×
×

المجتمعات الإنسانية: من العيد إلى الحرب… من الفرح إلى الدمار! 2/2

لا يمكن أن نجد في المجتمعات الحديثة، إلا بديلا واحدا للعيد في المجتمعات البدائية يقطع اليوم مع رتابة الحياة اليومية. هذا البديل، كما رأينا في الجزء الأول من هذا الملف هو الحرب. 

هكذا يعتقد عالم الاجتماع الفرنسي، روجيه كايوا، في كتابه “الإنسان والمقدس” الذي أشرنا إليه في الجزء السابق، الجزء الذي خصصناه لتقديم نظرية كايوا هذه، ثم أوضحنا فيه فكرته عن أوجه العلاقة بين العيد البدائي والحرب الحديثة. 

في هذا الجزء، الثاني والأخير، نوضح الأهمية التي كان يكتسيها العيد في المجتمع البدائي، وتلك التي تكتسيها الحرب في المجتمع الحديث، ثم نتحدث في الأخير، عن الصيرورة التي أدت بالإنسان ضمن “انفجار الحياة” هذا، من الفرح إلى الدمار.

أهمية العيد والحرب في المجتمعات البدائية والحديثة

في المجتمعات البدائية، كانت الأعياد من الأهمية بمكان حتى أنها كانت ترسي معالم الزمن، فالتقويم أو الرزنامة، أو اليومية بالتعبير الدارج اليوم، لم تكن تحصي بين عيد وآخر، سوى أياما جوفاء، لا تكتسب أهميتها إلا من خلال موقعها أو قربها بالنسبة إلى تواريخ الأعياد.

افتقار الحروب في المجتمعات البدائية إلى الوضوح والاتساع، يظهرها في موازاة الأعياد، تافهة، فهي لا تعدو أن تكون في الغالب، فواصل زمنية قصيرة، تتراوح بين السلب والثأر وغارات الصيد، يقول روجيه كايوا.

في أيامنا هذه، نجد نفس الشيء تقريبا، فمع أن الأعياد التي نحتفل بها ليست بنفس زخم الأعياد البدائية التي نتحدث عنها، لا زلنا نقول، إن هذه المناسبة ستأتي بعد عيد كذا، أو قبل عيد كذا.

اقرأ أيضا: “الإبادة الثقافية: الفظاعة الناعمة للبشرية! 2/1”

الحرب تؤدي نفس الدور، لكن على نحو أشمل، فهي معلم حاسم في سيرورة الزمن، إذ تنشئ القطائع في حياة الأمم، وتفتتح كل مرة عهدا جديدا، فإن ابتدأت حرب قلنا انتهى زمن، وإن وضعت أوزراها بدأ زمن آخر، قد يتغير فيه نمط العيش كليا عن السابق.

من هنا، نميز إلى حدود اليوم بعناية بين فترتي ما قبل الحرب وما بعدها، فنقول مثلا، بعد الحرب العالمية الثانية، أو قبلها. أما زمن السلم، فلا يشكل سوى ما يشبه ملء الفراغ بين حربين.

لكن قد يطرح هنا سؤال مهم؛ ما موقع الحرب عند المجتمعات البدائية؟

تطور رغبة الإنسان في تحرير طاقته، وغلوه في “طابع” العيد هذا، أو ما يسميه روجيه كايوا، بـ”انفجار الحياة”، هو الذي أدى إلى ظهور الحرب المتعارف عليها حاليا.

افتقار الحروب في هذه المجتمعات إلى الوضوح والاتساع، يظهرها في موازاة الأعياد، تافهة، فهي لا تعدو أن تكون في الغالب، فواصل زمنية قصيرة، تتراوح بين السلب والثأر وغارات الصيد، يقول روجيه كايوا.

اقرأ أيضا: “الوجه الآخر لصلاح الدين الأيوبي… كما رسمته المصادر الإسلامية السنية 5/1”

كيف تحول “انفجار الحياة” هذا، من فرصة للفرح، إلى تدمير؟

شيئا فشيئا، سيشرع الإنسان في تفريغ طاقته التي كان ينتظر الأعياد لتفريغها، في أشياء مشؤومة، لا تتناسب من حيث ضخامتها مع ما يرغب فيه من العيش، ذلك أنه سيرجح التوازن القائم نحو كفة الدمار.

طابع[1] العيد في العالم البدائي، هو نفسه طابع الحرب في العالم الحديث، لكن مع تناقض تام، فبينما يحيل الأول على الفرح، يحيل الثاني على الدمار. تطور رغبة الإنسان في تحرير طاقته، وغلوه في “طابع” العيد هذا، أو ما يسميه روجيه كايوا، بـ”انفجار الحياة”، هو الذي أدى إلى ظهور الحرب المتعارف عليها حاليا.

اقرأ أيضا: “هذه حكايات 9 من أشهر الاغتيالات السياسية في صدر الإسلام… 3/1”

لكن بينما كانت الأعياد توقف الأعمال العدائية، وتصالح بين الأعداء الذين تدعوهم الفورة الموحدة إلى التآخي في حالة الفرح هذه التي تحميها الآلهة؛ نجد أن المجتمعات الحديثة ذهبت في نقيض ذلك تماما، فالحرب في أيامنا هذه، توقف كل شيء.

إنها تقفل الحدود بينما الأعياد كانت تفتحها، وهي وحدها من استطاع أن ترث عن العيد قدرته الكلية، لكن… في الاتجاه المعاكس، فعوض أن توحد، تفرق! هكذا، كان الإنسان فيما مضى يجدد الزمن بالأعياد، وصار اليوم يجدده بالحروب، حتى آلت ملامح حياته من الفرح… إلى الدمار!

لقراءة الجزء الأول: كيف حولت رغبة الإنسان في التجديد، العالمَ، من الفرح إلى الدمار؟ 2/1


[1]  الرغبة في التجديد والتبذير والاستهلاك الجم وتجاوز القوانين والشرائع وكل ما أشرنا إليه سابقا في الجزء الأول من هذا الملف.
تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *