×
×

خالد منتصر: الأخلاق موجودة قبل الأديان ومعركة المثقف الآن هي العلمانية وليست الديمقراطية

اعتبر المفكر والطبيب والإعلامي المصري خالد منتصر أن العلمانية تقوم على حرية الضمير والمساواة بين المتدين والملحد واللاديني، وأن القانون هو المحدد للعلاقات بين أفراد المجتمع، وأنه لا يجب أن يكون في خدمة ولمصلحة دين بعينه.
المفكر المصري، وأحد أهم المثقفين الذين خاضوا معركة طويلة النفس والمدى مع الشيوخ ورجال الدين، أكد، عندما تم استفساره عن طريقة حواره القاسية مع رجال الدين والشيوخ، أن السكيزوفرينية الدينية، على حد تعبيره، لا علاج لها بالأقراص المسكنة، بل بالصدمات الكهربائية.

  معروف أنك تدافع عن العلمانية والتنوير والحداثة في مصر؛ وصيتك ذاع في العديد من الدول العربية، عن أي علمانية بالضبط تدافع أستاذ؟ فهناك علمانيات أو حداثات كثيرة في العالم، هل فعلا الدول المسماة علمانية فصلت الدين عن السياسة قطعا؟ في أمريكا مثلا الرئيس يعطي القسم قبل توليه الحكم؟ ما العلمانية أو التنوير اللذان تقصد الدفاع عنهما بالضبط؟

 طبعاً هناك أطياف كثيرة من العلمانية، لكن يجمعها كلها جملة كانط في رسالته عن التنوير: “كن جريئاً في استخدام عقلك”، آمن بما تشاء من ميتافيزيقيات أو حتى خرافات، لكن، لابد أن تكون في إطار معبدك، لا تخرج بها إلى الفضاء العام. ليس لدي مشكلة في أن تؤمن بالجن، لكن لدي مشكلة في أن تخرج الشرطة للبحث عن الجن التي تشعل الحرائق في القرية، وأن تفتح محاضر نيابة جادة في محاولات القبض على الجان وأصحاب السحر الأسود والأعمال السفلية.

العلمانية لها غايتان، أو تقوم على مبدأين هما: معاملة المواطنين بنفس القدر من الاحترام، ومنحهم الحق في حرية الضمير. هاتان الغايتان تتحققان من خلال إجراءين هما: الفصل بين الدين والدولة، والحياد تجاه الأديان وكل الحركات الفكرية والفلسفات. ولا يجب أن نخلط بين الغاية والوسيلة أو الإجراء. لابد من أن نقتنع بأن الدين إمكانية إنسانية من ضمن إمكانيات أخرى، ونافذة نورانية من ضمن نوافذ متعددة، وتصور خاص للخير من ضمن تصورات مختلفة ومتباينة، هو ليس الإمكانية الوحيدة، ومن حقي كفرد أن أتصور أنه الأعلى في تلك الإمكانيات والنوافذ والتصورات، ولكن ليس من حقي فرض كونه الوحيد.

دور الدولة العلمانية هو مساعدة المواطن على تطوير وتشكيل استقلاليته الفكرية وحماية حقه في حرية ضميره، وليس عليها أن تفرض قالباً مصمتاً أو تمثلاً واحداً للعالم وللخير وللحق على المواطنين. العلمانية هي اجتماع ثلاث قيم أولها حرية الضمير، القائمة على مبدأ استقلالية الفرد وحرمة فضائه الخاص، ثانياً المساواة بين المتدين والملحد واللا ديني، ثالثا: مراعاة شمولية الفضاء العام، وهذا يعني أن القانون ليس في خدمة ولمصلحة دين بعينه، لكنه يخدم المصلحة المشتركة. التحرر العلماني يستدعي الجمع ما بين سيادتين: سيادة الشعب على نفسه وسيادة المواطن على أفكاره. تأسيس العقل التنويري يحتاج دعامتين: تخليص الدولة من الوصاية الدينية والأهم تخليص الفرد من نفس الوصاية، هذا هو فهمي باختصار للعلمانية.

  معروف أنك تتعرض لحملة تشويه وتلطيخ لسمعتك من طرف رجال الدين بمصر حيث يتم تكفيرك وزندقتك في بعض الأحيان، وهذا الأمر مرفوض طبعا في أدبيات الدولة الحديثة حيث المواطنة تشمل الجميع، بغض النظر عن الدين والعرق والثقافة. لكن، ألا تظن أن المشكل في خطابك المستفز والذي يجعل سلوكياتهم الخاطئة رد فعل فقط على مقالاتك التي تحط من قيمة رجل الدين أو الشيوخ في المجتمع؟ أليس الحوار هو احترام طرح الطرف المخالف أو المختلف قبل الدخول معه في الحوار؟ ما تعليقك؟

هل، عندما أجد رجل دين يسجد شكراً لله لهزيمتنا في 67 وأنتقده… أكون بهذا مستفزاً؟! هل عندما أنتقد شيخاً يؤكد على أن أقصى مدة للحمل هي 4 أو6 سنوات، والفقهاء يطلقون عليه اسم “الحمل المستكن”، يكون هذا حطاً من قدره؟؟ هل عندما أسخر من داعية يقول إن حل مشاكلنا الاقتصادية هو بالعودة لتجارة السبايا، يكون هذا تعدياً على لحوم العلماء المسمومة ؟؟!

هناك أمراض تعالج بأقراص المسكنات، لكن الشيزوفرينيا الدينية التي تلتهم عقولنا، لا علاج لها إلا بالصدمات الكهربائية وأنا أفعل هذه الصدمة .

قلتم في ذات مقالة لكم مثلا إن وظيفة رجل الدين هي مساعدة طبيب نفسي وليس لهم الحق في الدخول في شؤون الناس، ما هو تصوركم لهذا الدين الذي لا يجب أن يتدخل في العلاقات الاجتماعية وحريات الناس الفردية؟

“مساحتي الفردية الحميمة هي خط أحمر، ومساحة محصنة ضد الحشرية والفضول والوصاية”، هي حروف من شفرة نجاح تلك المجتمعات المتقدمة، وأعتقد أن تلك الأنيميا الفردانية المصحوبة بفرط إفراز هرمون الوصاية، هي أخطر مرض اجتماعي وعائق ثقافي يقف حاجزاً بيننا وبين الولوج إلى تلك الحداثة والاندماج فيها. اقتحام مساحتك بداية من طابور الـ ATM حيث يقف الطابور في قفاك ليطلع على رقمك السري بكل لزوجة، إلى نفاذ النظرات الوقحة إلى البنات في شوارعنا والتحرش باللفظ واللمس، مرورا بمشاركتك في قراءة الجريدة في المواصلات العامة ونظرات جارك في العين السحرية لمراقبة تحركاتك، ومواعظ عربات السيدات في مترو الأنفاق، ومشاركة وتدخل سائق الميكروباص أو الجالس في المائدة المجاورة لك  في المقهى أو النادي في أثناء حوارك مع صديقك أو زوجتك …الخ.

كل تلك التصرفات والسلوكيات اقتحام وعدم احترام لمساحتك الخاصة، وعدم فهم وخلط ما بين الفضاء العام المشترك والفضاء الخاص الحميم. كل تلك التصرفات من الممكن والسهل تغييرها بنقدها ونقضها. لكن، عندما يختلط الاقتحام بمظاهر التدين وليس بجوهر الدين، هنا تكون الإشكالية والصعوبة. ذلك الاقتحام الذي يرفع فزاعة الدين وهو يخرسك ويلجمك ويكفرك إذا انتقدته… هناك أكثر من قصة حدثت لي شخصياً تلخص هذا الاقتحام ودس الأنف في مساحة الخصوصية، أختار منهم قصتين للدلالة وتقريب الصورة. الأولى حدثت منذ فترة بعيدة في أتوبيس القاهرة الإسماعيلية. قرر السائق أن يضع شريط كاسيت شهيرا للشيخ كشك فيه هجوم سافر على الأقباط، وحدث اشتباك عندما اعترضت على تشغيل هذا الشريط بالذات؛ وقبلها، وهذا هو الأهم، اعتراض على تشغيل شريط على ذوقه أصلاً، سواء كشكا أو غيره، لأنها ليست “عزبته” الخاصة!

الحكاية الثانية كانت في طائرة، عندما سمعت أنا وكل الركاب صوت موبايل جاري مضبوطاً على أعلى صوت، صراخ داعية سلفي شهير. لم أعترض بأي كلمة ولم أتبادل أي حوار، لكنى قدمت إليه السماعة فقط، وكان الرد هو الرفض والإصرار على أن يُسمعنا نحن لا أن يسمع هو… لن أخوض في تفاصيل القصتين، لكن ما أزعجني وأدهشني هو رد فعل الركاب في الحالتين، كلها تحمل عبارات مصرية جاهزة من قبيل “كلها دقائق وتعدي”، “ماجتش ع الشوية دول”، “خلاص الدين بيجيب لكم أرتيكاريا”… إلى آخر تلك العبارات التي تميع القضية وتدخلها في مسار آخر يقترب بك من دائرة التكفير واتهامات الزندقة. عبارات تدل على أن مفهوم احترام الخصوصية والفضاء الخاص وعدم اقتحام المساحة المشتركة والفضاء العام، مفهوم غائب تماماً عن أذهاننا، وأن الخلط بين الدين كعقيدة، ومظاهر التدين كسلوك بشري، بات سلاحاً في يد كل من يريد بث الرعب والفزع والخوف عند مناقشة تلك التصرفات، التي ليست إلا صراخاً هستيريا يرغب فقط في تبليغ رسالة أنا موجود، أنا مسيطر، أنا متميز وأكثر إيمانا منكم.

الدين الضمير في حقيقته همس ومناجاة لا صراخ ونحيب وتحرش بالآخرين. الصلاة دين لكن الصلاة في منتصف الشارع وإغلاقه بالرغم من اتساع المسجد ليسا ديناً. الأذان إعلان وتنبيه ديني لكن صراخ الميكروفون به على شرفة بيتي ليس إلا إعلاناً عن اقتحام للفضاء العام المشترك واستباحة للخصوصية. دعاء الركوب في الطائرة، لم يمنعك أحد من أن تقوله أو تسمعه من موبايلك بشكل شخصي، لكن فرض سماعه على الجميع من كل الأديان والأجناس هو اقتحام للفضاء العام المشترك…

وحتى لا يتبرع أحد بالرد الجاهز “ايش معنى إغلاق الشارع بالفرح والعزاء والميكروفونات المصاحبة مقبول؟”، فالرد بحسم وقولاً واحداً: هذا أيضاً مرفوض! الدولة الحديثة دولة مواطنة وقانون، والتطفل على المساحة الفردية الخاصة تحت أي اسم أو مبرر لا يخدم مساواة المواطنة ولا يحقق عدالة القانون.

  هل العلمانية هي التي تعرقل تطور دول منطقتنا أم أنها شماعة فقط نعلق عليها الانتكاسات والإخفاقات؟ أليس سؤال الديمقراطية هو الأولى؟ والديمقراطية تتوطد عبر الممارسة والتي ستؤدي حتما للعلمانية رغما عن رجال الدين أنفسهم؟ ألم يسقط الإخوان المسلمين أمام الأمر الواقع عندما خرج الملايين للشارع ضدهم؟ ألم تخفق حكومة الإسلاميين بالمغرب عبر صناديق الاقتراع؟ بمعنى، هل الحديث عن العلمانية سابق لأوانه؟ أليس الجدير بالتفعيل أولا هو دمقرطة الدولة والمجتمع خصوصا بالأوطان العربية التي ما زالت في طور التقدم؟

إذا كان من يذهب لصندوق الانتخاب محملاً بفكر فاشي أو ثقافة عنصرية، فهو سيفرز حتماً ديمقراطية شكلية ومزيفة، حتى ولو كانت الصناديق شفافة والتزوير منعدماً والإشراف القضائي شاملاً. الرجل الذي يذهب لصندوق الانتخاب وهو مؤمن بأن زوجته شيطان إغوائي، مجرد امرأة ناقصة ومحتقرة، يشبهها تارة بالحمار والكلب، ويفزعها بأنها في قاع النار، كافرة إذا تعطرت، ملعونة إذا تنمصت، هل هذا الرجل بهذه السيكوباتية سيصوت لامرأة سياسية مثقفة حاصلة على أعلى الشهادات في السياسة أو العلوم؟!، ماذا سيفعل الصندوق الشفاف في الكاره للآخر المختلف، والمؤمن بأن هذا الآخر كافر لا يولى، يجب أن يدفع الجزية صاغراً؟!، هل المجتمع الذي كان التريند عنده الحاصل على أعلى تشجيع، هو إهانة شخص أو إعلامي ومعايرته بذكر اسم زوجته، هل هذا المجتمع ستنقذه ديمقراطية الصندوق؟

تساءل الباحث السورى الراحل جورج طرابيشي السؤال نفسه تقريباً بصيغة مختلفة، وطرح ما سماه إشكالية المفتاح والتاج، هل الديمقراطية شرط أم نتيجة؟ مفتاح سحري أم تاج يتوج التطور؟ وناقش إشكالية ما سماه البذرة والثمرة، وخلص إلى أن البذرة تحتاج إلى جهد في تربة المجتمع، ولو زرعت في غير تربتها أسرعت إلى الموات والتحول إلى عشب سام. هي مجرد شرط من شروط الإقلاع لكنه شرط غير كاف. هي مفتاح لكنه يحتاج مفتاحاً آخر! وتنبأ طرابيشى بما حدث في الربيع العربي بالضبط، برغم أنه قد كتب هذا الكلام في كتابه “هرطقات” قبل الربيع العربي بسنين عديدة وفارق زمني كبير، كتب جملته النبوءة ص13: في ظل غياب البديل البورجوازي، فان المعارضة الشعبية للديكتاتورية لابد أن تأخذ شكل صعود محتوم للمد الأصولي!!، وهو ما حدث بالضبط في كل بلدان المنطقة التي اجتاحتها ثورات الربيع العربي، فقد استولى الإخوان والسلفيون والجهاديون، وبديمقراطية الصندوق، على كراسي الحكم والقرار، وتقدمت النازية الدينية الصفوف وعلقت المشانق للمخدوعين، وحولت الدين من وظيفته الروحية إلى توظيفه السياسي، من طاقة تمنحنا الاطمئنان الروحي والنفسي ضد رهاب الموت، إلى ورقة انتخابية تخدر القطيع وصوت حزبي يجلده بسوط الرعب الأخروي والحرمان من الفردوس ومكسب مادي  بمضاربات وسمسرة وتجارة تتدثر بالدين ونصوصه حمالة الأوجه. ديمقراطية الصناديق هي مجرد مفتاح ممتاز نحمله لكن دون أن نعرف عنوان المكان الذي سنستخدمه في فتحه… ضمان ألا نفتح بهذا المفتاح كهفاً مليئاً بالعقارب والثعابين والخفافيش. والضمان هو العلمانية، وتلك يجب أن تكون أهم معارك المثقف الآن.

هل تساند دولة دون مرجعية أخلاقية؟ خصوصا أن هناك من المفكرين من يقول إن الدين هو مصدر الأخلاق. ودولة دون مرجعية أخلاقية ستتحول إلى دولة ديكتاتورية لا معنى فيها للخطأ والصواب. وكما تعلمون دولة ستالين الشيوعية الشمولية ليست عنا ببعيدة؟

الدين ليس المصدر الوحيد للأخلاق، هو مصدر من ضمن مصادر، والأخلاق موجودة قبل الأديان. اليابان، المجتمع الكافر من وجهة نظرنا، هو أكثر أخلاقاً من مجتمعاتنا. كما أن الدين يمكن أن يوافق أحياناً على شيء لا أخلاقي مثل السبي في الحرب ومثل سوق الجواري. لذلك، فهذا الربط بين الدين والأخلاق متعسف. بالنسبة لستالين، فاعتراضي ليس على التطرف الديني، بل اعتراضي على أي دوجما جامدة، بما فيها العقيدة السياسية مثل الشيوعية العقائدية الستالينية، والتي كانت تطلق على الخارج عنها والمتمرد عليها اسم المرتد!!! وهو نفس المصطلح الديني.

 

مقالات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *