×
×

ما معنى أن تكون ملحداً مغربيا؟… قصص مغاربة خرجوا من “الملّة”!

يذهب معظم المغاربة إلى بيوتهم كلّ مساء، وكلّ منهم يحمل إلهه في جيبه ويطمئنّ لوجوده معه في كلّ مكان. لكنّ الملاحدة في المغرب، حالهم مثل حال معظم الأقليّات بالبلد، لازالوا يواجهون التّضييق والصّور النمطية والأفكار الجاهزة… وهناك من يعتقد أنهم يستحقون “الجهاد” و”القتل”.

محنة الملاحدة، والأقليات الدينية عمومًا، مضاعفة: الدّين والتّقاليد والقانون. وتترجمُ، قانونيًّا، في الفصل 220 من القانون الجنائي، خصوصا الفقرة الثانية، التي تتضمن العقوبة المتعلقة بـ”زعزعة عقيدة مسلم”.

لكن… دعونا نستمع لحكايات ملاحدة، ربما لهم صوتٌ… بيد أنه مقموع ومحتشم ومُصادَر.

ياسر: إلحادي جعلني أخسر أصدقائي 

قبلَ أن يعرج إلى قصته مع الإلحاد، يصرّ ياسر، وهو اسم مستعار لشاب عشريني، على طرحِ مجموعة من الأسئلة المشروعة كتمهيد: هل وصلنا لمرحلة يُمكن فيها الخروج عن المألوف والمتعاقد عليه اجتماعيا، كيفما كان هذا المألوف؛ عُرفا، كان أو تقليدا أو مُجرد أفكار؟ هل وصلنا لدرجة التصالح الاجتماعي، والاعتراف بأن العقلَ واحد، لكن، طريقة توظيفه مختلفة؟ هل البيئة الفكرية في المغرب مؤهلة لطرح مثل هكذا نقاشات تسائل السائد؟

يستطردُ محدّثنا بأنّه، قبل اتخاذ أي موقف، “تتشكل أسئلة وشكوك، وظنون، يُفرزها العقلُ الشاك الناقد. تلك الأسئلة لم يكُن وراءها سوى البحث عن الحقيقة، يقينية الدين ووجود الله والتسليم به، أو القطيعة مع كل ذلك. كُنت أشارك هذه التساؤلات على مواقع التواصل الاجتماعي، بعفوية، ما أثار انتباهي ودهشتي أنه اتخذ موقفا لم أتبناه في تلك الآونة: “فلان ملحد، فلان خرج عن ملته”.

الذي كان يزعجُ ياسر في البداية أنه لم يصبح ملحداً بعد حينها، لكن تمت مواجهته بهذا الموقف مرارا وتكراراً… يوضح لمرايانا: شرحت للجميع أنها مجرد أسئلة، من جهة أن كل شيء متوارث لم نفككه ولم ندقق فيه، من مُنطلق أن الله لا يعبد عن جهل، ومن منطلق أن مطرقة النقد تدق كل شيء. لكن، تبين لي أن هناك خطوطا حمراء: “المقدس”. وهذه الخطوط لا يجب تجاوزها، بل ومشكوك في أمره من يناقشُها. كلّ شك يجعلك تصطدم مع الثقافة اليومية، نحن ضحايا للتفكير اليومي.

الموقف تم التعبير عنهُ من خلال منشورات ومقالات ناقدة للدين والله، توافدت الرسائل باختلاف كلماتها، لكن المغزى واحد: ويحك يا فلان، ألا تخشى وعيد جهنم؟ ألا ترى أنك تتجرأ على أكثر المناطق قداسة وحساسية: فكرة الله. أصبحت أخسر محيطي، فمرة وصلتني رسالة من صديقة من أغلى الناس عندي، قالت بالحرف: أنت ملحد، وديني لا يسمح لي بأن نكون أصدقاء”. وتم حذفي من قائمة حياتها. آلمني ذلك كثيراً وبصدق.

يجمل ياسر شهادته قائلا: موقف آخر أبان عن إرهاب فكري تجاهي، تعرض يوما حسابي بالفايسبوك للقرصنة، وتم التشهير بي، وتعرضت للتهديد بالقتل. وهناك قررت أن أتوقف عن نشر قناعاتي. لكن من جانب آخر، ثلة من الأصدقاء المتنورين فكريًّا، والمختلفين معي موقفا، كانوا يناقشون معي الأفكار في حوار سمته الاحترام، كان ذلك يشعرني بالدفء. لماذا؟ لأن البيئة التي وُلدت فيها محافظة، تقليدانية، من الصعب، أن تناقش فيها هاته الأفكار بحرية، من الصعب أن تُنحي أحدهم إلى الزاوية لتناقش معه. هؤلاء الأصدقاء أشعروني أن داخل كل قاعدة استثناء.

نجلاء: “الإلحاد نوع من الاطمئنان النفسي!

تحاول نجلاء أنّ تلخص معنى أن تكون ملحداً بالمغرب في كونها “صعوبات يومية متراكمة، نظراً لحضور الديني في حياة المغاربة في هيأة تقاليد متصلّبة وأعراف مُتوارثة. أنت ملحد، لكن إلحادك مكبّل بالقانون ابتداءً، ثمّ بالتقليدانية السائدة لدى أغلبية المغاربة، حتى الشباب منهم في معظم الأحيان. قلّة هم من قد يتقبلك، بغضّ النظر عن رحلتك في التديّن. لذلك، فمعظم الملاحِدة يخفون إلحادهم ولا يعلنون عنه، وأنا من قبيلتهم، أمارس إلحادي بنوع من التّخفي إيثاراً للسّلامة والعافيّة”.

عن بداية رحلتها في الإلحاد، تقول نجلاء: في الباكالوريا، بدأت الشّكوك تُراودني. كنتُ أتساءل على الدوام لماذا كثير من الفظَاعات مقبولة ومُمكنة داخل أجهزة الملّة التي نتّبعها، وفق ما وجدناها عليه: العبوديّة والسبي والتعذيب والقتل والتعدد واللامساواة في الإرث، إلخ. كنت أقول كيف يمكن أن يكون الإلهبهذه السادية!

توضّح المتحدثة ضمن شهادتها لمرايانا أنها بدأت البحث عن أجوبة. لكنها لم تعثُر على ما يفنّد شكُوكها، بل على تبريرات دينية غير منطقيّة إطلاقًا في شقّ كبير منها. وكان هذا يجعلها تتشبث بكلّ ما يجول في ذهنها من شكوك. باتت تتقَاسمُ هواجسها مع والدتها، غير أنّها كانت تصدمُها بدرع “التّحريم”، وأنّ كثيراً من الأشياء الجاهزة لا يجبُ مناقشتها أصلاً، لأن تلك طبيعتها كما أقرّ الدّين، وما علينا سوى التّسليم بها.

تعليقا عن ذلك، تضيف نجلاء: “ماما” كانت، دومًا، تعبّر بأمانة عن الرّأي السّائد لدى معظم المسلمين. ومؤمنة أنّ “المقدّس” لا يجبُ التطرّق إليه، إلا لدعمه وتوكيده، وليس “نسفه” أو “التشكيك فيه”. لكنّ كلّ هذا أدخلني في صراع مع الذات، ذلك أنّ كل أجوبتي ظلّت من دون نقاش… حتى انتهت رحلتي في أفق الملّة. وجدت أن الإلحاد أكثر منطقيّة من اتباع أشياء لا أصلَ عقليّ لها. ومع ذلك، لازلت أنتظر من يقدم لي أجوبة تقنعني، لكن كلّ الأجوبة موجودة خارج عوالم الدين المغلقة.

في الختام، تقول نجلاء: الإلحاد يخلقُ لي اطمئنانا ذاتيًّا واستقراراً نفسيًّا، وأمارسُ طقوس إلحادي بمعزلعن كلّ محيطي، باستثناء أصدقائي المتسامحين. أنزعج من ضرورة حضوري في الأعياد والمناسبات الدينية التي  أصبحت جزءاً من ثقافتنا اليوميّة. غير أني، مع ذلك، أحتفظ بقناعاتي لنفسي، وأسمع مغالطات كبيرة تمر في مجامع أحضر فيها، لكني أصمت. وأترك الأشياء تمر، لأن كلّ نقاش في هذا الصّدد مكلّف، بل مكلّف جداً في مجتمع مثل مجتمعنا.

مراد: “المؤمنون ملحدون من زاويتي!

مراد، أربعيني ملحد، يرفض أن “يقال عنه إنه يحترف الإلحاد للتميز والتفرد كما يشاع، ويعتبر أنّ أجوبة الدين فضفاضة وغير واضحة، وتتجاوز حدود المنطق والعقل، وإلاّ لماذا يحرّمون علينا أن نخوض فيها؟ الإلحاد بسيط، لكنهم يُعقدونه. ألحدنا لأننا ارتأينا أنّه لا طاقة ميتافيزيقية تتحكم في هذا الكون، أو تسيّره في الخفاء، وندرك تماما حدود تصوراتنا. لكن، بما أنه ليس لدينا أجوبة يقينية عن أصل العالم، فالأفضل أن نطلّق إجابات الدّين الغريبة عن العلم، ونحترم بالمقابل من يعتنقها ويدين بها، فذلك حقه ومن صميم حريته”.

يعتبر مراد ضمن حديثه لمرايانا، أنّ “المؤمنين، في تصوري، ملاحدة لأنّهم لا يميلون لزاويتي، بالتّالي هم يكفُرون بقناعاتي، وكلّ واحد منا ملحد وفق الزاوية التي يراه بها الآخر. لا أحد منا يملك الحقيقة، لذلك ذات مرة حين رأيت شخصًا يشرب كأسًا من الماء في رمضان، واحتشد الناس حوله ليُخبرهم أنّه مريضٌ بالسّكري… تساءلت: هذا مريض، لكن لماذا يحتاجُ الملحد أو اللاديني أن يبرّر لهؤلاء قناعاته، ولماذا يتصالحُون مع من لا يصلّي ولا يتسامحون مع من لا يصوم! هناك تناقضات كثيرة تجري في الوسط الدّيني بشكل مفضوح”.

عن محدوديّة الإلحاد

أحمد الصديقي، باحث في السوسيولوجيا، يرى أنّ “الملاحدة آمنون إلى حد ما في الواقع الافتراضي العمومي. في نفس الوقت، فإنّ المقدس يطرحُ مشكلاً عند المسلمين بشكل عام. لذلك،فالملاحدة معرّضون دوما للخطر والتّهديد، لأن الثّقافة التقليدية، التي تمتح من مرجعية دينية خالصة، تبيح للمسلم أن يغيّر المنكر بيده”.

الصديقي يعتبر أنه “لا يمكن أن ننفي أنّ التّركيبة السوسيولوجية للمغرب في تحول دائم. ولهذا نجد من لا يتبنى فكرا أحادياً مغلقا، ويؤمن بالاختلاف. بمعنى أنّ ثمّة مغاربة مسلمون، لديهم أصدقاء ملاحدة، ويسكنون معهم أو يصاحبونهم في جو من الاحترام والتعايش. هذا الوضع رهين بدرجة وعي الناس، وتمثّلهم للحرّية الفردية، بما فيها حريّة الضمير والمعتقد والحقّ في الاختلاف. جزء من المغاربة أصبح لديهم هذا الوعي، وهو في تصاعد”.

مقالات قد تثير اهتمامك:

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *