×
×

محمد أركون: المحلق فوق ظلمة الشرق والغرب، نحو عصر جديد للحرية

حرر الإسلام من ذاته، حين وصل بالتحليل العلمي إلى أصل الأصول، أي إلى النص القرآني نفسه، حيث طبق عليه أحدث المناهج الفكرية الإنسانية، فأضاءه بشكل غير مسبوق بفضل براعته في التعزيل والتفكيك والتكنيس.
علمنا أركون كيفية تحاشي المغالطة التاريخية في البحث عن الفكر، أي إسقاط مفاهيم العصور الحديثة على العصور القديمة.

محمد أركون، رائد الإسلاميات التطبيقية، مثقف مثخن بجروح الماضي ومنهك بعنف الحاضر وملتحف بسواد الآتي والطارئ. كان بمثابة عالم يضيء دروب الحقيقة المعتمة في أحيان، فتراه يعبر عن التاريخ نشدانا وإنصافا وبحثا عن حق ضائع قد أنكره الجاحدون.

أركون مفكر وباحث ومؤرخ جزائري، قذف به نحو العالم سنة 1928م، لينبش عن الجذور الدفينة للأمراض التي تنذر في الإنسان العربي الإسلامي من الداخل، دون أن يدرك الأخير كنهها أو سببها، كالطائفية والمذهبية. فكان حفارا أركيولوجيا يحفر في الأعماق على كل الإشكاليات العويصة، وكان يعرف كيف يزحزحها عن موقعها التقليدي المجتر والمتكرر منذ مئات السنين وكيف يموضعها في الأرضية التاريخية.

في البدء كان القلق

سعى محمد أركون لترسيخ ثقافة الحوار داخل المنظومة الفكرية الإسلامية، حيث كان شغله الشاغل استئصال الأدلة التاريخية التي تؤكد على أنه مبدأ متجذر في العقل الإسلامي. وكان على قناعة دائمة بأن التاريخ لم يكن دوما تاريخ صراعات بين الغرب والشرق. فجعله ارتداء نظارات الحداثة لإعادة قراءة القرآن برؤية عصرية، عرضة لانتقادات التيارات الأصولية المتشددة وصل بهم الحد لتكفيره.

تربى في كنف أسرة وعائلة أمازيغية فقيرة بمنطقة القبائل ببلدة تاوريرت، التي بدأ فيها تعليمه الابتدائي ليلتحق بوالده في محافظة عين تموشينت غرب الجزائر. وهو في سن التاسعة، كانت رغبته أن يسافر للعاصمة الجزائر لمواصلة تعليمه الثانوي، لكن أعباء تكاليف الدراسة حالت دون ذلك. فأكمل تعليمه في ثانوية تحت إشراف نخبة من المعلمين التبشيريين، المعروفين بـ (الآباء البيض) بولاية وهران. بين 1941-1945م، انضم أركون للتعرف على الثقافة والآداب واستكشاف القيم المسيحية وآبائهم: تورتوليان، سوبر بانوس وأغسطينوس. في الفترة الممتدة بين 1950 و1954م، التحق بكلية الآداب بالجزائر لدراسة الآداب، ولشغفه المعرفي، لم تشف الآداب غليله الفكري، فعرج على دراسة الفلسفة والقانون والجغرافيا.

من قرية فقيرة إلى أسوار السوربون

لاحق أركون نفسه في شوارع فرنسا بباريس في منتصف الخمسينيات، ليحصل على شهادة دكتوراه في الفلسفة سنة 1969م بنفس الجامعة. كل هذا بتوصية من المستشرق لويس ماسينون. ثم شاءت الأقدار ألا يغادر جدران السوربون ليعين فيها كمحاضر وكمدرس للفلسفة وللتاريخ الإسلامي. سنة 1970، وجد نفسه في جامعة ليون لينتقل لجامعة كاليفورنيا ثم إلى جامعة نيويورك بين 2001 و2003. كل هذا لم يذهب جفاء، فلنباهته العلمية، حصل على عضوية مجلس إدارة معاهد الدراسات الإسلامية بلندن، ثم عضوا في اللجنة الدولية لجائزة اليونسكو لأصل تربية السلام لسنة 2002، وفي نفس السنة عضوا بلجنة تحكيم الجائزة العربية الفرنسية، كما عمل مستشارا لمكتبة الكونغرس بواشنطن، وغيرها من المنظمات والهيئات الدولية.

فيلسوف النزعة الإنسانية

حرر الإسلام من ذاته، حين وصل بالتحليل العلمي إلى أصل الأصول، أي إلى النص القرآني نفسه، حيث طبق عليه أحدث المناهج الفكرية الإنسانية، فأضاءه بشكل غير مسبوق بفضل براعته في التعزيل والتفكيك والتكنيس. علمنا أركون كيفية تحاشي المغالطة التاريخية في البحث عن الفكر، أي إسقاط مفاهيم العصور الحديثة على العصور القديمة.

لقد أسقط أركون القراءة الواقعية التاريخية على القرآن، كقراءة تزامنية تتسم بمنهج ألسني يموضع النص في لحظته التاريخية؛ فتراه يحطم بمطرقته كل التصورات الخاطئة التي ورثناها عن الماضي ليستعرض أمامنا كل تاريخ الأديان. فتح أمامنا جميع الفلسفات المعرفية من غاستون باشلار إلى ألكسندر كويري ثم توماس كهن وصولا إلى ميشيل فوكو، وقارن بين جميع الأديان والمقدسات وفتح لنا أبواب الانتربولوجية الدينية على مصراعيه ليفهمنا أن الأديان لا تتوقف فقط عند النظرة اللاهوتية، بل هناك نظرة علمانية مشتركة للأديان.

الإسلاميات التطبيقية

وكما يبلور المفكرون مناهج عديدة خاصة بهم لوضع مصطلحات جديدة، تبنى أركون منهجية جديدة سنة 1973م: الإسلاميات التطبيقية، فأكد أن المستشرقين يغفلون دوما النظر إلى الأمور من الداخل، فنظر فيها هو من داخل الداخل، كعلم ينطلق من الحاضر وقضاياه ولا يغرق في الماضي البعيد المنقطع عن الهموم المعاصرة. من منظور علم الأديان المقارن، يهدف منهج الإسلاميات التطبيقية لدراسة الإسلام كمنظور أو كجملة أمثلة أخرى للظاهرة الدينية، دون اكتفائه بالمنهجية الكلاسيكية الموروثة عن القرن 19، بل جمع بين علم الألسنيات الحديثة التي تستوعب الفيلولوجيا وتتجاوزها، وعلم النفس والاجتماع التاريخيين، ثم علم اللاهوت وغيرها من العلوم الأخرى. كل هذا يتم تطبيقه من طرف أركون في دراسة التراث الإسلامي  ونصوصه الكبرى. إن الإسلاميات التطبيقية تجزئة للخطاب ودراسة المركبات المحمولة فيه للوصول إلى نقاط اللامفكر فيه.

الإنتاجات

أصدر محمد أركون كتابات عديدة باللغة الفرنسية وترجمت للغات عدة كالعربية والانجليزية والإندونيسية والهولندية ولغات أخرى. من بينها: قضايا في نقد العقل الديني، نحو نقد الإسلامي، القرآن: من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، الأنسنة والإسلام، الهوامل والشوامل، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، الإسلام أوروبا الغرب؛ رهانات المعنى وإرادات الهيمنة، من فيصل التفرقة إلى فصل المقال: أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟ العلمنة والدين، الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، الفكر الإسلامي: قراءة علمية، الإسلام: أصالة وممارسة، الإسلام: الأخلاق والسياسة، من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي، نزعة الأنسنة في الفكر العربي، معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية، تحرير الوعي الإسلامي نحو الخروج من السياجات الدوغمائية المغلقة… وغيرها من الانتاجات المنشورة والأخرى التي تنتظر نور النشر، ليغادرنا عن سن الاثنين والثمانين مخلفا وراءه مكتبة ثرية بمؤلفات وأعمال كان جوهرها النضال على جبهتين: نقد العقل الإسلامي السلفي الانغلاقي، وبنفس القوة نقد العقل الغربي الانتهازي في رأسماليته الجشعة وماديته الحيوانية المحضة.

الوجهة: مقبرة الشهداء

في 14 سبتمبر 2010، وبالقرب من الروائي الكبير إدريس الشرايبي، وعلى بعد خطوات يسيرة من المفكر محمد عابد الجابري، تلتقي أرواح، يرقد مفكرنا محمد أركون بسلام بمقبرة الشهداء بمدينة الدار البيضاء. وكما قال سارتر مرة عن ماركس، كان محمد أركون الأفق الذي لا يمكن تجاوزه، وبتعبير صديقه المفكر والمترجم لأعماله هاشم صالح: كان زئير الحركات الإخوانية والخمينية، يسد الأفق ويقضي على الأيديولوجيات ويكتسحها اكتساحا. لم يكن يظن أركون أنه سيرحل بهذه السرعة، وهو على فراش المرض قال للطبيب: ”دكتور، ينبغي إنقاذي بأي شكل، لأني حلمت بأني ألفت كتابين كبيرين بدفعة واحدة”. لم يطلب الرجل المزيد من الحياة للاستمتاع بها، فقط شيء واحد: أن يكمل رسالته التي أعز عليه من روحه.

في رثائه، تساءل المفكر التونسي محمد شريف فرجاني (مجلة الطريق الجديد التونسية، العدد27،2010): “والآن، مالذي سيحصل؟ هل سيرحل فكره برحيله كما توهم بعض الإخوة المتسرعين؟” يجيب نفسه: “على العكس تماما، الآن، تبتدئ الحياة الحقيقية لمحمد أركون، حياة الأبدية والخلود، ويختم فرجاني رثاءه بالقول: ولكن أفكاره ستواصل إضاءة الطريق لكل أولئك الذين يخوضون المعركة الحاسمة من أجل أن تنتصر الحرية والعقل على الاستبداد السياسي والظلامية الدينية.

في أحد لقاءات أدونيس مع إحدى القنوات، صرح بشكل مسؤول: “بالمقارنة مع مفكرين آخرين كالجابري الذي هو في مشروعه ليس سوى فقيه جديد لا أكثر ولم يقدم أي شيء جديد على الإطلاق، فالذي قدم شيئا جديدا، يقول أدونيس، هم أمثال عبد الله العروي ومحمد أركون”.

أما ابنته سيلفي أركون، فأبت إلا أن تعيد حياته كتابة وتسطرها في كتاب لها باللغة الفرنسية تحت عنوان حياة محمد أركون: الأب المختفي وراء الفكر، كشخص سرّي لم يكن يتحدث كثيرا، وظل يحمل جرحا عميقا اسمه الجزائر. “لكني شخصيا، تقول سيلفي، لا أعرف بماذا يؤمن وكيف وبأي طريقة”. تضيف: “عندما كنا نسأله عن دينه، يجيب بأنه فيلسوف !وحين نسأله إن كان يؤمن بالله يتنهد فيجيب أن ليس هذا هو السؤال”.

هنا تكمن خصوصية المفكرين والفلاسفة، لا يفكرون بأنفسهم أو ذويهم، إنما بفكرهم الذي سيبقى بعد موتهم كعزاء حقيقي يشكل لهم مبررا وعبورا سريعا من هذا العالم، حينها نكون قد عذرنا أنفسنا على الأقل.

 

الهوامش:

• تحرير الوعي الإسلامي، نحو الخروج من السياجات الدوغمائية المغلقة، ترجمة هاشم صالح، الطبعة الأولى، 2011، دار الطليعة-بيروت.

• مجلة الطريق الجديد التونسية، العدد27، 2010.

Les vies de Mohammed Arkoun, Sylvie Arkoun , 2014Éditeur: Presses Universitaires de France •

•   لقاء أدونيس

 

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *