×
×

ملف مرايانا: نحن أحق بالشك من ابراهيم! 3/3

الوحي لم ينزَّل على المجانين، والنص الديني لم يخاطب السفهاء، بل وجه الخطاب في غير ما موضع لأهل العقل، لكن…
بدعوى الخوف ، همش الفقهاء دور إعمال العقل في النقل، مقابل إعلاء شأن الأخير على العقل، في إغفالٍ تام لقاعدة أن مناط التكليف العقل؛ إذ من الشروط الأساسية للتكليف، أن يكون المرء عاقلا…
وأن يكون عاقلا… يعني أن يمارس الشك، كما فعل الأنبياء.

 

أحمد المهداوي: باحث في الدراسات الإسلامية

“لا ينصح أحد بالتوغُّل في تحققه من أمور الدِّين لأن هذا سوف يوصله إلى الكفر”

على نفس المنوال، يتماهى الخطاب الديني السلفي مع مقولة أبراهام لينكون في كون البحث المعمَّق الذي يتوغَّل في أمور الدين يؤدي بالباحث إلى الكفر، إذ ينبني الخطاب الديني السلفي على مسألة الإيمان والتَّسليم بالبديهيات الدِّينية دونما تساؤل أو بحث في حقيقة تلك الأمور. هذا الأمر يُظهر للوهلة الأولى، السُّؤال أو بالأحرى الشَّك، بمظهر الشُّذوذ عن الأصل الذي يتمظهر في الإيمان باعتباره القاعدة الأساس. لكن ماذا إن كان ما يُعتبر شذوذًا هو في الأصلِ… الأصلُ والقاعدة؟!
بالعودة إلى الحديث المُسطَّر في البخاري ومسلم على لسان محمد نبي الإسلام، نجده يحثُّ على الشَّك، (نحن أولى بالشَّك من إبراهيم) ففيما شكَّ إبراهيم النَّبي؟!

            مع أن النص القرآني ذمَّ الإيمان السلفي المبني على إيمان الآباء والأجداد، إلا أن الخطاب الديني/السلفي يتجه في الاتجاه المعاكس، ويسير على خطى {إِنَّا وَجَدنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وإِنَّا عَلَى آثارهم مُهتَدُون}.

لم يكن شكُّ إبراهيم في مسألة عابرة وحسب، أو فرعٍ من فروع الدِّين، وإنَّما في أصلٍ من أصوله والمتعلِّق بالقدرة والكينونة الإلهية، {ربِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحيِي المَوتَى، أَوَ لَم تُؤمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيطمَئِنَّ قَلبِي}.

إبراهيم إذن كان ينشُد الاطمئنان القلبي والراحة النَّفسية، عن طريق الشَّك؛ فالشك أول مراتب اليقين، والمؤمن الحق هو الذي يسائل إيمانه، ويفتِّش في حقيقة اطمئنانه لفكرة ما، ويُنقب في دواليب عقله عما يرشده إلى الراحة النفسية المنشودة.

إقرأ أيضا: ملف “مرايانا”: الشك… بين انفتاح النص وتطرف الفقهاء. 1/3

أتصور لو أن أحدا منَّا قام بمساءلة رجال الدين على النَّحو الذي ساءل به إبراهيم الله، أو النَّحو الذي سأل موسى بدوره رؤية الله، وهو من هو في تاريخ الديانات التوحيدية باعتباره كليم الله، {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنا وَكَلَّمَهُ ربُّه قَالَ أَرِنِي أنظُر إِليك} هذا، والحال أنه كليم الله، كيف كان سيكون رد رجال الدين على السائل؟! علما أن إبراهيم (الخليل) وموسى (الكليم) سألا الله، فكيف بمن هو دونهما؟ أليس هو أولى بالشك والسؤال منهما!؟

أفترض أن الجواب سيكون على شاكلة فتاوى ابن تيمية (يستتاب، فإن تاب وإلا قتل/وإلا ضربت عنقه)، مع أنه، وإلى جانب إبراهيم وموسى، يصطف الشخص (عزير/إرميا) الذي تساءل، ولربما شك في قدرة الله على إحياء القرية البائدة كما جاء ذلك في خبره {أَو كَالَّذي مَرَّ عَلَى قَريَةٍ وَهِيَ خَاوِيَّةٌ عَلَى عُرُوشِها قَالَ أَنَّى يُحيِي الله هذِهِ بَعدَ مَوتِها}، وأنَّى في اللغة أداة استبعاد، أي أن الرَّجل استبعد أمر بعث وإحياء الله لتلك القرية التي تعرضت للإبادة، فلم يتبق من منشآتها إلا الرَّسم والطلل.

إلا أن الغريب في أخبار هؤلاء، وعلى الرغم من الشك الذي انتابهم وحاوط مخيَّلتهم، بل وأبدوه لله، لم يكن جوابه بالزجر والقمع، أو بالاضطهاد والرمي بالزندقة والكفر والتوعد بالقتل والهلاك، بل أبدى لهم الدلائل والبراهين على الفور حتى تطمئن نفوسهم، لأنه يعلم بأن النفس البشرية جُبلت على الشك والسؤال، وإن أبدت عكس ذلك وحاولت الإيمان والتسليم حتى لا تنساق إلى السقوط في الهاوية، على حد زعم رجال الدين. هؤلاء يربطون “الشَّك” بالتكذيب والإنكار، على أساس أن الشك نقيض اليقين، على عكس ما ذهب إليه ديكارت من كون الشك يقود إلى اليقين.

من المعلوم أن دوافع التفلسف، حسب كارل ياسبرز، تنبني على الدهشة، أي الحيرة والتعجب حتى مما هو مألوف، والشك بوضع كل الأفكار موضع تساؤل، ثم التساؤل حول الذات، أي التفكير في الأمور المتعلقة بالمصير. لهذا، فإن رجال الدين ضد الفلسفة بوصفها تدعو إلى الشك والتساؤل، وهذه أمور محرمة في عرف الخطاب الديني السلفي. الأخير يدفع الفرد إلى الإيمان المطلق دفعا دونما خوضٍ في المسائل الدينية، بدعوى الخوف على إيمان الناس، رغم أن الذين يخافون على إيمانهم من الكلام قومٌ لا يثقون بإيمانهم كما ذهب إلى ذلك عبد الله القصيمي.

 أتصور لو أن أحدا منَّا قام بمساءلة رجال الدين على النَّحو الذي ساءل به إبراهيم الله، أو النَّحو الذي سأل موسى بدوره رؤية الله، وهو من هو في تاريخ الديانات التوحيدية باعتباره كليم الله، كيف كان سيكون رد رجال الدين على السائل؟!… أفترض أن الجواب سيكون على شاكلة فتاوى ابن تيمية (يستتاب، فإن تاب وإلا قتل/وإلا ضربت عنقه).

بدعوى الخوف أيضا، يهمِّشون دور إعمال العقل في النقل، مقابل إعلاء شأن الأخير على العقل، في إغفالٍ تام لقاعدة أن مناط التكليف العقل؛ إذ من الشروط الأساسية للتكليف، أن يكون المرء عاقلا، فالوحي لم ينزَّل على المجانين، والنص الديني لم يخاطب السفهاء، بل وجه الخطاب في غير ما موضع لأهل العقل: {أفَلا يعقِلُون} {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكرَى لأُولِي الألباب}.

إقرأ أيضا: علي اليوسفي: الإسلام والحجاب: إخراج الآيات من سياقها – الجزء الثاني

ومع أن النص القرآني ذمَّ الإيمان السلفي المبني على إيمان الآباء والأجداد، إلا أن الخطاب الديني/السلفي يتجه في الاتجاه المعاكس، ويسير على خطى {إِنَّا وَجَدنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وإِنَّا عَلَى آثارهم مُهتَدُون}.

إن الخطاب الديني عموما، والسلفي خصوصا، يشعر بالحساسية المفرطة تجاه التساؤل والتشكك، ويعتبر المتسائلين حول القضايا المتعلقة بالدين، مارقين من الدين، خارجين على الملَّة؛ وذلك سواء تعلق الأمر بالأصول أو الفروع، وإن عظُم الأمر بالنسبة لهم في الأولى.

بذلك، يظلَّ هذا الخطاب الماضوي معتمدا ومقتصرا على التفاسير الماضية، الآراء الفقهية القديمة، دونما مراعاة للواقع المعاش، ولا للأنساق الفكرية المتغيرة، مع إغفال أن التساؤل جزء من التركيبة الإنسانية، وامتداد للطبيعة النفسية للبشرية التي يهزُّها الشك، ويُطربها التساؤل، ويؤنسها البحث عن الحقيقة.

لقراءة الجزء الأول: ملف “مرايانا”: الشك… بين انفتاح النص وتطرف الفقهاء. 1/3
 لقراءة الجزء الثاني: ملف “مرايانا”: الشك؟… رفيق خاتم المرسلين نحو اليقين 2/3

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *