×
×

من هو المثقف؟

المثقف، سواء كان صاحب قلم أو صاحب غنم، هو الإنسان الواعي بواقعه والذي يسعى إلى تغييره أو تحسينه أو تكييفه

لماذا، كلما تعرض بلد ما إلى مشاكل سياسية أو اجتماعية، إلا وتوجه الانتقادات للمثقف وتحمله مسئولية “تخاذله” أو عدم انخراطه في توعية المجتمع أو عدم الترافع عن قضايا المقموعين أو المضطهدين إلخ…؟ فمن هو هذا المثقف الذي توجه إليه سهام الانتقادات؟

حينما نتحدث عن المثقف، غالبا ما نستحضر المستوى المعرفي، فيصبح المثقف هو ذلك الشخص الذي يعرف القراءة والكتابة، معتقدين أنهما سمتان أساسيتان تميزان المثقف عن الإنسان “العادي”. ثم سرعان ما نضيف إليهما سمتي الكاتب والمفكر، وهكذا نكون شكلنا صورة المثقف. صورة نمطية ما عداها لن يكون الشخص مثقفا.

إذا بحثنا عن مفهوم المثقف، ونكتفي في ذلك بفيلسوفين اثنين تركز عليهما اهتمامات الباحثين، وهما الفيلسوف الإيطالي جرامشي و الفيلسوف الفرنسي فوكو، سنجد بالنسبة للأول أن مفهوم المثقف مرتبط بالانتماء الطبقي، أو الانتماء إلى جماعة ما يرتبط بها عضويا، فيركز خاصة على ما يسميه بالمثقف العضوي. هكذا، يكون هذا المثقف بمثابة لسان حال الطبقة العاملة أو بشكل أدق، المجموعة التي ينتمي إليها ويكون عضوا بها. يصبح الوسيط بينها وبين السلطة، مدافعا عن مصالحها ومرافعا عنها أمام الطبقة التي تستغله. ترجع عضويته تلك إلى كونه منتميا لهذه الجماعة ومساندا لها وشاحذا وعيها بدورها في المجتمع. المثقف العضوي إذن هو الذي يلعب دور المنظم والمحفز من أجل توعية جماعته التي ينتمي إليها. قد يكون هذا المثقف معلما أو تقنيا أو مسؤولا إداريا عن مصنع… نفهم من جرامشي أن المثقف هو ضمير المجتمع.

أما عند فوكو، فالمثقف لم يعد ضميرا للمجتمع. لم يعد ذلك المثقف الكوني كما نظرت له الفلسفة الماركسية والوجودية. بالنسبة لفوكو، أصبح مفهوم المثقف مرتبطا بالتخصص. أي يتحدث فوكو عن المثقف المتخصص وليس المثقف الكوني. هكذا، يسحب منه ذلك الدور الطلائعي، أي يسحب منه مهمة سن القوانين واقتراح الحلول لمشكل ما أو القيام بدور الموجه أو المدافع أو المرافع. يتجلى دور المثقف لدى فوكو في القيام بدور المحلل للفكر كما يقوم أيضا بتوضيح مسألة معينة أو الكشف عن حالة خاصة. هكذا، يكون مرتبطا بميدان اهتمامه كناقد أو محلل أو مفسر لظاهرة معينة لها علاقة باختصاصه.

بعد أن أشرنا باقتضاب لمفهومين متداولين، فماذا يعني مصطلح “المثقف” لغويا؟ بالرجوع إلى المعجم اللغوي، نجد ما يغني حديثنا” ثقِف و ثقُف الشخص، أي صار حاذقا وفطنا. هنا نتساءل : هل الكاتب أو المفكر، وحدهما من يتسما بالحذاقة والفطنة؟ ما يعني أن الأغلبية الساحقة، التي لا تدخل في هذا التنميط، لا تتميز بهاتين الميزتين!؟

لكن الواقع يبرز لنا العكس.

إن الشخص الحذق وصاحب الفطنة هو من يمارس واقعه يوميا ويكتوي بمشاكله، هو من يلمس واقعه ويتصرف حسب ظروفه. وهذا الشخص في مجتمعنا، لا ينتمي لصنف المثقف الذي اعتدنا على تصوره كاتبا مبدعا، أو كما تحدث عنه جرامشي أو فوكو مثلا… غالبا، هذا الصنف الأخير، مع بعض الاستثناءات، يكون أقل فطنة من الشخص “العادي”، لأنه يكتفي بعالمه الذي يتخيله وينظر له بعيدا عن الواقع، أي لا يكتوي بناره مباشرة. لهذا، وحسب معنى المثقف كما تطرقنا إليه لغويا، لا يمكن أن ينعت بالمثقف ذلك الشخص الذي يهيم بين الكتب، وإنما نكتفي بنعته بالكاتب الحالم أو المنظر فقط.

وجب علينا إذن أن نوضح، قصد الختم، أن المثقف، سواء كان صاحب قلم أو صاحب غنم، هو الإنسان الواعي بواقعه والذي يسعى إلى تغييره أو تحسينه أو تكييفه، أي أن المثقف مفهوم مرتبط بمستوى وعي الشخص. لهذا، حينما نتحدث عن مجتمع مثقف، فإننا نستحضر مستوى تحضر هذا المجتمع الذي استطاع بفضل وعيه أن يقدم للإنسانية حضارة لا تبلى.

مراضيع قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *