مصطفى مفتاح: هوامش على العدوان. يتامى فكر الأنوار وتاريخ الرأسمالية الغربية-الأطلسية - Marayana
×
×

مصطفى مفتاح: هوامش على العدوان. يتامى فكر الأنوار وتاريخ الرأسمالية الغربية-الأطلسية

ها نحن، يتامى فكر الأنوار الإنساني خُذِلْنا، نشهد ونشاهد أغلب اليسار في الغرب، باستثناءات قليلة، يشارك إسرائيل في حرب الإبادة بالمال والسلاح والعتاد وقمع الشباب والجامعة وكل الضمائر الحرة الصامدة، ويصفي كل الحمايات للحريات العامة في التعبير والرأي!
بل إننا نرى اليوم، انبعاث شبح “الفصل العنصري” الذي ترعرع بحماية الغرب في جنوب افريقيا، حين ينط ممثلون من أولاد العنصرية الأفريكانية، إلى مربع الحكم في قيادة الدولة الامبريالية الأقوى.

miftah mostafa مصطفى مفتاح
 مصطفى مفتاح

سبق لي في مقال سابق نشر بتاريخ 12 أبريل 2024 وحرب الإبادة على غزة على أشدها، بعنوان “الغرب شريك في الإبادة. لماذا؟”، أن حاولت بسط العناصر التي تفسر اصطفاف الغرب ومشاركته في الجريمة، لكن التطورات الأخيرة والخطيرة التي عرفتها هذه الحرب، والتهديدات الكبرى المسلطة على العالم منذ شهور، تدفعني إلى الرجوع للموضوع.

وكنت قد لخصت بعض أسباب السياسات الغربية في:

ــ “اعتماد النظام الغربي على استمرار التحكم في الموارد الطبيعية وطرق الملاحة والتبادل التجاري الرأسمالي الدولي…

ــ الصعود العارم لِيَمينٍ لا يخجل، بل يفتخر بالعنصرية والاستعمار والشوفينية والعرقية، ويحارب الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وتعاطف البابا مع ضحايا قوارب الموت…

ــ وتفسير آخر أكثر قبحا ولؤما، هو أن ما يجري في فلسطين، يشكل حلما صعب التحقيق في مناطق أخرى، حين يتمكن بشر من أن يتمتع بحصانة شبه مطلقة لا تنتهي في اصطياد والتنكيل ببشر آخرين…”

لكن تحولا كبيراً وقع، منذ أبريل 2024، أهم عناوينه هو تحول فاشي أو شبه فاشي يحاول أن يقضي على كل ما سبقه، بما في ذلك كل “فكر الأنوار الأوربي” والأهمية المعطاة لحقوق الإنسان، وكل السياسات التي تفوت للدولة الرأسمالية مهمة تضميد نسبي للجراح التي تنتجها الليبرالية الجديدة، مثل إقصاء الأقليات، وتدمير البيئة والحد من تغول بعض الصناعات الصيدلية والزراعية مثلا، داخليا، والتبجح بالقانون الدولي وتهدئة العلاقات الدولية، خارجيا!  وقد بدأ التحول بـ”الردة” الطاطشرية والريغانية”[1] واستمر مع صعود اليمين المتطرف العنصري وانتشار قيمه في كل أطياف الحقل الحزبي الكبرى.

لكن التحول ابتدأ، ربما، منذ سنوات السبعينيات من القرن العشرين، عبر بروز وسيادة العداء للحركات المعارضة مثل ماي 1968، والحركة النسائية، والدفاع عن البيئة والسلم، في إطار هجمة شاملة على الفكر الاشتراكي ومبادئ الثورة الفرنسية والليبرالية عموما، وعلى الشرق والأنظمة المتخاصمة مع الغرب مثل الصين وروسيا وإيران والعرب…

هذه الهجمة الرجعية اليمينية لبست لبوسا شعبويا مناهضا للدولة والمؤسسات البين-دولتية، كالاتحاد الأوربي، ومنظومة الأمم المتحدة، ومرت من حلقات متصاعدة، لعل أبرزها الكذب الأمريكي على الأمم المتحدة فيما يخص أسلحة العراق، والحرب ضد “الإرهاب”، وتقطيع أوصال الأوطان في يوغسلافيا والسودان وليبيا… وتفكيك الاتحاد السوفياتي، وتحول روسيا إلى رأسمالية متوحشة أوليغارشية[2]، وتحول “المنافسة” مع الصين مثلا إلى “عداوة”.

وفي نهاية كل حلقة، يبرز فاعلون جدد يصعدون الهجوم الرجعي ويجذرونه، لا دفاعا عن الحرية، كما يدعون، ولكن ضد أي ضبط لتوحش الرأسمال وتغوله في مرحلته المالية.

أما نحن، فقد بقينا صامدين في وفائنا لفكر الأنوار، وأذكر في هذا الصدد جزءا من أدبياتنا كمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي، وثقتنا في قيم الليبرالية المعتادة، وضاعت علينا كل أعطاب هذا الفكر الذي، ربما لم يكن “ليبراليا” إلا للبرجوازية الأوربية، ولم يمتد لا للمستعمرات ولا الذين لهم بشرة “مختلفة” أو ينتمون للشرق والجنوب “المتخلف”، ولم نلتفت إلى سقوط هذا الفكر حتى في عصرنا في امتحان فلسطين والمشروع الصهيوني الغربي والعنصرية ضد كل ما يأتي من الشرق والجنوب.

لقد كنت، مثل العديد من جيلي والأجيال السابقة، التي تطلعت للتقدم والتحرر من الاستعمار وتاقت للحرية، نُشْرِعُ بداهةَ انتمائنا لهذا الفكر. كان أول جرعة في زادنا هو تلك اللازمة الشهيرة للفتى “ػافروش” وهو يرقص في متراسه والرصاص يلعلع حول صدره العاري، يُسبِّح باسمي “روسو” و”فولتير”، وبعده كل الأدبيات “العظيمة” التي قرأناها بالفرنسية، فطبعت انتماءاتنا اليسارية وطموحاتنا وعَمَّدَتْ معارضتنا لـ”لاستعمار” ولأذنابه.

كنا، نتماهى بكل وجداننا في صف الثورة الفرنسية العظيمة تُسْقِطُ النظام المطلق السابق، وتخاطب العالم بشكل عام، وتخاطبنا نحن الذين نرزح تحت نير الاستبداد وجاهلية وجهالة عصور الانحطاط، منذ تاريخ نختلف هل ابتدأ مع نهاية المعتزلة أو مع نهاية ابن رشد والفلاسفة، وقد يذهب به البعض إلى إرساء الملكيات الوراثية مع الأمويين. وننسى الاستعمار والرق!

كنا نحن “المُتَمَرْكِسونَ” (دون تنقيص)، نجد زادنا في التبسيطيات التي سادت، وكانت تعلمنا أن الرأسمالية تشكل تقدما حاسما حضارياً وإنسانياً على الأنظمة التي سبقتها، وفكر الأنوار أحد مصادر الماركسية والاشتراكية، ولربما كنا نأسف أننا لم نعرف الثورة “الكالفينية”[3] في بنياننا الديني!

ومثل مُبَسِّطي الماركسية، لم نكن نرى الاستعباد والإبادة والعنصرية المفضوحة للـ”سمو” الحضاري الأوربي الذي شيدته “الإيديولوجية” على فكر الأنوار الساطعة وأقنعتنا بذلك لقرنين تقريبا. ولم نعِ أي رابطٍ بين كل الآلام والمآسي البربرية التي كبدتها الرأسمالية للإنسانية والكوكب، سواء في “مرحلة التراكم البدائي للرأسمال” أو “في ثورتيها الزراعية والصناعية ومرحلتها الاستعمارية والامبريالية.

وعرفنا أن بعض أحفاد “كارل ماركس” كانوا استعماريين ودعاة حرب، بل منهم من يولولون، بكاءً على تفشي “عنصرية ما ضد البيض”، وتأكدنا أن أغلب رفاق لينين مستبدون، ولكننا كنا مطمئنين أن الانحراف والتحريفية الذي أصاب البعض، هي السبب في هذه الخطايا، فلم نحفل بالنظرة الاحتقارية السائدة لدى جل اليسار في الغرب الأوربي والولايات المتحدة للجنوب والشرق وللبشر والمجال في الجنوب والشرق. واستمر “النموذج” هو الغرب!

ثم انتصرت “الامبريالية” فاعتبرناها هي المرحلة “الأقصى”، وربما الأخيرة، من عمر الرأسمالية، فاندلعت حربان “أوروبيتان” وما لا يحصى من الحروب الاستعمارية أو بالنيابة في الجنوب والشرق، واستمر النظام الرأسمالي الغاشم سائدا يتأزم ويترنح ثم ينهض، من “الكينزية”[4] إلى “السنوات الثلاثين المجيدة”[5] وصولا إلى ديكتاتورية “التقشف التحكمي”[6] و”فرمانات المؤسسات النقدية الدولية” حتى العصابات المتطرفة المعادية للبشرية والإنسان والحياة ولكل “ليبرالية” أو تقنين لسلطة الرأسمال وغطرسة الشمال الغربي.

وها نحن يتامى “فكر الأنوار” “الإنساني” خُذِلْنا، نشهد ونشاهد أغلب اليسار في الغرب، باستثناءات قليلة، يشارك إسرائيل في حرب الإبادة بالمال والسلاح والعتاد وقمع الشباب والجامعة وكل الضمائر الحرة الصامدة، ويصفي كل الحمايات للحريات العامة في التعبير والرأي!

بل إننا نرى اليوم، انبعاث شبح “الفصل العنصري” الذي ترعرع بحماية الغرب في جنوب افريقيا، حين ينط ممثلون من أولاد “العنصرية الأفريكانية”[7]، إلى مربع الحكم في قيادة الدولة الامبريالية الأقوى.

والبطش هو المؤكد سواء بالنسبة لقضيتنا الأولى، فلسطين، أو لمصالح شعوبنا. تتوعدنا “البلطجة” و”الأحادية” والمستقبل القريب، أسودُ مؤلمٌ، كمنظرِ المئات من الأطفال الفلسطينيين يبادون ويُجَوَّعون وينازعون الكلاب الضالة أشلاءهم.

ولأن التحليل الموضوعي يجب أن يكون باردا، سأضع ألمي العاجز في الرف، وأحاول التحليل والرجوع إلى التاريخ، الذي قد يقتنع أن “الشر” أصيل في تاريخ الرأسمالية، وأن هناك قرابة فكرية بين المدارس “المناهضة” للرأسمالية و عدد من أبعاد الرأسمالية نفسها، لعل أهمها هو “المركزية-الغربية” و عبادة “التقدم الكمي”:

·      في بداية القرن العشرين، اصطفت الطبقة العاملة وأحزابها “الاشتراكية-الديمقراطية” التي كانت جماهيرية وقوية، مع بورجوازياتها الشوفينية وانخرطت في الحرب العالمية الأولى؛

·      واستفادت الطبقة العاملة الغربية من ثمار استعمار دول الجنوب والشرق دون أدنى شعور بالتضامن الذي رفعته الحركة الاشتراكية، “يا عمال العالم اتحدوا” فاتحد “عمال العالم الغربي” مع الرأسمالية؛

·      وبعد هجوم الليبرالية الجديدة وويلات التقشف وتفكيك الخدمات الاجتماعية، استمعت الطبقة العاملة في جلها، وجمهرة من “المثقفين الثوريين” السابقين، لوَهْمِها، وللخطاب العنصري الذي يُحَمِّلُ مسؤولية السياسات النيو-ليبرالية للمهاجرين؛

·      ثم عشنا ردود الفعل المخجلة لجزء من “اليسار” على حرب الإبادة التي يتعرض لها الفلسطينيون.

ولكنني، ولأني أحمل وبكل اعتزاز، انتمائي بحلم التحرر والإخاء، ولأني مقتنع أن المُصْطَفِّين لا محالة سيستفيقون على انهيار عالمهم ووأد المستقبل، ما زلت أشد على جمر الأمل…

لأن ما يجري الآن في قلب النظام العالمي الظالم ورأسه، من اللجوء إلى تقاليد عصابات البلطجة، وحلول “المافيات” النزقة المتغطرسة في دواليب القرار وهجومها على الجامعات والإدارات ومنظومة الصحة وقدماء المحاربين والقضاء والصحافة والدول الصديقة والمستهلكين والمنافسين والصغار والمتوسطين، وهجمتهم و”فاشيتهم” ضد الفكر والقيم الإنسانية الأولية وعلى كوكبنا وحقوق الأجيال القادمة، يجعل انبعاث المقاومة حتمياً.

بل، حتى المصالح الضيقة الفئوية المهددة اليوم،بما يفتضح أمره على شاشات التلفزة من محاولة منع أي مراقبة صحية أو اقتصادية على البضائع وأسعارها وجودتها، تجعل المستهلكين، مضطرين للنهوض دفاعا عن مصالحهم.

لكن الانتظار قاتلٌ والثمن الذي يدفعه الأطفال والنساء والشباب والشيوخ والعمران والبيئة في غزة وسوريا ولبنان والسودان وليبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وبحار مراكب الموت، باهضٌ وقاسٍ.

وجَمْرُ الأملِ ألمٌ لا يحتمل! خصوصا حينما يقترن مع الحنين للأوهام “الحضارية” و”الكونية” التي سقت شبابنا وبررت توقنا لتقليد الغرب في “تقدمه” الصناعي واقتباسنا لمظاهر الزينة الإيديولوجية التي انبهرنا بها.

لكن، ولأن أهالينا هناك لوحدهم والدمار، لأن حياتنا هنا هَوانٌ، لأن على أطفال غزة وجنين ونابلس والقدس اليوم أن يصونوا إنسانيتهم ويدافعوا على الإنسانية من الخوف المطبق، سلاحهم أشلاؤهم والجثث. نقبض على جمر الأمل!

وجمر الأمل مدبّبٌ جارحٌ لكنه الوحيد الباقي لأن العشائر والحكومات والأعداء-الأشقاء فروا إلى قواعد الغرب المنيعة صامدين في إمداد العدو “الأكثر أخلاقية” في التاريخ والجغرافيا، بالمَدَد.

والجمر هو الشريان الباقي بين الظلام الحالي والإنسانية!

[1] نسبة إلى الثورة المضادة للكينزية والتي قادتها رئيسة وزراء بريطانيا سابقا Margareth Thatcher  والرئيس الأمريكي الأسبق Ronald Reagan
[2] تفكيك الوحدات الاقتصادية-الصناعية وتسليمها للمتنفذين السابقين في الحزب والجيش والمخابرات، بعد ذهاب غورباتشوف و حكم “إلتسين”
[3]  نسبة إلى كالفن والبروتيتانية
[4] نسبة إلى كينز والسياسات الاقتصادية التي اتبعها روزفلت وامتدت إلى باقي رأسماليات الغرب
[5]  Les Trente Glorieuses
[6] austéritarisme
[7]  Afrikaners

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *