×
×

عبد القادر الشاوي يكتب لمرايانا: المهدي بن بركة… الأخطاء القاتلة

قد يكون المهدي في تعداده للأخطاء القاتلة، في أفق انعقاد المؤتمر الثاني للحزب الوليد، يتنبأ، في حقيقة ما انتواه، بميلاد (الاختيار الثوري)، أي ذلك الفصيل الذي قاده أحد أوفيائه الخُلَّص، الفقيه البصري، وقاد في المغرب أيضا عددا من العمليات المسلحة انتهت كلها بالفشل التام في تحقيق التغيير المستخلص من الأخطاء القاتلة وبالقمع الشديد في تحطيم (القوة الثورية).

أما الأسف الذي يعتصر كل ديموقراطي إلى اليوم فأجده في قولٍ حزين يمكن أن يُصَاغ في سؤال: ألم يكن المهدي بن بركة نفسه يوم 29 أكتوبر1965 ضحية لأخطائه القاتلة أيضا؟

عدَّدَ المهدي بن بركة ثلاثة أخطاء ترتبت عن حركةِ وممارسة الحركة التقدمية في علاقتها بالمجال السياسي وبالصراع الوطني وبالمتغيرات الظرفية التي سبقت وأعقبت استقلال المغرب عام 1956. وهي الأخطاء التي نَتَجَت، في تقديره للسيرورة النضالية التي كان منخرطا فيها باندفاع وحرارة، عن تجربة العمل (التقدمي) الذي خيض في البدايات الأولى للمرحلة الاستقلالية على واجهتين مترابطتين:

أ- طبيعة المرحلة الانتقالية بما ظهر فيها وتبلور وتكدَّر من توترات وقضايا ومشاكل سياسية غِبَّ السنوات الأولى التي تلت زوال نظام الحماية،

ب- وحقيقة النظام السياسي نفسه (الملكية بصورة خاصة) الذي لم يكن من المقدر له أن يستمر ويسود، رغم الشرعية التاريخية النسبية، إلا بفضل (المكون الوطني) الذي أبلى كثيرا،

المهدي بن بركة لم يكن يهتم، من المنظور الديموقراطي، بالعمل الجماهيري الواعي والمنظم إلاّ على نحو محدود. وحزبه الفعلي (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية) كان خليطا من الاتجاهات المتعارضة أحيانا، وجسمه الأكبر كان من القوى المحتشدة بفعل حماسة العهد الجديد لا بفعل إيمان فعلي بضرورة التغيير الثوري.

وغالبا بالحساب السياسي المتعلق بالمرحلة الوطنية-الاستقلالية لاحقا، في الدفاع عنه في المفاوضات (إيكس ليبان 1955) التي قررت الاستقلال نفسه. مع التأكيد هنا بأن (الملكية) كانت قد تحولت، في هذه الفترة، إلى قوة رئيسية مركزية تقود النظام السياسي برمته، مثلما أصبحت الفاعل الأكثر تأثيرا ومناورة في السيطرة على الوضعية القائمة بعد تنظيم الجيش والسيطرة على الثروة الاقتصادية وبناء التحالفات القبلية والمدينية.

عوامل القراءة الاستباقية

يجب أن نفهم بأن القراءة التي قام بها المهدي بن بركة تأثرت بعاملين هامين إن لم يكن بثلاثة:

أولها، المناخ السياسي التحرري الذي ساد في تلك الفترة في علاقة بـ (حركات التحرر الوطني الإفريقي)، بالإضافة إلى التحولات الكبرى نسبيا التي كانت تفعل فعلها النهضوي في العالم العربي، وهي التي قلبت أوضاعا وأسقطت عروشا وحولت سياقات… وهذا هو مناخ النهوض الوطني الذي أثمر، في بعض السياقات، أنظمةَ (بورجوازية الدولة) القائدة، خصوصا وقد استرشدت في بعض التجارب (البعثية والناصرية) بشيء من المفاهيم الاشتراكية، وحاولت بسط هيمنتها في تماهٍ مفترض مع (الشعب) وهي تدعي جهارا بأنها تمثل مصالحه والقادرة، بـ”أبوة” سافرة، على إسعاده وتحقيق رفاهيته، هذا فضلا عن تركيز سلطاتها من خلال تطوير المؤسسة العسكرية على النمط (اليعقوبي) (تنظيم السلطة على قواعد بيروقراطية، ومركزية، تقودها نخبة من الخبراء الذين يتدخلون في مختلف مناحي الحياة العامة)، وضبط (التوازن الاجتماعي) الأمثل، من زاوية التحكم والمراقبة، وذلك من خلال منع تعدد الأحزاب وفرض بنى فوقية بطريقة استبدادية تنظم الحياة العامة وتضبط إيقاعها.

وثانيها، أراه مرتبطا بالوضع الخاص الذي وجد المهدي بن بركة (والتيار الذي يمثله) نفسه فيه بعد مفاوضات إيكس ليبان، أي في قلب الصراع الوطني المناهض للحماية من جانب، ومتطلبات البناء الوطني بعد إعلان الاستقلال من جانب ثان. كما وجد نفسه أيضا، وقد تهيأت له الظروف، في قلب حزب سياسي (حزب الاستقلال) يحمل أشواقا وطنية بلورها في بيان الاستقلال (1944) ويريد بها، بناء على المصالح المفترضة، تنظيم مجتمع تعادلي على قاعدة ديموقراطية برلمانية وإيديولوجية (سلفية).

والمفارقة أن ذلك أيضا كان هو الهدف المكشوف الذي سعت الملكية إلى بلورته بنفس الطموح الذي يخول لها الانفراد بالسلطة وإفشال جميع المخططات المعارضة غير القابلة للاحتواء. وكان من الواضح، لكثير من العاملين في الحقل الوطني، أن الملكية تنكرت لنضالهم وتستعد لقمعهم وتشتيت شملهم. ويبدو أن هذا كله تُوِّج بإعلان حالة الاستثناء (1965) بعد فشل التجربة الديموقراطية الأولى.

وهذا ما جعل المهدي بن بركة، إلى جانب آخرين، يعمل جاهدا في سبيل التميز والاستباق، وذلك من خلال بناء هيكل سياسي جديد له طبيعة إيديولوجية مختلفة ذات منحى تقدمي (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية) يلتقي، في جوانب كثيرة من أهدافه العامة، مع (النهوض المشرقي). ويجب الانتباه إلى أن من بين الأخطاء التي يشير إليها المهدي بن بركة قوله البليغ: إن (المشكلة الثانية التي برزت من خلال نضالنا الوطني هي قضية العنف كأسلوب سياسي، ذلك أن النضال الثوري ضد أي نظام اقتصادي واجتماعي لابد أن يكون مزيجا من الوسائل السياسية والعسكرية، وتأرجحا مستمرا بين الأساليب القانونية، والأساليب غير القانونية)، أي مسألة العنف (بالمعنى الانقلابي والمسلح)… التي أصبح يراها من أوجب واجبات التغيير ومن متطلبات المرحلة بالذات.

ألا يمكن أن نعتبر الفقيه البصري، وهو من أشد أنصار المهدي بن بركة ولاء في الفترة الاستقلالية الأولى وحماسا بعد اختفائه، المناضل الانقلابي الأكبر الذي جعل من (العنف المسلح) أسلوبا حاسما لإسقاط سلطة النظام واستكمال مهمات البناء الوطني الذي أجهضته الملكية؟

القراءة لم تأخذ بعين التقدير مجمل التطورات السياسية وغيرها، وأبرزها أهمية وقوة الحصول على الاستقلال، التي أفادت القوى الأخرى واستفادت منها، ومنها مؤسسة الملكية، لبناء وجودها الخاص (كقوة مهيكلة) تسعى، في المقام الأول، إلى الانفراد بالسلطة الفعلية والغنم إجمالا من مكاسب العهد الجديد.

وثالث العوامل أجده في التكوين الشخصي للمهدي بن بركة الذي، رغم مصادره التقليدية ولو أنها لم تكن فقهية، تحول إلى عنصر فاعل وفعال من خلال انفتاحه على الثقافة الحديثة والإيديولوجية التعبوية. يضاف إلى ذلك أنه تفاعل مع أهم التجارب التي قادت التغيير في المغرب وفي المنطقة العربية وكاد، لو بقي على قيد الحياة، أن يتحول إلى قائد متنفذ من قوادها المرموقين. أما وأنه كان ذكيا رياضيا منفتحا وشعلة متقدة من الحماس والعمل فمسألة معروفة للخصوم قبل الأصدقاء.

طبيعة القراءة

الأخطاء المعنية في هذا الرأي هي التي لخصها المهدي بن بركة في:

خ 1 ــ القبول بالاستقلال الشكلي الناتج عن اتفاقية إيكس ليبان، في ارتباط مع ضرورة استمرار الكفاح وتوسيعه (المغرب العربي) حتى يتحقق الاستقلال التام والحقيقي، وعدم القبول (بتبرير التسويات كأنها انتصارات تخدم في الواقع اغراضا انتهازية)،

المهدي بنبركة mehdi ben barka
المهدي بنبركة

خ 2 ــ القبول بالتسوية السياسية (خلال الصراعات الرهيبة التي خيضت في الفترة الاستقلالية) التي اعتُبِرت بمثابة توقف مرحلي (في مسيرتنا الثورية)، وكان من المفروض، ضمنيا، استغلال التوقف لمعالجة التضخم الذي أصاب (الحركة الوطنية)، في محاولة لاستيعاب القطاعات الثورية الجديدة في صفوفها، ضمن استراتيجية شاملة،

خ 3 ــ عدم تبيان واضح من طرف (القوة الثورية الجديدة) لمعالم المجتمع الجديد (الذي نسعى لبنائه) في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، في تعارض شامل مع أهداف ومطامح (القوة الرجعية) التي استبددت بكل شيء.

نعني، من باب الاستنتاج التلقائي، أننا بإزاء مقومات مرحلية أساسية: مواصلة الكفاح، العنف المسلح، النظرية الثورية التي يجب أن توجه الممارسة وتقود العمل الثوري للقضاء على التخلف.

المصادرة على غير المطلوب

ولذلك يُفهم من هذه الأخطاء، حسب قراءتي الخاصة، أنها انبنت جملة وتفصيلا على خلاصة منطقية من وجهةِ نظرِ قوى التغيير: أي الفشل التام الذي مُنيت به في تقدير طبيعة المواقف والأفعال التي كان عليها أن تقفها وتفعلها لإنجاز الأهداف الوطنية والتقدمية المُفَكّر فيها.

أجد في هذه القراءة أيضا نفسا تعبويا يرتبط بظرفية ملتهبة احتدت فيها الصراعات السياسية بين مختلف القوى، وطنية وموالية، التي راهنت على الاستقلال في علاقة بجميع الأهداف التي توختها منه، بالتحالف أم بدونه، محمومة تتغنى بالشعبية أو بالقوة الفعلية أو بالأحقية التاريخية… التي لها جميعا في مواجهة الخصوم والأصدقاء أنفسهم. وهذه قراءة غير ديموقراطية ولم يكن من الممكن أن تكون تحليلية متوازنة على مسافة فكرية وسياسية وعَقَدِيّة من الأطراف الظاهرة (دون المستترة) المكونة لها في ساحة الفعل والصراع.

أما وأنها كانت قراءة إيديولوجية فالظاهر أنها استندت إلى تصور قبلي كانت بوادره ناضحة إلى حد ما في المراحل الأولى لبداية (الحرب الباردة) التي أعلت من شأن التحالفات الدولية القطبية وجعلت الانتماء العقدي على الصعيد الوطني عنصرا مهما في الولاء والدعم والتحشيد. ولم يكن المهدي بن بركة شيوعيا، بل ولعله كان من خصوم (الحزب الشيوعي المغربي) مند أواسط الأربعينيات، إلا أنه عانق الأفكار الاشتراكية، وكانت هذه مسموعة في المناقشات الداخلية على صعيد (حزب الاستقلال) نفسه، ولعلها كانت في أساس الانشقاق الذي تعرض له هذا الحزب بقيادة المهدي نفسه.

 القراءة لم تكن عقلانية، خصوصا وأنها لم تلتقط من ضرورة التغيير ووجوبه، إلا “موضوعة” العنف والمراهنة على تغيير الوضعية القائمة بأداته الفعلية، كما لو أن المهدي بن بركة كان يستعجل (الثورة) في المغرب، أو أنه كان في عجلة من أمر ممارسته السياسية الداعية للتغيير الفوري عندما تبين أن المغرب صار يبتعد تدريجيا عن تحقيق الأماني الوطنية وينفصل، في نفس الوقت، عن المناخ العربي الملتهب والدولي البارد، أي بنفس القدر من التخطيط والتدبر على ثلاثة مستويات مترابطة داخليا وعربيا ودوليا.

ويمكن القول، بناء على هذا وذاك، إن القراءة لم تأخذ بعين التقدير مجمل التطورات السياسية وغيرها، وأبرزها أهمية وقوة الحصول على الاستقلال، التي أفادت القوى الأخرى واستفادت منها، ومنها مؤسسة الملكية، لبناء وجودها الخاص (كقوة مهيكلة) تسعى، في المقام الأول، إلى الانفراد بالسلطة الفعلية والغنم إجمالا من مكاسب العهد الجديد.

ويظهر، في المجمل، أن القراءة لم تكن عقلانية، خصوصا وأنها لم تلتقط من ضرورة التغيير ووجوبه، إلا “موضوعة” العنف والمراهنة على تغيير الوضعية القائمة بأداته الفعلية، كما لو أن المهدي بن بركة كان يستعجل (الثورة) في المغرب، أو أنه كان في عجلة من أمر ممارسته السياسية الداعية للتغيير الفوري عندما تبين أن المغرب صار يبتعد تدريجيا عن تحقيق الأماني الوطنية وينفصل، في نفس الوقت، عن المناخ العربي الملتهب والدولي البارد، أي بنفس القدر من التخطيط والتدبر على ثلاثة مستويات مترابطة داخليا وعربيا ودوليا.

لم يكن المهدي بن بركة يستند في مشروع التغيير الجذري الذي تصوره على (الحزب اللينيني البروليتاري) مثلا، وربما لم تكن الظروف العامة كافية ولا ناضجة للتفكير في تنظيمه (الحديدي) ودوره. زد على ذلك أن الظرفية السياسية لم تكن، كما في التجربة الروسية، في (عَشِيَّةِ ثَوْرَتِهَا). كما أن المهدي بن بركة لم يكن يهتم، من المنظور الديموقراطي، بالعمل الجماهيري الواعي والمنظم إلاّ على نحو محدود. وحزبه الفعلي (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية) كان خليطا من الاتجاهات المتعارضة أحيانا، وجسمه الأكبر كان من القوى المحتشدة بفعل حماسة العهد الجديد لا بفعل إيمان فعلي بضرورة التغيير الثوري.

وعموما فقد يكون المهدي في تعداده للأخطاء القاتلة، في أفق انعقاد المؤتمر الثاني للحزب الوليد، يتنبأ، في حقيقة ما انتواه، بميلاد (الاختيار الثوري)، أي ذلك الفصيل الذي قاده أحد أوفيائه الخُلَّص، الفقيه البصري، وقاد في المغرب أيضا عددا من العمليات المسلحة انتهت كلها بالفشل التام في تحقيق التغيير المستخلص من الأخطاء القاتلة وبالقمع الشديد في تحطيم (القوة الثورية).

أما الأسف الذي يعتصر كل ديموقراطي إلى اليوم فأجده في قولٍ حزين يمكن أن يُصَاغ في سؤال: ألم يكن المهدي بن بركة نفسه يوم 29 أكتوبر1965 ضحية لأخطائه القاتلة أيضا؟

 

مقالات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *