×
×

مدعو النبوة في حياة الرسول: الأسود العنسي 1/3

أجمعت المصادر الإسلامية أن أول من أعلن نبوته خلال حياة الرسول، هو الأسود العنسي باليمن…
تمكن العنسي من السيطرة على كل بلاد اليمن، وانتشر خبره في باقي المناطق بشكل سريع حتى وصل للطائف والبحرين. للتخلص منه، لم يكن أمام المسلمين إلا… قتله غيلة.

كانت السنة الحادية عشرة للهجرة واحدة من السنوات المفصلية في تاريخ الإسلام، إذ بعد عودة النبي من حجة الوداع، أصيب بوعكة صحية، فاضطرب الأمر داخل المدينة وخارجها…

في هذا الملف، نسلط الضوء على بعض الذين ادعوا النبوة خلال المرحلة الأخيرة من حياة الرسول.

تجدر الإشارة إلى أننا اعتمدنا في إنجاز هذا الملف على أمهات كتب التراث الإسلامي، واعتمدنا الروايات الواردة بالمصادر التالية:

–         تاريخ الرسل والملوك للطبري (المتوفى: 310هـ) و(صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد القرطبي، المتوفى: 369هـ)، دار التراث – بيروت، الطبعة: الثانية – 1387 هـ

–         البداية والنهاية لأبو الفداء إسماعيل بن كثير (المتوفى: 774هـ)، دار إحياء التراث العربي، الطبعة: الأولى 1408، هـ – 1988 م/ وطبعة ار الفكر 1407 هـ – 1986

–         فتوح البلدان لأحمد البَلَاذُري (المتوفى: 279هـ)، دار ومكتبة الهلال- بيروت، 1988 م

–         البدء والتاريخ، للمطهر بن طاهر المقدسي (المتوفى: نحو 355هـ)، مكتبة الثقافة الدينية، بور سعيد.

–         الكامل في التاريخ لعز الدين ابن الأثير (المتوفى: 630هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، 1417هـ / 1997م

–         المنتظم في تاريخ الأمم والملوك لجمال الدين محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى، 1412 هـ – 1992 م

–         تجارب الأمم وتعاقب الهمم لأبو علي أحمد بن مسكويه (المتوفى: 421هـ)، سروش، طهران، الطبعة: الثانية، 2000 م

–         تاريخ ابن الوردي لعمر ابن الوردي المعري الكندي (المتوفى: 749هـ)، دار الكتب العلمية – لبنان / بيروت، الطبعة: الأولى، 1417هـ – 1996م

–         تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام لشمس الدين الذهبي (المتوفى: 748هـ)، المكتبة التوفيقية

–         التنبيه والإشراف لأبو الحسن المسعودي (المتوفى: 346هـ)، دار الصاوي – القاهرة

–         تاريخ خليفة بن خياط لأبو عمرو خليفة بن خياط (المتوفى: 240هـ)، دار القلم , مؤسسة الرسالة، دمشق، بيروت، الطبعة: الثانية، 1397.

 

الأسود العنسي: المتنبي الأول

أجمعت المصادر الإسلامية أن أول من أعلن نبوته خلال حياة الرسول كان هو الأسود العنسي باليمن، وقد كان هذا البلد ممزقا بين الفرس والقوة الإسلامية الممتدة، وإن كانت الغلبة لهذه الأخيرة. في هذا السياق، سيظهر “عبهلة بن كعب بن غوث” أو “الأسود العنسي“.

وصل الخبر إلى النبي في المدينة، وقد كان آنذاك متوعكا، فأرسل بكتابه إلى مسلمي اليمن يأمرهم بمحاربة العنسي، “قال جشنس الديلمي: فجاءتنا كتب النبي صلى الله عليه وسلم  يأمرنا بقتاله، إما مصادمةً أو غيلةً”

عرف بالأسود للون بشرته، وقد كان كاهنا ادعى النبوة، ولم ينكر نبوة محمد، كما كان يقول بأن الوحي يأتيه عن طريق ملكين هما: سحيق وشقيق، وسمى نفسه رحمان اليمن، كما سمي بـ”ذو الخمار” لأنه كان يضع خمارا على وجهه بشكل دائم، وقد عرف عنه قوله:

والمايسات ميساً والدارسات درساً يحجون عصبا وفردا على قلائص حمرا وصهبا“.

من كهف خبان إلى البحرين

ظهر بعد حجة الوداع من منطقة في اليمن يقال لها كهف خبان، ثم اتفق مع قبيلة مذحج اليمنية، فأصبح سيدا عليهم، وخرج معهم في 700 مقاتل يقصد نجران التي كانت خاضعة للمسلمين، “وكتب إلى عمال النبي صلى الله عليه وسلم: أيها المتمردون علينا، أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا، ووفروا ما جمعتم، فنحن أولى به، وأنتم على ما أنتم عليه“. (ابن كثير)

لم يلبث العنسي أن هاجم نجران التابعة للفرس، وطرد منها عمرو بن حزم وخالد بن سعيد بن العاص، واستولى على ملكها بعد عشرة أيام من خروجه إليها، ومن ثم توجه إلى صنعاء، حيث قاتل “شهر بن باذام” وتمكن من قتله، وشتت أبناءه، وتزوج من زاذ زوجة شهر، ودخل صنعاء بعد خمس وعشرين يوما فقط من خروجه من كهف خبان، بينما فر معاذ بن جبل وأبو موسى الأشعري صوب حضر موت، وعاد عمر بن حرام وخالد بن سعيد بن العاص إلى المدينة، وتمكن العنسي من السيطرة على كل بلاد اليمن. وانتشر خبره في باقي المناطق بشكل سريع حتى وصل للطائف والبحرين، “واشتد ملكه، واستغلظ أمره، وارتد خلق من أهل اليمن وعامله المسلمون الذين هناك بالتقية” (بن كثير).

القتل غيلة للتخلص من المتنبي الجديد

وصل الخبر إلى النبي في المدينة، وقد كان آنذاك متوعكا، فأرسل بكتابه إلى مسلمي اليمن يأمرهم بمحاربة العنسي، “قال جشنس الديلمي: فجاءتنا كتب النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا بقتاله، إما مصادمةً أو غيلةً“، وكان على رأسهم معاذ بن جبل الذي كان صهرا لقبيلة السكون، فبدأ الاتفاق بينهم وبين من تبقى من المسلمين باليمن، وقيس بن عبد يغوث، الذي كان أميرا لجند العنسي كما كان ابن عم زوجته زاد، قبل أن يدب بينهما الخلاف، وفيروز الديلمي أحد أمراء الأسود.

هاجموه ليلا “وهو سكران نائم فذبحه قيس ذبحا فجعل يخور خوار الثور حَتَّى أفزع ذلك حرسه، فقالوا: ما شأن رحمان اليمن فبدرت امرأته فقالت: إن الوحي ينزل عَلَيْهِ فسكنوا وأمسكوا واحتز قيس رأسه

بدأ التنسيق بين المجموعة وبين بعض أمراء اليمن، كما تواصلوا مع زوجته زاذ، “قال قيس: فدخلت على امرأته آزاذ، فقلت: يا ابنة عمي، قد عرفت بلاء هذا الرجل عند قومك: قتل زوجك، وطأطأ في قومك القتل، وفضح النساء، فهل عندك ممالأة عليه؟ قالت: على أي أمر، قلت إخراجه، قالت: أو قتله، قلت: أو قتله، قالت: نعم”.

دبرت زوجة العنسي الخطة والتي كانت تقضي بأن تقوم بإسكاره، حتى يغط في النوم، ومن ثم يدخل قيس وفيروز ومن معه، ويقتلونه، ويفصلون رأسه عن جسده، وهو ما تم لهم فهاجموه ليلا “وهو سكران نائم فذبحه قيس ذبحا فجعل يخور خوار الثور حَتَّى أفزع ذلك حرسه، فقالوا: ما شأن رحمان اليمن فبدرت امرأته فقالت: إن الوحي ينزل عَلَيْهِ فسكنوا وأمسكوا واحتز قيس رأسه ثُمَّ علا سور المدينة حين أصبح فقال: اللَّه أكبر اللَّه أكبر أشهد أن لا إلا اللَّه وأشهد أن محمدا رَسُول اللَّهِ وأن الأسود كذاب عدو اللَّه، فاجتمع أصحاب الأسود فألقى إليهم رأسه فتفرقوا إلا قليلا، وخرج أصحاب قيس ففتحوا الباب ووضعوا في بقية أصحاب العنسي السيف فلم ينجح إلا من أسلم منهم“. (فتوح البلدان).

جعل الناس معاذ بن جبل يصلي بالناس، بينما وصل الخبر إلى النبي في المدينة ليلة وفاته، وإن كانت المصادر قد اختلفت في تاريخ القضاء على العنسي فبعضهم أرجعها لزمن أبي بكر، بينما اتجهت أغلب الروايات إلى أن الأمر تم قبيل وفاة النبي.

كانت ثورة العنسي واحدة من أخطر الحركات التي هددت سلطة المدينة في لحظة تاريخية مفصلية، وغير بعيد منها، كان مسيلمة وسجاح يوشكان أن ينافسا المدينة، وهو ما سنلقي عليه الضوء في الجزء الثاني من هذا الملف.

 

لقراءة الجزء الثاني: مدعو النبوة في حياة الرسول: مسيلمة الكذاب 2/3

لقراءة الجزء الثالث: مدعو النبوة: سجاح التميمية… النبية التي حسن إسلامها 3/3

مقالات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *