×
×

مدعو النبوة في حياة الرسول: مسيلمة الكذاب 2/3

كان لزواج مسيلمة وسجاح عميق الأثر على حركة حروب الردة، وأصبحت هدفا أساسيا لأبي بكر الصديق، فأرسل لهما جيشين، قاد الأول عكرمة بن أبي جهل، وقاد الثاني شرحبيل بن حسنة، فلم يستطيعا الانتصار على مسيلمة، إلى أن أرسل خالد بن الوليد، فتمكن من هزمه بعد حرب ضروس، كاد فيها جيش مسيلمة أن يفتك بخالد، حتى أنهم دخلوا خيمته وأوشكوا أن يقتلوا زوجته لولا أن أجارها أحد الأسرى.

تطرقنا في الجزء الأول من هذا الملف إلى دعوة الأسود العنسي، وكيف انتهت قبيل وفاة الرسول.

في هذا الجزء، نسلط الضوء على دعوة مسيلمة الكذاب، الذي تمكن من حشد الناس حوله، حتى صارت حركته واحدة من أخطر الحركات المناوئة للسلطة الناشئة في المدينة، قبل أن يتمكن أبو بكر الصديق من القضاء عليها سنة 12 هجرية على يد خالد بن الوليد.

شريك في النبوة

ظهر مسيلمة باليمامة في موقع يعرف اليوم بالجيلة في نجد، ومنها أعلن “نبوته”.

اختلفت المصادر في اسمه، بين من جعله مسيلمة بن حبيب الحنفي، أو مسيلمة بن ثمامة بن كثير بن حبيب الحنفي، وكني أبا ثمامة أو أبا هارون، كما عرف بالرحمان، وكان يقال له رحمان اليمامة.

بعثت سجاح لمسيلمة تسأله صداقاً، فقال: أرسلي إلي مؤذنك، فبعثته إليه – وهو شبت بن ربعي – فقال: ناد في قومك: إن مسيلمة بن حبيب رسول الله قد وضع عنكم صلاتين مما أتاكم به محمد – يعني صلاة الفجر وصلاة العشاء الآخرة – فكان هذا صداقها عليه

في أواخر السنة العاشرة للهجرة، قدم مسيلمة، مع بعض من وجوه قومه من بني حنيفة للمدينة، من أجل مبايعة الرسول. لكن، يبدو أنه كان يرنو لمشاركة النبي في الأمر، فأخذ يقول لمن بالمدينة: “أريد أن يشركني محمد معه في النبوة كما أشرك موسى أخاه هارون“. في روايات أخرى: “إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته“.

تنقل المصادر لقاء مسيلمة والنبي، إذ قال له الأول: “إن شئت خليت بينك وبين الأمر، ثم جعلته لنا بعدك“، فرد عليه النبي قائلا: “لو سألتني هذه القطعة (في روايات أخرى القضيب أو الجريد) ما أعطيتها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليقرنك الله“.

رفض مسيلمة مبايعة الرسول وعاد إلى اليمامة. من ثم، أعلن أن النبي أشركه في الأمر، “ثم جعل يسجع لهم السجعات، ويقول لهم فيما يقول مضاهاةً للقرآن: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمةً تسعى، من بين صفاق وحشا. وأحل لهم الخمر والزنا، ووضع عنهم الصلاة“.

لكن اللافت أن مسيلمة لم ينكر نبوة النبي محمد بل كان يشهد له بذلك، فانضم له بنو حنيفة.

مراسلات بين النبي ومسيلمة

بعد أن أخذت شوكة مسيلمة تتقوى، أرسل للنبي برسالة جاء فيها: “من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله. سلام عليك. أما بعد: فإني قد أشركت في الأمر معك، فإن لنا نصف الأمر، ولقريش نصف الأمر، (في رواية أخرى فلك المدر ولي الوبر) ولكن قريشًا قوم يعتدون“.

يبدو أن الرسالة قد أثارت غضب النبي، حتى طال رسولي مسيلمة. بحسب الروايات، قال لهما النبي محمد: “وأنتما تقولان مثل ما يقول؟ ” قالا: نعم! فقال: أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما“، وفي رواية أخرى “أتشهدان أني رسول الله ” فقالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” آمنت بالله ورسله، ولو كنت قاتلًا رسولًا لقتلتكما“.

وأرسل النبي إلى مسيلمة قائلا: “بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الأرض يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين”.

اللقاء بسجاح

كانت سجاح نصرانية ادعت النبوة (سنتناول حكايتها في الجزء الثالث من هذا الملف)، وقد زحفت على عدد من القبائل العربية، وأشار عليها مالك بن نويرة، وغيره، بالزحف على مسيلمة، فلما عرف هذا الأخير بالأمر أرسل إليها يفاوضها على أن يعطيها نصف الأرض التي كانت لقريش، وتنقل المصادر اللقاء الذي دار بينهما كالتالي:

جاء أحدهم  إلى عبد الله بن مسعود فقال: إني مررت ببعض مساجد بني حنيفة، وهم يقرؤون قراءةً ما أنزلها الله على محمد صلى الله عليه وسلم: والطاحنات طحنًا، والعاجنات عجنًا، والخابزات خبزًا، والثاردات ثردًا، واللاقمات لقمًا

“يقال: إنه لما خلا بسجاح سألها ماذا يوحى إليها؟ فقالت: وهل يكون النساء يبتدئن؟ بل أنت ماذا أوحي إليك؟ فقال: ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى؟ أخرج منها نسمةً تسعى، من بين صفاق وحشا.

قالت: وماذا؟ فقال: إن الله خلق للنساء أفراجا، وجعل الرجال لهن أزواجًا، فنولج فيهن قعسًا إيلاجًا، ثم نخرجها إذا نشاء إخراجًا، فينتجن لنا سخالًا إنتاجًا.

فقالت: أشهد أنك نبي، فقال لها: هل لك أن أتزوجك وآكل بقومي وقومك العرب؟ قالت: نعم، فقال: ألا قومي إلى النيك، فقد هيئ لك المضجع، فإن شئت ففي البيت، وإن شئت ففي المخدع، وإن شئت سلقناك، وإن شئت على أربع، وإن شئت بثلثيه، وإن شئت به أجمع، فقالت: بل به أجمع، فقال: بذلك أوحي إلي، وأقامت عنده ثلاثة أيام، ثم رجعت إلى قومها فقالوا: ما أصدقك؟ فقالت: لم يصدقني شيئًا، فقالوا: إنه قبيح على مثلك أن تتزوج بغير صداق، فبعثت إليه تسأله صداقاً، فقال: أرسلي إلي مؤذنك، فبعثته إليه – وهو شبت بن ربعي – فقال: ناد في قومك: إن مسيلمة بن حبيب رسول الله قد وضع عنكم صلاتين مما أتاكم به محمد – يعني صلاة الفجر وصلاة العشاء الآخرة – فكان هذا صداقها عليه.

خطر مستفحل… وتأثير مستمر

كان لزواج مسيلمة وسجاح عميق الأثر على حركة حروب الردة، وأصبحت هدفا أساسيا لأبي بكر الصديق، فأرسل لهما جيشين، قاد الأول عكرمة بن أبي جهل، وقاد الثاني شرحبيل بن حسنة، فلم يستطيعا الانتصار على مسيلمة، إلى أن أرسل خالد بن الوليد، فتمكن من هزمه بعد حرب ضروس، كاد فيها جيش مسيلمة أن يفتك بخالد، حتى أنهم دخلوا خيمته وأوشكوا أن يقتلوا زوجته لولا أن أجارها أحد الأسرى.

بحسب النصوص، فإن تأثير مسيلمة على قومه كان قويا، إذ يروى أن خالدا ألقى القبض على مجموعة من كبار فرسان القوم “لما عرضوا عليه قال لهم: ماذا تقولون يا بني حنيفة؟ قالوا: نقول منا نبي ومنكم نبي، فقتلهم إلا واحدًا اسمه سارية“.

تمكن خالد بن الوليد من هزم مسيلمة وقتل بعقر داره في الحديقة التي يقال لها حديقة الموت، وقد رماه وحشي بن حرب (قاتل حمزة) بالحربة فعقره كما تعقر النوق، وضربه أبو دجانة على رأسه ففلقه، في معركة اليمامة سنة 12 هجرية.

لكن، مع ذلك، بقي أثر مسيلمة حاضرا في قومه. تحدثنا المصادر عن قتل مجموعة منهم بعد ذلك بسنوات طويلة؛ إذ، وبحسب الروايات، فإن أحدهم “جاء إلى عبد الله بن مسعود فقال: إني مررت ببعض مساجد بني حنيفة، وهم يقرؤون قراءةً ما أنزلها الله على محمد صلى الله عليه وسلم: والطاحنات طحنًا، والعاجنات عجنًا، والخابزات خبزًا، والثاردات ثردًا، واللاقمات لقمًا. قال: فأرسل إليهم عبد الله فأتي بهم وهم سبعون رجلًا ورأسهم عبد الله بن النواحة (أحد الرسولين اللذين حملا كتاب مسيلمة إلى النبي)، قال: فأمر به عبد الله فقتل، ثم قال: ما كنا بمحرزين الشيطان من هؤلاء ولكن نحوزهم إلى الشام لعل الله أن يكفيناهم“.

كانت حركة مسيلمة واحدة من أكثر الحركات تأثيرا وامتدادا في الفترة النبوية، خاصة عند تحالفه مع سجاح التي نخصص لها الجزء الثالث والأخير من هذا الملف، عن مدعي النبوة خلال الأيام الأخيرة للرسول.

لقراءة الجزء الأول: مدعو النبوة في حياة الرسول: الأسود العنسي 1/3

لقراءة الجزء الثالث: مدعو النبوة: سجاح التميمية… النبية التي حسن إسلامها 3/3

مقالات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *