×
×

مدعو النبوة: سجاح التميمية… النبية التي حسن إسلامها 3/3

شكلت حركة سجاح التميمية واحدة من أهم الحركات التي هددت الحكم الإسلامي في المدينة. لكن، أريد لحركتها أن تظل رديفا لمسيلمة وأن تعرف التهميش، فلا تذكر إلا مقترنة بالكذب والجنس.
…وكأن الذاكرة العربية، استكثرت على المنطقة أن تقود دعوتهم امرأة.

تطرقنا في الجزء الأول من هذا الملف لدعوة الأسود العنسي، وتناولنا في الجزء الثاني دعوة مسيلمة الكذاب، وتوقفنا عند لقائه بسجاح التميمية وزواجه منها…

في هذا الجزء الثالث والأخير، نسلط الضوء على حركة سجاح التميمية وقصتها.

تجدر الإشارة إلى أن المصادر الإسلامية لم تتوقف كثيرا عند سجاح وتاريخها، بل جرى نوع من التهميش لها، وغالبا ما كانت ترد مقترنة بدعوة مسيلمة الكذاب، كما تم وصمها بالكذب حتى أصبحت مضربا للأمثال، من ذلك قولهم: “أكذب من سجاح“، أو للرغبة الجنسية المستبدة كالمثال القائل “أغلم من سجاح“، وغيرها من التوصيفات.

نسب مختلف فيه

اختلفت المصادر الإسلامية في نسب سجاح، بين من نسبها إلى العراق، ومن نسبها إلى شبه الجزيرة العربية؛ وهو اختلاف أملته، في كثير من الأحيان، دوافع أيديولوجية أكثر منها معرفية أو تاريخية. لكن الراجح، حسب كتب التاريخ، أن سجاح بنت الحارث بن سويد من قبيلة تميم، وهي واحدة من أشهر القبائل العربية التي توجد شرق المدينة (عاصمة الرسول آنذاك).

دخل مالك بن نويرة في تحالف استراتيجي مع سجاح، وحاول استغلال قوتها للقضاء على خصومه من بني تميم، وبحسب المصادر الإسلامية، فقد قالت له محاولة استمالته لصفها: “أنا امرأة منكم، والملك ملككم، وقد بعثت نبية“

قدم وفد القبيلة إلى المدينة في السنة التاسعة للهجرة (تعرف هذه السنة بعام الوفود)، وأعلنوا عن دخول التميميين في الإسلام، وهو ما اعتبر سندا كبيرا آنذاك للدولة القائمة.

كان زوج سجاح كاهنا اسمه أبو كحيلة، بينما عرفت هي باسم “أم صادر“. كانت نصرانية، أو على اطلاع كبير بنصرانية الجزيرة. مارست العرافة، كما كانت شاعرة، أديبة، عارفة بالأخبار. ادعت النبوة، وإن كانت المصادر قد اختلفت في وقت إعلان نبوتها: هل تم قبل وفاة النبي، أم بعده. لكن الأرجح أنها كانت قبل وفاته بقليل.

بعد إعلانها النبوة، اتخذت سجاح مؤذنا يؤذن، ويقول: “أشهد أن سجاح نبية الله“، كما اتخذت حاجبا، وأطلقت على الله اسم “رب السحاب”، وعرفت بسجعها الذي كانت تقول إنه يوحى إليها.

أنشد بعض الشعراء فيها: “أمست نبيتنا أنثى نطيف بها … وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا“.

النبوة لي… والملك لكم… والهدف المدينة

بدأت سجاح دعوتها وسط قومها، الذين كان أغلبهم معتنقا للنصرانية، فاختلفت بطون بني تميم بين مستجيب لدعوتها ورافض، كما حدث نفس الأمر عند أخوالها من بني تغلب. كان أبرز من استجاب لها الهذيل بن عمران التغلبي، الذي ترك التنصر وآزرها، كما ساندها وكيع بن مالك، ومالك بن نويرة.

دخل مالك بن نويرة في تحالف استراتيجي مع سجاح، وحاول استغلال قوتها للقضاء على خصومه من بني تميم، وبحسب المصادر الإسلامية، فقد قالت له محاولة استمالته لصفها: “أنا امرأة منكم، والملك ملككم، وقد بعثت نبية“، فأعلن بن نويرة تصديقه لدعوتها، وتمكن من التأثير عليها لتغير رأيها من مهاجمة المدينة إلى مهاجمة الرباب، فأنشدت: “إن رب السماء والتراب يأمركم ان توجهوا الركاب، وتستعدوا للنهاب، ثم تغيروا على الرباب، فليس دونهم حجاب“.

سارت سجاح ومالك بن نويرة نحو بني الرباب، ودارت بينهم معركة طاحنة كبدتهم خسائر كبيرة، دفعتهم للتوافق حول تبادل الأسرى والقتلى.

بعد مقتل مسيلمة، أسلمت سجاح وتوافدت مع أبي بكر، وقد دخل بعض قادة بني تميم على أبي بكر، وقالوا: “اجعل لنا خراج البحرين ونضمن لك ألا يرجع من قومنا أحد، ففعل وكتب الكتاب“، وإن كانت المصادر تشير لاعتراض عمر بن الخطاب على ذلك.

بسبب هذه الهزيمة، انفصل مالك بن نويرة عنها، بينما استأنفت هي طموحها القديم بمهاجمة المدينة. خرجت حتى وصلت النباج (مكان بين البصرة ومكة)، فواجهها أوس بن خزيمة الهجيمي، ومنعها ومَن معها من المرور في أراضيه، ثم دارت بينهما معركة قوية، انتهت باتفاقهما على تبادل الأسرى، وأن تنصرف سجاح عن أراضيهم، وتتخذ طريقها للمدينة بعيدا عن أراضيهم.

صوب مسيلمة… ونهاية الدعوة

قررت سجاح أن تغير وجهتها صوب بلاد اليمامة، حيث ذاع أمر مسيلمة، فخطبت في قومها محمسة إياهم على الزحف صوب اليمامة: “عليكم باليمامة، فإنها دار إقامة، نلقى أبا ثمامة، فإن كان نبيا ففي النبي علامة، وإن كان كذوبا فله ولقومه الندامة، ولا يلحقكم بعد ملامة“، فاتجه التميميون صوب مسيلمة، وقد أشرنا لتفاصيل اللقاء بين مسيلمة وسجاح في الجزء السابق.

بعد زواجها بمسيلمة، عادت سجاح لقومها حاملة مهرها لهم، وهو نصف الخراج الذي منحها مسيلمة، وإسقاطه لصلاتي الفجر والعشاء عنهم.

يروي في هذا الصدد أن مسيلمة قال ساجعا: “ضفدع بنت ضفدعين، رأسك في الماء ورجلك في الطين، لا ماء تكدرين، ولا شارب تنفضين، سجاح بنت الأكرمين، قومى، ادخلي التيطون، فقد وضعنا عن قومك صلاة المعتمدين“. كما أنها منحت المرأة حق الزواج من رجلين في وقت واحد.

بعد مقتل مسيلمة، أسلمت سجاح وتوافدت مع أبي بكر، وقد دخل بعض قادة بني تميم على أبي بكر، وقالوا: “اجعل لنا خراج البحرين ونضمن لك ألا يرجع من قومنا أحد، ففعل وكتب الكتاب“، وإن كانت المصادر تشير لاعتراض عمر بن الخطاب على ذلك.

بعد ذلك، هاجرت سجاح إلى البصرة وظلت هناك، وقالت بعض المراجع، إنه قد “حسن إسلامها“، وبقيت على قيد الحياة إلى زمن معاوية بن أبي سفيان، حيث توفيت سنة 55 هجرية، وقد صلى عليها والي البصرة آنذاك.

شكلت حركة سجاح التميمية واحدة من أهم الحركات التي هددت الحكم الإسلامي في المدينة. لكن، أريد لحركتها أن تظل رديفا لمسيلمة وأن تعرف التهميش، فلا تذكر إلا مقترنة بالكذب والجنس. وكأن الذاكرة العربية، استكثرت على المنطقة أن تقود دعوتهم امرأة.

لقراءة الجزء الأول: مدعو النبوة في حياة الرسول: الأسود العنسي 1/3

لقراءة الجزء الثاني: مدعو النبوة في حياة الرسول: مسيلمة الكذاب 2/3 

 

مقالات قد تهمك:

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *