×
×

عندما تحدث البخاري عن محاولة الرسول الانتحار

عادة ما ينبري الفقهاء لمواجهة الانتقادات الموجهة للبخاري، باستعراض مكانة البخاري وعلمه واعتبار الطعن فيه، طعنا في الإسلام، دون تقديم جواب شافي على السؤال الأساسي:
هل حاول النبي الانتحار أم لا؟ ولماذا نقل البخاري الرواية إذا لم تكن قد وقعت؟

الموقف الفقهي من الانتحار يكاد يكون مجمعا عليه، وهو التحريم التام، واعتبار صاحبه مخلدا في النار.

يستند الفقهاء في هذا الموقف إلى عدد من الأدلة النصية من آيات وأحاديث، أبرزها حديث ورد في صحيح البخاري، جاء فيه: “من تردى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تحسَّى سُمًّا فقتل نفسه، فسُمُّه في يده يتحسَّاه في نار جهنَّم خالدًا مُخلَّدًا فيها أبدًا، ومن قتَل نفسه بحديدةٍ، فحديدتُه في يده يجأُ بها في بطنه في نار جهنَّم خالدًا مُخلَّدًا فيها أبدًا”.

لحد الآن، لا يوجد ما يدعو للاستغراب. لكن… ماذا عندما نعرف أن الرسول الكريم حاول الانتحار؟

قد يصدم هذا القول كثيرين، وهي صدمة تزيد حدتها عندما نجد الأمر واردا في صحيح البخاري (الذي يعتبر عند المسلمين السنة، أصح الكتب بعد القرآن).

حسب هذا الفريق، فالحديث مرسل (أي سقط إسناده من التابعين للنبي مباشرة)، وقد استندوا على لفظة “فيما بلَغَنا”، معتبرين أن الزهري هو من قالها، و”مراسيل الزهري وبلاغاته ضَعَّفها كثيرٌ من أهل العلم”.

في حديث طويل، نجد ضمنه رواية للزهري عن عائشة زوجة النبي، ورد فيها: “…ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه، تبدى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك”.

لم ينفرد البخاري بهذه الرواية، إذ جاءت من طرق أخرى، أبرزها “كتاب الثقات لابن حبان، ومصنف عبد الرزاق الصنعاني، والطبقات الكبرى لابن سعد، وتاريخ الطبري، ومسند ابن مردويه”؛ رغم بعض الاختلافات الطفيفة في بعض الألفاظ، إلا أنها اتفقت على الواقعة، أي محاولة الرسول إلقاء نفسه من جبل شاهق.

رواية محرجة للعقل الفقهي

لم يكن لهذه الرواية أن تمر دون أن تخلق نقاشا في صفوف الفقهاء وغيرهم، خاصة باستحضار طبيعة المصادر التي وردت فيها، وفي مقدمتها صحيح البخاري. بل إن هذا الحديث كثيرا ما استخدم في الحرب بين مؤيدي البخاري ومعارضيه.

تحرج الفقهاء يبدو واضحا من خلال تبريراتهم لهذا الحديث، والتي يمكن إجمالها عموما في الآتي:

–         فريق لم ينكر الواقعة، واعتبر أنها لا تطعن في الرسول، بالتالي، حتى لو صح الحديث فلا غبار عليه، وذلك بسبب تجشم النبي للمسؤولية الملقاة على عاتقه. من أبرز من تبنوا هذا الرأي، نجد “أبا بكر الإسماعيلي” أحد تلاميذ وشراح البخاري، والذي قال في رواية نقلها عنه ابن حجر العسقلاني: “وأما إِرادته إِلْقَاء نفسه من رؤوس الجبال بعدما نبِئ (أصبح نبيا) فَلِضَعْف قوته عن تحمل ما حملَه من أعباء النبوَة، وخوفا مما يحصل له من القيام بها من مباينة الْخلق جميعا”.

–         فريق أنكر الحادثة، من أبرزهم الحافظ ابن حجر، واعتبروا أن الحديث مرسل، إذ جاء في “فتح الباري في شرح صحيح البخاري”: “القائل: فيما بلغنا هو الزهري، ومعنى الكلام: أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه القصة، وهو من بلاغات الزهري، وليس موصولا”.

حسب هذا الفريق، إذن، فالحديث مرسل (أي سقط إسناده من التابعين للنبي مباشرة)، وقد استندوا على لفظة “فيما بلَغَنا”، معتبرين أن الزهري هو من قالها، و”مراسيل الزهري وبلاغاته ضَعَّفها كثيرٌ من أهل العلم”. ونجد الشيخ الألباني في دفاعه عن وجود الرواية في صحيح البخاري يقول: “هذا العَزْو (أي عزو الرواية للبخاري) للبخاري خطأ فاحش، ذلك لأنه يوهم أن قصة التردي هذه صحيحة على شرط البخاري، وليس كذلك “، ثم يضيف: “وخلاصة القول إن هذا الحديث ضعيف لا يصح، لا عن ابن عباس ولا عن عائشة، ولذلك نبهت في تعليقي على كتابي مختصر صحيح البخاري على أن بلاغ الزهري هذا ليس على شرط البخاري كي لا يغترّ أحد من القراء بصحته لكونه في الصحيح”.

يذهب هذا الفريق، إذن، إلى القول بأن هذا الحديث غير صحيح رغم وجوده في صحيح البخاري. وعند مواجهتهم بأن الأمر قد يشكل طعنا في البخاري، يستشهد الفريقان برأيين:

–         فريق يعتبر أن الأحاديث الصحيحة في البخاري هي الأحاديث المسندة، أما غيرها فقد يصح وقد لا يصح، وأن بلاغات الزهري وغيره لا تقبل، وأن البخاري وإن أوردها فهذا لا يعني أنها صحيحة عنده، ونجد الإمام السخاوي يقول دفاعا عن البخاري: “تأيَّد حمل قول البخاري: ما أدخلت في كتابي إلا ما صح، على مقصوده به وهو الأحاديث الصحيحة المسندة، دون التعاليق والآثار الموقوفة على الصحابة فمن بعدهم، والأحاديث المترجم بها، ونحو ذلك”.

 يضيف المنتقدون: كيف يعتبر صحيح البخاري أعلى درجات الصحة، في نفس الوقت الذي يتضمن بلاغات ومراسيل ومعلقات غير مقبولة؟ وكيف يأخذ البخاري من رواة لا ينطبق فيهم شرط الصحة الذي اشترطه؟

–         فريق ثان يعتبر أن الإمام البخاري قد التزم بالأمانة العلمية في إيراده للحديث بهذا اللفظ، وأن البخاري عندما يروي حديثا طويلا فإنه يذكره بكل ما فيه ولا يحذف منه شيئا، وإن كان جملا أو ألفاظا أوردها المفسرون، ويترك الأمر لأهل الحديث يميزون الحديث المتصل وغيره. وهذا ما ينطبق على رواية الزهري، ما اعتبر حسبهم من دلائل صدق البخاري وأمانته؛ ويزيدون في استدلالهم أن البخاري أخرج الرواية مرارا في مواضع أخرى دون أن يورد واقعة الانتحار.

دليل تناقض البخاري وتزييفه

خلفت ردود المؤيدين انتقادات في صفوف مهاجمي البخاري وصحيحه، وكان منطلق هذا النقد هو التساؤل عن الدليل الذي استند إليه المدافعون للقول إن لفظة “فيما بلغنا” ليست من كلام عائشة بل من كلام الزهري؟ إذ لا يوجد في الرواية ما يفيد بانتقال الكلام من عائشة للزهري.

يتساءل آخرون لماذا لم يبين البخاري أن الأمر تدخل من الزهري، خاصة أنه اختصر عددا من الأحاديث وغير ألفاظ بعض الروايات، أو تدخل بأشكال أخرى تعقيبا أو تعليقا، وبالتالي، فإن حجة الأمانة العلمية تصبح غير ذات معنى…

ويضيف المنتقدون: كيف يعتبر صحيح البخاري أعلى درجات الصحة، في نفس الوقت الذي يتضمن بلاغات ومراسيل ومعلقات غير مقبولة؟ وكيف يأخذ البخاري من رواة لا ينطبق فيهم شرط الصحة الذي اشترطه؟

عادة ما ينبري الفقهاء للرد على هذه التساؤلات، باستعراض مكانة البخاري وعلمه، واعتبار الطعن فيه، طعنا في الإسلام، دون تقديم جواب شافي على السؤال الأساسي:

هل حاول النبي الانتحار أم لا؟ ولماذا نقل البخاري الرواية إذا لم تكن قد وقعت؟

 

مقالات قد تهمك

ملف “مرايانا”: الشك؟… رفيق خاتم المرسلين نحو اليقين 2/3

من اليمن، حسين الوادعي يكتب: حول البخاري وأصحابه

من مصر، ماجد سنارة يكتب: اقتلوهم… إنهم مرتدون!

من بلجيكا، غباري الهواري يكتب: هل تزوج النبي بعائشة وهي طفلة ؟

مصطفى بوهندي لـ “مرايانا”: حديثي عن أبي هريرة لم يأت من إكثاره للرواية، وإنما من تناقض رواياته ومخالفاتها للقرآن 2/2

تعليقات

  1. د. عبدالله سعيد المحامي

    جوابكم لم يكن شافي في هذه المسألة و لم تقطع السنة المشككين في صحيح البخاري كتاب

    • حسن

      هذا الموضوع له ارتباط مع سورة الضحى و التي ذكر ارتباطها بانقطاع نزول الوحي عن الرسول ص مدة طويلة حتى ان الرسول حزن كثيرا و فسر ذلك بان الله سبحانه تخلى عنه و غضب منه و استغنى عنه و نزلت السورة لتطمئن الرسول ص بان الله لم يتخلى عنه و اعطاه درسا بان الامر عادي كنائبات و ظروف الحياة بحيث يكون النهار ثم ياتي الليل ثم ياتي النهار باشراقه و لا داعي للكابة و الحزن و هذه من العبر التي كان الله سبحانه يعلمها لنبيه كي ينفع كذلك بها الناس في اطار تعلم الصبر و عدم القنوط و الياس علما منه سبحانه و هو الخالق و العليم ان الدنيا ليست بالسهلة و هي متقلبة و تتطلب صبرا و ثباتا و انفتاحا على الامل و الثقة في الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *