×
×

من فرنسا، الباحث السوري وسام الناصر يكتب: الوجه الآخر لفيسبوك: مستنقع الكراهِية والعدوانيّةالفايسبوك الفرنسي والفايسبوك السوري

النظر لفيسبوك على أنه مجال للتبادل العقلاني والحر يجب أن يصحَبَهُ الكثير من الحذر والتدقيق، فالمساواة وحرية التعبير في فيسبوك لن يكون لهما آثار ونتائج إيجابيّة حقيقيّة في حال غياب حدّ مقبول من القيم الأخلاقيّة، وآداب الخطاب العقلاني واحترام الآخر وصون كرامته

تتفق غالبية الدراسات المهتمّة بشبكات التواصل الاجتماعيّ على دور هذه الأخيرة في توسيع المجال العام، والمساهمة في كسر هيمنة وسائل الإعلام التقليديّة إلى حد ما.

كما يثمّن هذا الدور بدرجة أكبر في الأنظمة التسلطيّة التي تحتكر المجال العام وتُغلقه بشكل شبه مطلق أمام مواطنيها؛ حيث أتاحت هذه الشبكات للمواطنين العاديين بالتحول من موقع المستهلك “السلبي” للمعلومة، إلى موقع المشارك “الفعال” في عمليّة صناعة المعلومة ونشرها. فأصبحت هذه الشبكات صوتَ من لا صوتَ له، وأدخلت إلى المشهد العام فواعل جدد، لم يكن لهم أن يؤدّوا حتى أدوار الكومبارس في الماضي القريب.

شهدت المراحل الأولى للثورة السوريّة شغف الوافدين الجدد لفيسبوك بالتفاعل والمشاركة بشكل مكثّف ومنتظم، وانخرطت في ذلك أيضا العديد من الشخصيات العامة، السياسيّة والإعلاميّة

وتعتبر ثورات الربيع العربي المثال الأكثر وضوحاً وراهنيّةً في هذا السياق، سواء لجهة كثافة استخدام الشبكات الاجتماعيّة، أو لأهميّة وتنوّع الأدوار التي لعبها المواطنون خلالها.

إلا أن هذا الشكل الجديد للتواصل، غير المقيد زمانيّاً ومكانيّاً، وصعب الضبط قانونيّاً؛ حرَّرَ إلى حد كبير وصادم المستخدمين من القيود الأخلاقيّة والاجتماعيّة، فتحوّل الممنوع في الحياة اليوميّة لمتاح في الحيّز الافتراضيّ، وتلاشى الحياء والخجل، وأصبح ما تعفُّ عنه الأفواه في النقاشات العامة، تنطُقهُ الأصابع أصواتاً من وراء الشاشات.

اقرأ أيضا: محمد بن سلمان… من تهمة “أبو رصاصة” إلى تهمة “أبو منشار”

مناسبة هذا التذكير بالجانب المظلم لوسائل التواصل الاجتماعيّ مرتبطة بمتابعتي لتطورات حراك السترات الصفراء في فرنسا خلال الفترة الماضية. فمنذ إعلان مجموعات ما يسمى “الشالات الحمر” (Les Foulards Rouges)، وهي تضم مواطنين رافضين لاستمرار مظاهرات السترات الصفراء وتدعوهم لاحترام المؤسسات الديمقراطيّة والانخراط في الحوار الوطني الذي أفتتحه الرئيس “ماكرون” في محاولة حلّ الأزمة التي بدأت في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2018؛ (منذ إعلانها) عن نيتها التظاهر في باريس يوم 27 يناير/كانون الثاني الفائت، انتصاراً للحرية وقِيم الجمهوريّة، تحوّل فيسبوك إلى ساحة مواجهة بين أنصار الضفتيّن.

هذا الشكل الجديد للتواصل حرَّرَ المستخدمين من القيود الأخلاقيّة والاجتماعيّة، فتحوّل الممنوع في الحياة اليوميّة لمتاح في الحيّز الافتراضيّ، وتلاشى الحياء والخجل، وأصبح ما تعفُّ عنه الأفواه في النقاشات العامة، تنطُقهُ الأصابع أصواتاً من وراء الشاشات

فبعيداً عن الاتهامات التي تلقيها السترات على الشالات الحمر بأنها تمثل طبقات برجوازيّة متواطئة مع الرئيس “ماكرون” ولا تهتم لمعاناة الفقراء، أو تلك التي تكيلها الشالات للسترات الصفراء معتبرةً إياها جماعات تخريبيّة من مكسرين أو متطرفين من أقصى اليمين واليسار…. بعيداً عن ذلك كلّه، ضفحت صفحات فيسبوك الطرفين بأشد التعابيّر كراهيّةً وعدوانا. فتخلّت أعداداً كبيرة من المعلقيّن عن الأخلاق والآداب العامة، وشَرَعت في صوغ السباب والتحقيّر والتهديّد الشخصي بأبشع صوره، مستخدمة أساليب تنمريّة وعبارات تحقيريّة/جنسيّة، محملّةً بشحنات عنصريّة بغيضة.

وقد ضاق العديد من مدراء الصفحات ذرعاً من كثافة التعليقات العدوانية وانحدار المعلقيّن من الطرفين (الأصفر والأحمر) إلى مستويات خطابيّة جدّ متدنّية، مما دفعهم إلى حذف معظمها أو حتى حذف منشورات كاملة بما فيها من تعليقات.

يمكن أن يتحوّل فيسبوك بسرعةٍ كبيرةٍ إلى ساحةٍ للتصادم وتبادل للعنف والعدوان بأشكال مختلفة، من الصعب جداً ضبطها والسيطرة عليها لا من الناحية الأخلاقيّة، ولا حتى القانونيّة أيضاً.

يعيدنا هذا الغليان الذي يشهده فيسبوك فرنسا هذه الأيام إلى مشاهد مشابهة عشناها في الموقع الأزرق عند اندلاع الثورات في بعض البلدان العربيّة، وسوريا مثالٌ صارخٌ في هذا الشأن، دون إهمال اختلاف السياق السياسيّ/الاجتماعيّ، والدور الذي لعبته الحرب التي مزقت سوريا في نقل المعارك إلى الحيّز الرقميّ أيضا.

اقرأ لنفس الكاتب: Paroles paroles… أزمة ثقة تعصف بالمجتمع الفرنسي

كما أنّ لسورية خصوصيّةّ مضاعفة تعود لأمرين هاميّن: الأمر الأول مرتبط بعدم وجود تجربة جماعيّة للمواطنين في استخدام فيسبوك قبل عام 2011، فتجرية السوريين مع فيسبوك ولدت أصلا في بيئة مشحونة وساخنة، ارتبطت بالدعوات الأولى للتظاهر في شهر فبراير/شباط 2011. أما الأمر الثاني فيعود إلى هشاشة البنى الاجتماعيّة المركبّة والتي ساهمت إلى حدٍ كبيرٍ في تسريع انزلاقات فوالقها المختلفة، وتعميّق الأثلام الشاقولية في المجتمع.

الكثير من القائمين على تلك الصفحات رحّبوا بتلك الأنواع من التعليقات، ولم يتوقف الأمر عند السباب والتحقير والتنمّر وغيرها من التعليقات العدوانيّة، بل تعداه إلى مستويات أخطر من التهديد الشخصي ونشر أسماء وعناوين وصور أشخاص بعينهم، والدعوة إلى النيل منهم وحتى قتلهم

لكن هذا لا يعني أن الحيّز الرقمي السوري لم يشهد إرهاصاتٍ إيجابية لبروز رغبة جامحة لدى شريحة من السوريين بالمشاركة في حوارات وتبادلات عقلانيّة بنّاءة؛ بل على العكس، حيث شهدت المراحل الأولى للثورة السوريّة شغف الوافدين الجدد لفيسبوك بالتفاعل والمشاركة بشكل مكثّف ومنتظم، وانخرطت في ذلك أيضا العديد من الشخصيات العامة، السياسيّة والإعلاميّة.

هذا ما فتح، ولأول مرة، الباب واسعاً أمام بناء جسور تواصل بين النخب والمواطنين السوريين في حيز رقميّ متحرر نسبيّاً من القيود السلطويّة، مقارنة مع نظيره في الواقع؛ والذي أحْكمتْ السلطة السياسيّة إقفاله منذ عقود مضت.

أذكر تماماً كيف تحوّلت صفحات بعض الشخصيات إلى منتديات مفتوحة يشارك فيها كلّ من رغب في نقاشات متعددة، تطرحُ مواضيع وقضايا متنوعة، وبلغ التعويل على هذا الحائط الأزرق درجة أن بعض تلك الشخصيات كانت تنخرط مع أصدقائها في نقاشات قد تستمر حتى ساعات متأخرة من الليل، لا بل حتى أن بعضهم كان ينشر اعتذاراً عن تغيّبه لفترة ما عن متابعة صفحته.

اقرأ أيضا: من بريطانيا، وائل العجي يكتب: الربيع العربي ومتلازمة استكهولم، أو ولع الضحية بالجلاد

إلّا أنَّ هذا الحال لم يستمر طويلاً؛ فسرعان ما انشغلت النخب بالعمل السياسيّ وانخرطت في مسلسلات من الاجتماعات والمؤتمرات المغلقة والمفتوحة في قاعات الفنادق والسفارات، ليتحول بعدها فيسبوك إلى مرآة عاكسة لطاحونة الحرب الدائرة على الأرض. فاستأثرت الأطراف الأكثر تنظيماً، وربما الأكثر تطرّفاً، والمنقسمة في ضفتين متجابهتين، مع أو ضد النظام، بالحيّز الرقميّ، محوّلةً إياه إلى ساحة للمواجهة والتفنن في أساليب الاعتداء والتحقيّر المشخصنة والمحمّلة بشحنات طائفيّة وعنصريّة غير مسبوقة.

هذا الأمر أدى إلى انحسار النقاشات والحوارات إلى المساحات المغلقة في فيسبوك، في الوقت الذي تحولت فيه معظم الصفحات المفتوحة إلى فضاءات ذات أجندات معينّة، تقوم بمهام الحشد والتجييش السلبيّ فاتحةً أبوابها للموتورين والمتشدّدين لبثّ سمومهم وتعابيرهم المقززة دون أيّ رقابة أو وجل.

لا بل أن الكثير من القائمين على تلك الصفحات رحّبوا بتلك الأنواع من التعليقات، ولم يتوقف الأمر عند السباب والتحقير والتنمّر وغيرها من التعليقات العدوانيّة، بل تعداه إلى مستويات أخطر من التهديد الشخصي ونشر أسماء وعناوين وصور أشخاص بعينهم، والدعوة إلى النيل منهم وحتى قتلهم.

أتاحت هذه الشبكات للمواطنين العاديين بالتحول من موقع المستهلك “السلبي” للمعلومة، إلى موقع المشارك “الفعال” في عمليّة صناعة المعلومة ونشرها.

إذن، يمكن أن يتحوّل فيسبوك بسرعةٍ كبيرةٍ إلى ساحةٍ للتصادم وتبادل للعنف والعدوان بأشكال مختلفة، من الصعب جداً ضبطها والسيطرة عليها لا من الناحية الأخلاقيّة، ولا حتى القانونيّة أيضاً. فالخيارات التقنيّة المتنوّعة والمفتوحة للمستخدمين، وإمكانية إخفاء هوياتهم الحقيقيّة تتيحُ لهم التفنّن في ممارسة العنف بأساليب شتى، تبدأ بالتعابير النابيّة ولا تنتهي بالصور والفيديوهات الفاضحة.

لذلك، فإن النظر لفيسبوك على أنه مجال للتبادل العقلاني والحر يجب أن يصحَبَهُ الكثير من الحذر والتدقيق، فالمساواة وحرية التعبير في فيسبوك لن يكون لهما آثار ونتائج إيجابيّة حقيقيّةً في حال غياب حدّ مقبول من القيم الأخلاقيّة، وآداب الخطاب العقلاني واحترام الآخر وصون كرامته.

اقرأ أيضا: من اليمن، حسين الوادعي يكتب: ثورات الإعلام والمعلومات التي لا تنتهي

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *