان القانون الأفغاني ينصُّ على معاقبة كل من ”الاغتصاب” و”المثلية الجنسية”، فإن اسم “الباشا بازّي” لا يرد صراحة فيه. وبحسب مسؤولين أفغان، ثمة قوانين تمنع “لعب الغلمان”، لكن تطبيقها ضعيف جدًا في هذا الشأن.
أمام هذا المشهد المنفر، يطرح الوعي سؤالًا أخيرًا: هل يكفي أن يتحرك قلم قانون هنا وبيان منظمة حقوقية هناك لإيقاف “رقصة الغلمان” ومنحهم حقهم في الطفولة؟ أم أن للسلطة والثقافة قوة تفوق القانون؟



