×
×

واقع المهن العالمية بالمغرب: صناعة السيارات، صناعة الطيران، الصناعات الغذائية، صناعة النسيج والجلد، الصناعة الإلكترونية وترحيل الخدمات

بغاية إنجاز تشخيص مستقبلي دقيق للمهن العالمية للمغرب خصوصاً، ولاستكشاف تموقعهم على المستوى الدولي وتحديد التحديات التي تواجه المملكة المغربية على هذا المستوى، أنجز المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية دراسة صادرة في فبراير 2022 عن وضعيّة ست مهن لرسم صورة دقيقة على الإمكانيات المتاحة للمغرب على المدى المتوسط والطويل.

لصياغة هذه الدراسة على نحو دقيق، استفادالمعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية من مشاركة الوزارات الوصية على المهن والإدارات الرسمية والاتحادات المهنية المعنية بهذه القطاعات، بالإضافة إلى خبراء وجامعيين من خلفيات تخصصية مختلفة، ناهيك عن تنظيم المعهد لـ13 ورشة عمل في هذا الصدد.

هكذا، وفي سياق يتسم بالتطورات التكنولوجية الكبرى والاختراقات في المهن الرئيسية المعنية، يتجسّد التّحدي الرئيس لهذه الدراسة في مساءلة التموقع positionnement الذي سار على نهجه المغرب… وذلك للإجابة على السؤال التالي: هل البلد في مأمن من منافسة شرسة مع لاعبين جدد على الساحة الدولية؟

صناعة السيارات 

فيما يتعلّق بصناعة السيارات، تسجّل الدراسة أنّه، رغم كون المغرب، من حيث التنافسية، يفتقر إلى الجاذبية، فقد تمّ تصنيفُه على أنه بلد “أفضل تكلفة” “Best Cost”. بالإضافة إلى وجود ارتفاع تدريجي في سلسلة القيمة من خلال تطوير المنتجات النهائية لسوق السيارات بالمغرب. لكن، لازال هناك نقص في المهارات والأفراد المؤهلين والتمويل.

على المغرب أن يواكب الاتجاهات الكبرى التي انخرط فيها قطاع السيارات على المستوى الدولي، من حيث انخفاض تكاليف الإنتاج، وتطور بناء المركبات وتجهيزها بأحدث آليات الرقمنة والذكاء الصناعي. فضلاً لكون المتطلبات البيئية فرضت تحولاً نوعيا في مجال السيارات (السيارة الهجينة وذاتية القيادة).

لذلك، يجب على المغرب استخدام إطاره التنظيمي الملائم واستراتيجيته للطاقة المتجددة لتلبية المتطلبات البيئية ومراعاة بعض مؤشرات الضعف من قبيل سلوك المستهلكين الذين يفضلون وسائل النقل الجماعية… ناهيك عن كون الرأسمال البشري بالمغرب يشمل عددا هائلاً من الخريجين الذين درسوا المجال، لكنهم يفتقرون إلى التجربة المهنية والتدريب العملي؛ ناهيك عن ضعف البحث والتطوير الذي يقلل، بدوره، من جاذبية المغرب.

صناعة الطيران 

شدّدت الدراسة أن هناك احتكاراً في مجال صناعات الطيران بالمغرب من طرف مجموعة من الشركات النشيطة في القطاع. بالمقابل، يحاول الفاعلون في القطاع التحكم بتكاليف الإنتاج وتأهيل البحث والتنمية واعتماد مبدأ القرب… كما أن جاذبية المغرب للمصنعين في قطاع الطيران لازالت في بداية عهدها. والدولة المغربية نفّذت سياسة استباقية للاندماج في سلسلة القيمة العالمية للملاحة الجوية.

هذا القطاع حقّق نجاحا مهما وسريعا للغاية، لأنه شهد تكثيفاً في عملية التطوير منذ قرابة عقدين. لكنه لازال يواجه مشكلاً في ارتفاع تكاليف الأرض وصعوبة الحصول على تمويل، إضافة إلى ارتفاع تكاليف التحويل بالنسبة للمستثمرين الأجانب، وكذلك المنافسة القوية من الدول الأجنبية. فضلاً عن كون برامج الدعم المغربية لا تغطي كلّ التكاليف المطلوبة؛ والسّوق تفرض متطلّبات صارمة فيما يتعلّق بتدريب اليد العاملة واستخدام التكنولوجيا.

أشارت الدراسة إلى ضرورة توحيد وتجميع الشركات النشيطة في صناعة الطيران لزيادة القدرة التنافسية، لأن الإنتاج يتم في سلاسل صغيرة. كما أنّه يمكّن من التعامل مع الخسائر المحتملة بسبب بعض الفاعلين الذين يطلبون من مقاوليهم من الباطن (la soustraitance) تخفيض الفاتورة (والتي يمكن أن تصل إلى 10٪) من أجل الاستمرار في التعامل معهم.

تمكن المغرب خلال عشر سنوات من بناء القاعدة الجوية الأكثر قدرة على المنافسة في المنطقة عند بوابة أوروبا، وذلك عبر توافر المنشآت الصناعية مع عدد كبير من مصنعي المعدات المحليين والأجانب، إضافة إلى إنشاء معاهد التدريب التي ساعدت على تطور المهنة نحو الهندسة. لكن نقاط الضعف تتجلى أساسا في عدم القدرة على الارتقاء إلى سوق حقيقية في القطاع.

الصناعة الغذائية 

أصبح قطاع الصناعات الغذائية رافعة استراتيجية في بلد مثل المغرب يعتمد اقتصاده على الفلاحة. وتُمكن “مزايا الملكية” (Ownership advantages) من التدويل، وبالتالي تحصيل أرباح مهمة… لذلك، تلعب صورة “صنع في المغرب” وسمعتها دوراً هاما في تعزيز تموقع البلد.

في الأصل، كان القطاع الفلاحي قاطرة الاقتصاد الوطني، لذلك “نجح” في جذب المستثمرين وتعزيز سلسلة القيمة الناتجة عن هذا المجال. ويشهد المغرب، في مجال الصناعة الغذائية، منافسة قوية من المنتجات المستوردة وطلبات المستهلكين من حيث الجودة. لهذا، توصي الدراسة بضرورة تحسين أداء اليد العاملة لتزويد السّوق المحلي أولاً. هذا الأمر سيؤدي، بالتبعة، إلى رفع مداخيل الفلاحين المغاربة. حينها، وبفضل دعم الدولة من خلال التصنيع التدريجي للأنشطة الفلاحية، يمكن لهؤلاء الفلاحين الاندماج في عمليّة تصدير المنتجات الفلاحية.

رغم أنّ المغرب يتمتع بمحفزات مغرية كالدعم الضريبي المقدم للفلاحين والتسهيلات المفتوحة للاستثمار، بالإضافة إلى البنية التحتية المهمة لتسهيل عملية الإنتاج والتصدير، وبالتالي توفر قنوات التسويق والتوزيع… فإن الاستثمار غير كافي؛ كما يعرف البلد ضعفا في مهارة وجودة اليد العاملة، إضافة إلى الاعتماد على صناعات التعبئة والتغليف. وتجدر الإشارة أنّ صادرات المغرب غير متنوعة وغير تنافسية وذات قيمة مضافة منخفضة.

صناعة النسيج والجلد 

أكدت الدراسة على أنّه، لكي يعزز المغرب تموقعه في سلسلة القيمة في مجال صناعة النسيج والجلد، فعليه الانتقال من التعاقد الخارجي (la soustraitance)، إلى إنتاج منتجات 100٪ محلية الصنع. هذه المنتجات تكون قادرة على المنافسة في السّوق العالمية: أسعارها منخفضة وجودتها عالية، احترام المواعيد النهائية للإنتاج والتصدير والتوزيع، وخلق تنوع في المنتجات؛ وبالتالي تحقيق قيمة مضافة عالية.

كما أقر التقرير أنّ اتفاقية التعاون الجمركي مع الاتحاد الأوروبي واتفاقيات التجارة الحرة مع الدول الأخرى لا بد أن تكون في صالح قطاع النسيج والجلد. مع أنّه، على المستوى الاقتصادي، هناك منافسة متزايدة بين الدول المنتجة على حساب الجودة والمشاكل المرتبطة بالبيئة والضغط على المواد الخام واستنزاف اليد العاملة منخفضة التكلفة.

تبرز الدراسة أنّ صناعة الجلود تعد من حرف الأجداد في المغرب، كما أن الممارسين لها يتوفرون على القدرة على التكيف مع الضرورات البيئية؛ ويعتبر القرب من الأسواق الرئيسية ميزة من حيث تكاليف النقل لعمليات التسليم المنتظمة والموسمية للطلبات.

لكن هذا القطاع، مع ذلك، لازال يشهد ضعفا في التمويل، ولازال يواجه صعوبة الوصول إلى الأسواق الخارجية، كما يعرف نقصا في التكامل بين الفروع، ونقصا في تنويع المنتجات، والاعتماد على المدخلات من غزل ونسيج القادمة من الخارج بسبب التعاقد الخارجي، وبالتالي يدرّ قيمةً مضافة منخفضة.

الصناعة الإلكترونية 

تحيل نتائج تشخيص الصناعة الإلكترونية بالمغرب على معاناة هذا القطاع من المنافسة غير العادلة من البلدان الأخرى، التي يستفيد فيها المنتجون من الدعم، إضافة إلى القيود التنظيمية كالتراخيص، والموافقة، والمراجع وما إلى ذلك! أضف إلى ذلك أن هذا القطاع تهيمنُ عليه الشّركات متعددة الجنسيات، التي ترسل إنتاجاتها إلى بلدانها الأصلية لاستعمالها في صناعات الطيران والسيارات.

أيضا، يتوفر المغرب، وفق الدراسة، على بنية تحتية مهمة في البحث في هذا المجال، خصوصاً في ظل توفر المهارات ذات الجاذبية الكبيرة للقطاع، والتي تستقطب خريجي كليات ومعاهد الهندسة الكبرى، إضافة إلى التمويل والتسهيلات الضريبية المغرية. لهذا، ترى الدراسة أنّ تطوير صناعة الإلكترونيات بالمغرب سيمكن البلد من أن يصبح منصة إنتاج وتصدير إلى أوروبا.

من جهة أخرى، تسجل الدراسة أن التمويل المصرفي ضعيف وغير كافي؛ لأنه، رغم توفر بنية بحثية، فإن البحث وتنمية القطاع لا يستفيدان من التمويل والإعانات اللازمة، زد على ذلك وجود نقص في المواد الخام كالسيليكون، مثلاً.

في هذا القطاع، يحتل المغرب موقعا في عملية التجميع فقط، وهي عملية ذات قيمة مضافة منخفضة. أضف إلى ذلك المنافسة غير العادلة من العروض الأجنبيّة المدعومة من الدّول المصدرة.

ترحيل الخدمات

شهد قطاع ترحيل الخدمات بالمغرب إلى الخارج تطوّرا سريعًا للغاية، لدرجة أصبح المغرب أحد الرواد في هذا المجال. وتهدف الدولة من خلال ترحيل الخدمات إلى الارتقاء بمستوى السوق، وذلك عبر توفير عرض قابل للتصدير يتسم بالنضج. هذا إضافة إلى توفر المغرب على منصات متلائمة مع المعايير الدولية، كما أنه يستضيف العديد من الجهات المرجعية الدولية. أيضا، للمغرب يد عاملة ذات خبرة وتنافسية.

لكن… من نقاط الضعف التي تشير إليها الدراسة في أفق التعامل معها، أن هناك مشكلا من حيث عدم وجود تمويل للشركات الأجنبية من قبل البنوك المغربية، وهو ما لا يشجع على استقرار المستثمرين. كما أنّ الروبوتات والبطاريات الكهربائية وتكنولوجيا النانو… ستهيمن على التّقنيات المستقبلية، ووجب على المغرب الانخراط في هذا الاتجاه. كما أن هناك تهديدات لقطاع ترحيل الخدمات مثل منافسة رومانيا في أوروبا الشرقية وتونس في شمال إفريقيا.

في العادة، يحتكم مجال ترحيل الخدمات لضرورة تجديد العرض بشكل مستمر. لكن، في المغرب، يتم تجديده ببعض الميزات المتاحة حاليا، خصوصا التّكوين عن بعد. هذا مع العلم أنّ المهارات المطلوبة في المستقبل في هذا القطاع، ستكون مختلفة تماما عن ما هو متاح حاليًّا… لذلك، فالمغرب مدعو لتهييء الشروط، ليضمن أداءً أفضل في المستقبل..

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *