×
×

في ذكرى وفاته: علي يعتة… زعيم الشيوعيين المغاربة 

علي يعتة واحد من أشهر الوجوه السياسية في مغرب القرن الماضي. يعدّه البعض اليوم زعيما تاريخيا للشيوعيين المغاربة، وقد حامت حول وفاته في حادث سير عام 1997 شبهات كثيرة… في هذا البوتريه، نتابع بعضا من حكايته.

ثمة من يولد ويوما ما يرحل، وثمة من يولد ويوما ما، أيضا، يرحل لكن بطريقة ما، يظل حيا… حيا في الأذهان وبالأساس في سجلات التاريخ.

التاريخ نفسه قد يكون مجحفا؛ إذ لا يدون سوى أسماء المتميزين… جيدون أو سيئون، الأهم أنهم ليسوا أرقاما.

في تاريخ المغرب، قديمه وحديثه، كثير من هؤلاء… أحدهم اسمه: علي يعتة! في هذا البورتريه، نقدم لكم بعضا من حكايته.

13 غشت 1997، شارع لاجيروند/الدار البيضاء…

علي يعتة

هكذا خُتمت نهاية الحكاية… أما النهاية، التي وصفت بـ”التراجيدية”، فهي: ترجل علي من سيارته، قاصدا مقر جريدة حزبه في الجهة المقابلة من الشارع، ثم حدث “مصادفة”، أن قدمت سيارة…

ما حدث بعد ذلك، حبكته تكاد تكون مألوفة… سرعة السيارة مفرطة، وسائقها مخمور، باغتت الرجل وصدمته بقوة ثم دعسته، و… أردته قتيلا!

بطل هذه الحكاية كان زعيما لحزب مغربي، ولأن الحادث توافق مع استحقاقات انتخابية قادمة، فثمة من ركن رأيه إلى أن أسباب الموت كثيرة، من بينها المصادفات، وثمة من استعصى عليه هضم ذلك.

اقرأ أيضا: المهدي بنبركة… من المعارضة والنضال الأممي إلى “الأسطورة”! 1\2

مثال ذلك، اسماعيل العلوي، الذي خلف الرجل بعد وفاته على رأس الحزب… يقول في حوار ليومية المساء، عام 2015: “حامت علامات استفهام كثيرة حول موته، وأنا شخصيا لا أكاد أستسيغ كيف يموت السي علي في حادث سير…”. الغريب… أن لا أحد يتحدث هنا، عن الشخصية التي كان علي يعتة برفقتها في السيارة، والتي لم نسمع وجهة نظرها في الأمر… ولا نعرف سبب ذلك!!

… ولأن حادث وفاته توافق مع استحقاقات انتخابية قادمة، فثمة من ركن رأيه إلى أن أسباب الموت كثيرة، من بينها المصادفات، وثمة من استعصى عليه هضم ذلك.

السي علي، إذن، أو الرفيق علي، أو الزعيم التاريخي لحزب التقدم والاشتراكية، أو ببساطة علي يعتة… كان بطل هذه الحكاية التي بدأت في الـ25 من غشت 1920، بمدينة طنجة.

حكاية صيغتْ صفحاتها الأولى من طرف أم ذات أصول ريفية، اسمها فاطمة، وأب ذي أصول جزائرية، اسمه سعيد. وما أن أطفأ علي يعتة شمعة عمره الرابعة، حتى ألحق بكتاب قرآني، على غرار أبناء جيله.

تعلم القراءة والكتابة، ثم انضم لاحقا إلى المدرسة الابتدائية الفرنسية-العربية، بحي مرشان، فتتلمذ على يد عدد من أبرز أساتذة المغرب، حينذاك، مثل العلامة عبد الله كنون.

اقرأ أيضا: في ذكرى اغتياله: عمر بن جلون… “شهيد” اليسار المغربي! 2/1

ثم عام 1933، هاجرت الأسرة إلى الدار البيضاء، فالتحق بثانوية ليوطي. ولأن دروسها في اللغة العربية كانت شحيحة، فقد تلقى دروسها، بالموازاة، على يد شيوخ ذوي علاقة بالحركة الوطنية.

في هذه الفترة، حمل علي يعتة مشعل كتابة حكايته التي صارت اليوم خالدة في تاريخ المغرب الحديث؛ فما إن أنهى عامَه الأربعين، حتى انخرط في الحزب الوطني، المحظور آنذاك، بتزكية من المهدي بنبركة.

قبل ذلك، حصل يعتة عام 1942 على شهادة الدراسات التطبيقية العربية في كلية الآداب بالجزائر. بعد سنة، وفي نفس الجامعة، نال شهادة أصول العربية.

في غضون ذلك، التحق يعتة بالتعليم العمومي لمساعدة عائلته، وكان يعطي دروسا في اللغة العربية للقنصل العام للولايات المتحدة الأمريكية بالدار البيضاء. هذا الأمر أثار حفيظة سلطات الاستعمار الفرنسية التابعة لفيشي، فراح يثير الأنظار إليه.

ثم أخيرا، جاء عام 1944… أيد علي يعتة وثيقة المطالبة بالاستقلال، وعمل على نشرها وتوزيعها، وانضم إلى الحزب الشيوعي المغربي، باتفاق مع قيادة حزب الاستقلال.

اقرأ أيضا: في ذكرى ميلاده الـ95: عبد الرحمان اليوسفي… أيقونة السياسة المغربية!

هنا بدأت المضايقات… بتهم مختلفة، نفي يعتة من طرف المستعمر مرات عديدة، وقضى بسبب محاولاته العودة إلى المغرب، فترات حبسية توزعت مكانيا بين الدار البيضاء والجزائر ومارسيليا وباريس والرباط.

لم يتوقف الأمر هنا. بعد نيل المغرب لاستقلاله، قرر يعتة العودة إلى بلده… لكن فرنسا كانت ما تزال السائدة، فطردته إليها مرة ثانية. ثم، عام 1958، قُدّم للمحاكمة في طنجة بسبب عودته إلى المغرب ومن ثم خرقه لقرار النفي، بيد أن المحكمة برأته هذه المرة، ولم تعترف بإجراء السلطة الفرنسية.

يحكى أن الملك الراحل، الحسن الثاني، كان إذا أراد أن يمازح يعتة، ناداه بـ”الحاج الشيوعي”؛ فقد عرف الأخير رغم فكره الشيوعي بختم مداخلاته البرلمانية بترديد الآية القرآنية “وقل اعملوا فسيرى الله عملكم…”.

عام 1960، مُنع الحزب الشيوعي، وبعد ثلاث سنوات، اجتمع سريا… من بين نتائج الاجتماع، بناءً على تقرير سياسي قدمه يعتة، الارتباط المتين بالواقع المغربي والتركيز على كل القضايا المغربية، والاعتماد على مبادئ الإسلام مع الاحتفاظ بأفكار وأساليب التحليل للاشتراكية العلمية.

نتج عنه، أيضا، تغيير اسم الحزب إلى “التحرر والاشتراكية”… وذلك ما صار واقعا، عام 1968، إذ أسس الحزب في صيغته الجديدة، وانتخب يعتة أمينا عاما له.

اقرأ أيضا: في الذكرى الـ12 لرحيله: ادريس بن زكري… سيرة مهندس العدالة الانتقالية بالمغرب! 2/1

حُظر الحزب مرة ثانية، وحكم على يعتة بالحبس النافذ لعشرة أشهر، بيد أن الحزب استمر في عمله بكيفية سرية رغم الحظر، إلى أن جمع عام 1972، لقاء بين يعتة والملك الراحل الحسن الثاني.

بعد سنتين، وعلى أنقاض الحزب المحظور، أُسّس حزب جديد يحمل “التقدم والاشتراكية”، انتخب يعتة أمينا عاما له مرة أخرى. ثم عام 1977، تقدم للانتخابات التشريعية، ففاز في دائرة المدينة القديمة للدار البيضاء. دائرة ترشح فيها، ثانية، عام 1984 وعام 1993.

يحكى أن الملك الراحل، الحسن الثاني، كان إذا أراد أن يمازح يعتة، ناداه بـ”الحاج الشيوعي”؛ فقد عرف الأخير رغم فكره الشيوعي بختم مداخلاته البرلمانية بترديد الآية القرآنية “وقل اعملوا فسيرى الله عملكم…”.

اقرأ أيضا: في ذكرى ميلاده… مرايانا تستحضر سيرة عبد الرحيم بوعبيد، أحد أبرز المعارضين في تاريخ المغرب الحديث

يعتة مارس الصحافة أيضا، وأسهم في تأسيس عدد من صحف الحزب، إضافة إلى نقابة الصحفيين بالمغرب، كما أن له مؤلفات عدة، من بينها “من أجل انتصار الثورة الوطنية الديمقراطية” و”الصحراء الغربية المغربية”.

باختصار، إذن، كان هذا غيض من فيض حكاية علي يعتة، الرجل الذي يعد اليوم زعيما تاريخيا لحزب التقدم والاشتراكية.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *